الرئيسية / home slide / “شو بدّك تقتل ت تقتل” تقول غربة لفاتك المتسلّط

“شو بدّك تقتل ت تقتل” تقول غربة لفاتك المتسلّط

08-02-2021 | 00:17 المصدر: النهار

عقل العويط

“شو بدّك تقتل ت تقتل” تقول غربة لفاتك المتسلّط

مرّةً جديدةً أجدُني معنيًّا بالعلاقةِ بين الحرّ والقاتل. الحرُّ ليس عنده إلّا #الحرّيّة. وليس عند هذا الحرّ ما يخسرُهُ، أو ما يربحُهُ، إلّا الحرّيّة. أمّا القاتلُ فليس عنده إلّا القتل. وهو، إذا لم يقتل، يخسرُ كلّ شيء. لا وجودَ للقاتل إلّا بالقتل. بالقتل، يحقّق القاتلُ ذاتَه. أتدركون، والحالُ هذه، أيَّ حياةٍ يحياها القاتلُ، وأيَّ مصيرٍ ينتظرُه، إذا لم يقتلْ؟!  بعد إنجازِ فعلِ القتل، يتوهّمُ بعضُهُم أنّ الأمرَ يستتبُّ للقاتل. هل صحيحٌ هذا التوهّم؟! ترى، أيرتاحُ القاتلُ ويطمئنُّ ويتلمّظُّ، لأنّه أزاحَ القتيلَ من دربِه؟ وإذا أزاحه، كيف يزيحُ عينيه من عينيه؟ إسألوا قايين، هل استطاع قايين أنْ يهربَ من عينَي هابيل؟! والقاتلُ، هل يربحُ القاتلُ حقًّا، إذا قَتَلَ؟! وإذا كان يربحُ حقًّا، فماذا يربحُ؟! أيستتبُّ له الأمرُ بالقتل، ويربحُ السلطة؟ والسلطةُ هذه، هل تدومُ؟ وإذا دامتْ، فإلى متى تدومُ ديمومتُها إذا كانت قائمةً فقط على الإلغاءِ والمحوِ والاغتيالِ وتعميمِ الإرهابِ والرعبِ والرأيِ الواحد؟ والقاتلُ، هل يا ترى، يفكّرُ القاتلُ، في لحظةِ صفاءٍ ما، في ما سيؤولُ إليه أمرُهُ إذا انقلبَ سحرُهُ عليه؟ وإذا كان يستحيلُ عليه أنْ يرتقي إلى لحظةِ صفاءٍ عقليٍّ كهذه اللحظة، ألَا تعبرُ في خاطرِهِ، وإنْ عبورًا خاطفًا، ما آلتْ إليه أحوالُ القَتَلة الذين سبقوه في مضمارِ القتلِ والسؤدد؟! علمًا أنّه لم يدُمْ عهدٌ لقاتلٍ، في الأزمنةِ والأمكنةِ كلّها، فكيف يدومُ عهدٌ لقاتلٍ جديد؟ لهذا القاتل. لكنْ، أتُجدي، يا ترى، مخاطبةُ القاتلِ بالعقلِ والحرّيّة. أقول عبثًا، ويا ليتَني أكونُ مخطئًا. فلأخاطب، إذًا، الحرّيّة. حرّةٌ هي الحرّيّةُ. وهي – لأنّها حرّةٌ – لا تموتُ. تُعذَّبُ الحرّيّةُ، تُلاحَقُ، تُرَهَّبُ، تُصلَبُ، تُسحَلُ، تُحرَق، تُكَمُّ أفواهُها، يُضرَّجُ حبرُها، تُقتَلُ، وتُدفَنُ، في مقابرَ موصودةٍ بالإسمنتِ المسلّح، الذي قد لا تقوى عليه تفجيراتٌ نوويّةٌ، مهما بلغتْ شدّتُها. أقول: عبثًا هذا كُلُّه. فالحرّيّةُ حرّةٌ، ولهذا السبب، هي لا تموت. أنصحُ للجميع بألّا يضيِّعَ الوقتَ في البحثِ عن هذه الحرّيّةِ في كتبِ التاريخِ والذاكرة، باعتبارِها إرثًا ماضيًا ومندثرًا. إنّها حاضرةٌ ها هنا، وفي كلّ مكانٍ وزمان. ما دقَّ أحدٌ بابَها يومًا، ولن يدقَّ أحدٌ بابَها، اليومَ وغدًا، إلّا وجدها، وسيجدُها، حاضرةً ناضرةً، حرّةً من كلِّ قيدٍ أو شرط.  لا أحدَ يعرفُ متى يعودُ ربّ البيت، أفي النهارِ، أم في منتصفِ الليل، أم في الهزيعِ الأخير. فالويلُ لقاتلٍ ترمشُ عينُهُ رمشًا. ففي تلك اللحظةِ غيرِ المعتبَرة، تخرجُ الحرّيّةُ من تحت الأرض، من القبورِ، ومن قبورِ التيهِ والصمتِ والرضوخِ، وتنتشرُ انتشارًا قياميًّا في البيوت، في الهواء، في الخيال، في النوم، في اليقظة، في الشوارع، على الشرفات، في الحصون، في القصور، في السرايات، في المخابئ، ولا يعودُ في مقدور أحدٍ أنْ يُملي إرادتَه عليها. وآنذاك يُسَمعُ بكاءُ القَتَلَة، وصريفُ الأسنان. من أقاصي الأرض إلى أقاصي الأرض، حرّةٌ هي الحرّيّة. فهي لم تمشِ يومًا في شارع، في مدينةٍ، في ليلٍ، في نهارٍ، في بحرٍ، في صحراء، على جبلٍ، أو في وادٍ، إلّا مدجَّجةً بذاتِها، بفكرتِها، وبعري لغتها. وهي حرّةٌ في سجنِها، وهي حرّةٌ في موتِها. لأنّها تولدُ منه. لم تنمْ الحرّيّةُ يومًا على مخدّةٍ، وراءَ بابٍ مقفلٍ، محروسةً بمسدّسٍ أو بمدفعٍ، ولا مختبئةً وراء متراس. ولم تستيقظْ مذعورةً، يومًا، من استراحةٍ، أو من قيلولةٍ، لتهبَّ باحثةً بهلعٍ عن خنجرٍ أو عن ترسٍ، تردُّ بهما أعداءها، وتستقوي بهما على آخر، أيًّا يكن هذا الآخر.  الحرّيّة حرّةٌ أينما كان، من لبنان المستعبَد والمحتلّ هذا، إلى فلسطين المحتلّة، إلى سوريا المحتلّة، وإلى كلّ مكانٍ تحت الشمس، وحيث ثمّة يقظةُ عقلٍ وقلبٍ وروح. وإذ أجدُني معنيًّا بالعلاقةِ بين الحرّ والقاتل، يحضرني وأنا أختمُ هذا المقال، حوارٌ فذّ بين القاتل والقتيل في “جبال الصوّان”، حيث تخاطب غربة (فيروز) فاتك المتسلّط (أنطوان كرباج) بالقول: شو بدّك تقتل ت تقتل؟ ما بقى رح تخلص القصة. ورا كل صخرة، تحت كل شجرة، بفيّة كل بيت، عميخلق ولد لمدلج”.