الرئيسية / أضواء على / شيخوخة الملل… أود أن أموت وأحلم وأستمع إلى الموسيقى

شيخوخة الملل… أود أن أموت وأحلم وأستمع إلى الموسيقى

ترجمة عبد الله الحيمر 
https://www.alquds.co.uk/
31032020

برنار بيفو إعلامي وناقد أدبي فرنسي، قدّم برامج فكرية وأدبية على الشاشات الفرنسية العمومية. دخل التلفزيون عام 1975 من خلال تقديم برنامج «أبوستروف» (الفاصلة) 1990 وبرنامج «حسوة الثقافة» (Bouillon de culture). استضاف في برنامجه الأدبي، أسماء كبيرة من بينها الروائي محمد شكري، وخصص حلقة خاصة لنجيب محفوظ عندما فاز بجائزة نوبل للآداب. وحاور كتّابا وروائيين عالميين، كأنطوني بيرجس وألبرتو مورافيا وغنتر غراس وجيل دولوز وفيليب موراي والموسيقي الروسي راشمانيونف وشارل بيكوفسكي وليش فاليسا الرئيس البولوني السابق وسولجنتسين الأديب الروسي المنشق الشهير، وجاك دريدا واللغوي سيمون ليس. ألف رواية هي «الحب الرائج» عام 1959 و«إنذار خادمة لم تتجاوز سن الخمسين» عام 1998 و«مهنة القراءة» عام 1990.

يبقى الجميع متساوين أمام الموت والزمن، ولا أحد يستطيع أن يوقف الزمن، العمر مساحة، تأمل، ملل، سفر العبور إلى نهايات لا طمأنينة.

