الرئيسية / مقالات / شو القصة يا مخيبر؟

شو القصة يا مخيبر؟

سأل المفتش الجمركي المسافر الواصل من لبنان: هل معك ممنوعات؟ أجاب المسافر، أبداً. هل تحمل أكياس بلاستيك؟ أجاب أن معه كيساً واحداً يضع فيه ما اشتراه من المنطقة الحرة. طلب منه المفتش تسليم الكيس، الاحتفاظ بالبضاعة، ودفع غرامة مقدارها 150 دولاراً.

في أي مطار حدث هذا: جنيف، اوسلو، ام هلسنكي؟ في مطار كيغالي، عاصمة رواندا، حيث قتل 800 الف إنسان بالسواطير. منذ 2017 اصبحت كيغالي انظف مدينة في افريقيا، والثالثة الأكثر نظافة في العالم.

قبل أسابيع بعث الزميل نخلة عضيمي (MTV) برسالة تلفزيونية من أحد شواطئ (أو جبال، لا أذكر) لبنان وتساءل: أين نحن؟ في بلاد الماو ماو؟ أيها الزميل العزيز، الماو ماو كانت حركة تحرر في كينيا، التي سعدتُ بتغطية استقلالها. وكينيا هذه بلاد الماو ماو، حظرت منذ ثلاث سنوات، صناعة، أو تجارة، أو استيراد البلاستيك، تحت عقوبة 50 الف دولار وأربع سنوات سجناً. لا مجال، إذاً، للمقارنة. أقصد بين بلادنا وبلاد الماو ماو. أكرر دائماً ما سمعته من نائب الماريشال تيتو وصاحب “محادثاتي مع ستالين”، ميلوفان دجيلاس: “اكثر ما لفتني في بلادكم زرقة المتوسط وكمال جنبلاط”. يقصد أن زرقة المتوسط عندنا أكثر لازوردية من كل حوضه. الآن، نحن اكثر زرقة بأكياس البلاستيك. وباقي زبالات القوم.

أعطيت مَثَل رواندا لكي أعرض الفارق. لقد تجاوزت تقريباً جروح مآسيها، فيما لا نزال نتذرع على كل شيء بـ”الحرب”. كل قباحة نردها الى الحرب وكأن آثارها تبرئة لآثامنا اليوم. نحكي عن الاجرام في السير، فيقال لك “جيل الحرب”. ونحكي عن القتل على الطرقات، فيقال لك “تربية الحرب”. تتساءل، ما دمت لست في بلاد الماو ماو، لماذا موكب آخر سياسي مؤلف من عشرين سيارة ومركبة وطزطازة، كما سماها فيلمون وهبي، فيقال، الحرب.

في ساراييفو، بيروت البلقان، عادت الحياة الى قوانينها الطبيعية. كانت مثل بيروت، مدينة الجميع، ومثلها صارت حروب الجميع. والآن عادت، تقريباً، الى ما كانت. لا أحد يتذرع بالحرب. ولا يذكرها أحد إلا في خجل وحياء. وكذلك حدث في كيغالي، وفي ايرلندا الشمالية. وكذلك في اسبانيا، اشهر حرب أهلية بعد حرب الشمال والجنوب في الولايات المتحدة.

ممن يخاف إذن ذوو هذه المواكب، المعتّمة قلوبهم وقلوبنا؟ يروي الزميل سمير صنبر في كتابه الممتع “عالم من ورق”(1) أنه دخل بسيارته شارعاً بعكس السير معتزاً بشبابه ونفوذه، فإذا به امام سيارة في وجهتها الصحيحة. وبدل ان يرجع ويترك صاحب الحق يمر، راح يصرخ بالسائق، فسمع صوتاً من المقعد الخلفي يقول للسائق: “شو القصة يا مخيبر؟” وتطلع سمير ليرى مَن الذي يسأل، فرأى فؤاد شهاب. ونزل يعتذر، لكن فؤاد شهاب اصر: مخيبر، خلّي الاستاذ يمرق. هيئتو عندو شغل.