يبقى الجميع متساوين أمام الموت والزمن، ولا أحد يستطيع أن يوقف الزمن، العمر مساحة، تأمل، ملل، سفر العبور إلى نهايات لا طمأنينة. ولكل شخص طريقته الخاصة برؤية شيخوخته، فمثلا بيكون يقول «الشيخوخة أبشع من الموت». وهذا برنارد بيفو الإعلامي الفرنسي الكبير الذي حاور كل المفكرين والروائيين عن العزلة وعن الموت وعن الشيخوخة، يقدم لنا نصا رائعا وملهما عن شيخوخته في كتابه «كلمات من حياتي». رجل قبل هذا المصير بقوة وخيال بدلا من الحزن والتخلي.
«كان بإمكاني القول:
إن التقدم في السن أمر محزن، إنه أمر لا يطاق،
إنه أمر مؤلم، إنه أمر مروع،
إنه محبط، إنه قاتل.
لكنني فضلت «ممل»
لأنه صفة قوية
لا تجعلك حزينًا.
إن التقدم في السن أمر مزعج لأنك لا تعرف متى يبدأ ولا تعرف متى سينتهي.
لا، ليس صحيحًا أننا نشيخ منذ الولادة (إشارة لقولة هايدغر)
لقد كنا منذ فترة طويلة في حالة جديدة في شبابنا، مقبلين بنهم على الحياة، متصالحين مع ذواتنا.
شعرنا بالرضا عن أنفسنا.
نشعر مزهوين بجدارة الحياة. غير معرضين للخطر.
الحياة أمامك. جيدة جدا، حتى في سن الخمسين والستين.
نعم، نعم، أؤكد لكم أنني ما زلت أتمتع بصحة جيدة، ومازالت لي مشاريع ورغبات وشغف.
ما زلت أنا كما كنت دائما، في هذه الأثناء رأيت في نظرات الشباب…
رجال ونساء في قمة عمرهم لم يعودوا يعتبرونني واحدًا من جيلهم، غير مرتبط بهم، ولا حتى بهامشهم.
قرأت في أعينهم أنهم لن يكونوا متساهلين تجاهي مرة أخرى.
نظرات مهذبة، مختلفة، مثنية، ولكن لا ترحم.
بدون أن أدرك ذلك، لقد دخلت في خانة الفصل العنصري للأعمار.
الأكثر فظاعة، جاء من الإهداءات بتوقيع الكتب، وخاصة المبتدئين.
«مع موفور الاحترام»، «مع الاحترام والتقدير»، «مع كل تقديري واحترامي»
الأوغاد! ربما ظنوا أنهم سيسعدونني بعبارات التقدير والاحترام المحترم؟ البلهاء!
وكذلك الإهداءات الرسمية المقتبسة من وسام الفنون والثقافة الفرنسية: «العزيز المبجل السيد برنار بيفو» التي تجعلك تبدو أكبر عشر سنوات من عمرك الحقيقي! في أحد الأيام، وأنا في المترو الباريسي، كانت هذه هي المرة الأولى التي تقوم فيها شابة صغيرة لإعطائي مكانها.. كنت على وشك صفعها. ثم توسلت إليها للجلوس مرة أخرى، وسألتها إذا كنت كبير السن حقًا، وإذا ما كنت قد ظهرت لها متعبا؟ أجابت محرجة، «لا، لا، لا على الإطلاق».
– أنا على الفور: هل تعتقدين ذلك؟
قالت: «ظننت، أنني لا أعرف، لم أعد أعرف بعد الآن، إن الأمر سيجعلك سعيدًا بالجلوس.
-»لأن شعري أبيض؟»
قالت: «لا، ليس الأمر كما تظن، لقد رأيتك واقفا، وبما أنك أكبر مني، فقد كان ذلك رد فعل إنساني، فنهضت من أجلك».
– «أنا أبدو كثيرًا… أكبر منك سنا؟»
قالت: «لا، نعم، على الأقل قليلاً، لكنها ليست مسألة عمر».
-»إذن، سؤال ماذا؟»
قالت: «أنا لا أعرف، مسألة سلوك حضاري، هذا ما اعتقدته بالأخير».
توقفت عن مضايقتها، وشكرتها على لفتتها الكريمة، ورافقتها إلى المحطة حيث كانت تنزل لأقدم لها مشروبًا.
إن مكافحة الشيخوخة تعني، قدر الإمكان، عدم التخلي عن أي شيء.
لا في العمل، ولا في السفر، ولا في الحفلات، ولا في الكتب، ولا في تذوق بشراهة كل المأكولات ولا في الحب، ولا في الحلم.
الحلم هو أن تتذكر الذكريات، لساعات رائعة.
هو مثل التفكير في المواعيد الجميلة التي تنتظرنا.
هو ترك عقلك يهيم بين الرغبة واليوتوبيا.
الموسيقى منشط قوي للأحلام. الموسيقى مخدر حلو.
أود أن أموت، حالمًا، على أريكة وأنا استمتع بالإنصات إلى أدجيو كونشرتو موزارت رقم 23، أو بالمثل، أندانتي من كونشرتو رقم 21.
الموسيقى التي سوف تكشف لعيني مناظر خلابة لما وراء الطبيعة.
لكن أنا و(موزارت) لسنا على عجلة من أمرنا
سوف نأخذ وقتنا.
مع التقدم في العمر، الوقت يمر إما بسرعة كبيرة، وإما ببطء شديد.
ولا نعرف مقدار رأس المال الذي لا يزال لدينا، متى ترتفع أسهم حياتنا، في أي سنوات؟ أو في أي شهور؟ أو في أي أيام؟
لا، لا ينبغي أن نفكر في الوقت المتبقي لنا كرأسمال بشري.
ولكن مثل هدية انتفاع، طالما كنا قادرين على ذلك، يجب أن نستمتع به باعتدال.
بعدنا، الطوفان لا، موزارت».
الوقت الذي يمرّ هو شعور بالألم عندما نخضع له، ولكنه سعادة عندما نستمتع به. خصوصا إذا كانت اللحظات الأخيرة تلعب على بعض النوتات الموسيقية.
هذه طريقة لطيفة للتفكير في الشــــيخـوخة (حتى لو كانت مملة).

ترجمة بتصرف عن كتاب «كلمات حياتي» الذي كتبه برنارد بيفو

اضف رد