ذكّرتني قصة سمير وقائد الجيش بقصة سمير آخر وقائد جيش آخر. كنتُ ذاهباً إلى “النهار” بعد الظهر عندما رأيت سيارة “بويك” سوداء تتجاوزني. فلم يهن الأمر عليّ (لبناني منذ أكثر من عشر سنين). فرحت أسابق حتى رأيت الراكب في المقعد الخلفي يشير للسائق بأن يتركني أمرّ. ومررت. وتطلعتُ الى جانبي، فرأيت قائد الجيش، العماد اسكندر غانم. يلوح لي بالتحية. ولم أعد اسابق أحداً إلا نفسي.

يقال، هذا صحيح. لكن البلد تغيّر. واعداد الناس تضاعفت (الجماهير الغفورة، وفقاً لفيلمون وهبي) والطرقات لا تكفي كل هذه المخلوقات وما اليها، فأين المشكل؟ المشكل في ان عدد “ما إليها” تضاعف أكثر بكثير من عدد البشر. وأنا استطيع أن أقسم على أن عدداً كبيراً من الذين يقودون المركبات كل يوم، لا صلة لهم بالخَلق أو بالخليقة، أو بكل ما اشتق منها.

استخدمت كلمة “مركبات” عمداً لكي ارطّب قليلاً هذا الجو الخانوقي. أريد أن أنقل حكاية أخرى من “عالم من ورق”. يروي سمير صنبر أن الرئيس رشيد كرامي كان يساعد سيدة من الاريستوقراطية اللبنانية في اعمالها الخيرية. ومعروف أن الرئيس الراحل كان يتحدث دائماً بالفصحى، بينما سيدات بيروت والفصحى… سلامتك، مون شير. وعندما صادَفَت السيدة ذات يوم صاحب “ولعمري” في حفل استقبال، تقدمت بكامل جمالها وجلالها ودلالها وقالت للأفندي بصوت عال: “ما تواخذنا يا دولة الرئيس، ركبناك”. بمعنى أثقلنا عليك. وابتسم الافندي نصف الابتسامة المعروفة، وقال بفصحاه: “يا حبذا… يا حبذا”.

كانوا كباراً وظرفاء أيضاً. وكان البرلمان يتحول أحياناً إلى مسرح الساعة العاشرة، إذا احتدمت بين رشيد افندي وصائب بك، أو بين ريمون اده وصبري بك. وكان الصحافيون الذين يغطّون الجلسات يبنون التغطية على “اللقطات”، اكثر مما على السياسات. واحدة عفوية والأخرى متوقعة.

في ذروة الحرب، خرج رشيد كرامي على الناس المرتعدة خوفاً، يطلب منهم الذهاب الى البحر وتنشق “اليود” المفيد للصحة! لكن بيروت مضت تشتعل وتلتهم رمادها. وقال كثيرون، اخطأ كرامي. لكن كرامي لم يخطىء. فإلى ماذا كانوا يتوقعون منه أن يدعو؟ إلى القتل على الهوية؟ إلى القنص على المفارق؟ إلى ركوب البحر.

تذكّر لبنان الاسبوع الماضي مرور 32 عاماً على غياب كميل شمعون. لا يمكن أحداً ان يضيف الى ما نكتبه ويكتبه طبيبه، الدكتور زيدان كرم. في مرحلة ما، كان هناك رجال يدركون انهم يعملون للتاريخ. ذات مرة، سألت الرئيس امين الحافظ، نائب طرابلس ونجل مفتي القدس، من كان في رأيه أهم رئيس جمهورية؟ دون تردد، قال كميل شمعون. ولما رأى أنني فوجئت بالجواب، قال “لأنه جاء الى البلد بالازدهار”.

رجال دولة للتاريخ، وإن تخاصموا في ما بينهم. صائب ورشيد وكميل وكمال وبيار وريمون، ونهفات الحاج حسين، وعبقرية الطربوش الآخر، تقي بك. وفؤاد شهاب، أقوى رئيس منذ جده بشير، يسأل سائقه: شو القصة يا مخيبر. لعمري.

(1) “عالم من ورق”، الدار العربية للعلوم – ناشرون.

اضف رد