الرئيسية / home slide / شوقي متّى سيرة خيبة لبنانية

شوقي متّى سيرة خيبة لبنانية

06-10-2022 | 00:00 المصدر: “النهار”

هوفيك حبشيان

شوقي متّى.

مات شوقي متّى عن أربعة وسبعين. كان بالكاد أكبر سنّاً من البدايات الحقيقية للسينما ال#لبنانية والسؤال الذي طرحه جورج نصر “إلى أين؟” وتركه مفتوحاً على كلّ الاحتمالات. مضى وفي قلبه حسرة. كان يقول: “جيلنا خاب أمله والجيل الجديد فاقد الأمل منذ الولادة”. سيرته تجسّد تجربة الفنّان المنقوصة والخيبة اللبنانية.

كان شوقي متّى في الصف الثامن عندما قرر ان يصبح ممثّلاً. لم يكن يهمّه كيف سيحدث ذلك. بات مقتنعاً بأن عليه السفر إلى الخارج لدراسة التمثيل، ولم يكن ذلك ممكناً في لبنان وقتذاك. في الستينات، عندما كان مراهقاً، اعتاد الهروب من المدرسة لمشاهدة الأفلام في ساحة البرج ثم نيل عقابه من والديه. كان يشاهد أفلاماً من تمثيل جون واين وغيره، متسائلاً لِمَ تختلف أفلامنا عن الأفلام الأميركية. والداه أراداه محامياً، في حين هو كان يراسل الأكاديمية الملكية في لندن ويحلم بالالتحاق بها. رسب عمداً مرتين في الامتحانات الرسمية، كي لا يدخل كلية الحقوق. خطوته المهمة الأولى تجسّدت في لقائه ريمون جبارة الذي نصحه ان يقرأ كثيراً وان يتمرّن. أخذ متى بنصيحته، وسرعان ما عُرض عليه دور في “قطط شارع الحمراء” لسمير الغصيني (1971) الذي طلب اليه ان يؤدي دور هيبي وان يربّي لحية طويلة. ثم أعطوه الحوار بالإنكليزية لكي يتمرّن على اللفظ خوفاً من ان يسخر منه أحد. حين خرج الفيلم في الصالات، راح يُشاهد نفسه وليس الفيلم. أعجبه دوره لكنه لم يتردد في انتقاد ذاته. بعض النقّاد نصحه بتثقيف نفسه، كونه صاحب طاقات. حتى اندلاع الحرب الأهلية، أطل متّى سينمائياً عبر 8 شخصيات ولعب أدواراً تحت إدارة مخرجين لبنانيين ومصريين، كما ظهر في مسرحيتين. منذ بداياته، لم يحب التلفزيون. في الشاشة الصغيرة، لم يظهر إلا في أعمال معدودة مثل “النفق” والمسلسل الجاسوسي “العين الثالثة” ولاحقاً في 4 حلقات من مسلسل “كومبارس” لأنطوان غندور في دور رجل كاذب يخون زوجته الدائمة التذمّر.

حلم بالتمثيل (#السينمائي خصوصاً) طويلاً، وهذه الهواية التي احترفها جعلته حالماً. حالم لم يحقق الا خمسة في المئة من طموحاته، كما قال لي في اللقاء الوحيد الذي جمعني به قبل أكثر من 15 عاماً، يوم كان لا يزال قادراً على الحلم. بغصّة، روى لي حينها معاناة جيل الحرب الذي ضاع في أوهام وطن مرّ ما مر به من حروب وانتكاسات ومآسٍ، والفنّان الذي أراد ان يكونه، تفاعل معها ودفع أثمانها. مع ذلك كان يقول: “لا تكلّمني عن التضحية. خصوصاً اذا كنت تحبّ عملك”.

في ذلك اللقاء، كان لا بد من الانطلاق بسؤال يُطرح عادةً في نهاية الحوار، كأنني بذلك وددتُ الاطمئنان إلى حالته، فتبين انه يقبل ان أوجّه اليه انتقادات، بكلّ رحابة صدر، برغم ما تردد عن انه لا يطيق النقد. سألته: “بعد أكثر من ربع قرن أمضيته في مجال السينما والتلفزيون والمسرح، كيف تنظر إلى مسيرتك، هل تمارس النقد الذاتي حيالها؟”. فكان جوابه: “كلما نفّذتُ عملاً انتقدتُ نفسي. بلا نقد ذاتي لا يستطيع الإنسان ان يتقدّم. نحن لا نعيش في أميركا، بل في العالم الثالث. وتأكيداً أنني أنتقد ذاتي، فقد أعترف ان “إيفانوفا”، حيث مثّلتُ دوراً، فيلم في منتهى القبح والغباء. قصّة حاتم خوري كانت ممتازة وعنوانها الأصلي “مَن قتل ملك الليل إيفانوف؟”. لكن المخرج فؤاد شرف الدين حوّلها قصّة ابنته إيفانوفا. ويا للأسف، لدى المونتاج، حُذفت مشاهد كثيرة، ولا أعرف السبب. فلم يعد هناك رابط بين المشاهد وتسلسل الأفكار، برغم ان السيناريو كان متماسكاً. لم يحب شرف الدين ان يظهر الليل على حقيقته. هذا يؤكد أننا في سينمانا نحتاج إلى كتّاب سيناريو ومخرجين ومصوّرين وأبطال. السينما ليست لعبة فردية. ولكلّ دوره في نجاح الفيلم أو فشله”.

كان متّى من الممثّلين الذين يبدون استعداداً لأي دور مهما كان جريئاً، وهو صاحب نظرية “على الممثّل ألا يقول أقوم بهذا المشهد ولا أقوم بذاك”. فإما ان يؤدي الأدوار كلها أو يبحث عن مهنة أخرى. وهو ظل على موقفه، متشبثاً به ومعتبراً انه من دواعي الأسف اننا نشهد في الآونة الأخيرة ارتداداً إلى الدين، لا علاقة له بالدين أساساً. وهذا الأمر كان يراه عقبة على طريق تطوّرنا. ثمة أمر آخر يهدد “لبنانيتنا” بحسب متى، وهو تصدير صورة قاتمة عن واقعنا، وهي الصورة التي تكرّست من خلال ما يُسمّى “سينما المؤلف”، وعبر أفلام كانت محل ترحيب في الغرب نظراً لمَا تتضمّنه من سوداوية نمطية إكزوتيكية، بحسب رأيه. “منذ 25 عاماً، يأتي المال من فرنسا أو بلجيكا لإنتاج الأفلام اللبنانية. ولكني لم أرَ في أيّ منها جمال بيئتنا. الأفلام التي صوّرناها في السنوات الأخيرة هي تقليد للغرب، مع بعض الاستثناءات. لكن فيلمي “رُفعت الجلسة” يتكلّم عن الهجرة والمسلّحين وهما من صلب مجتمعنا. “النفق” مثلاً يتحدّث عن البيئة. أما “القرار” فكان عن الشرطة في لبنان وأضحى عملاً مهماً”.

كسائر العاملين في الفنّ السابع، طمح متّى طويلاً إلى التأسيس لسينما لبنانية تحمل هوية وطنية وهموما وطنية. ولكن بسبب الحرب، تعرّض البلد لهجرة أدمغة ومواهب ضخمة، ما بدد آمال بعضهم وجمّد دور الممثّلين التربوي الذين كانوا يلتزمونه قبل 1975. واسهاماً منه في “تكوين الوعي السياسي لدى الشعوب”، على حدّ وصفه، أنتج متّى فيلماً كلف 450 ألف ليرة آنذاك ولم يربح شيئاً، بعدما صوّره تحت القصف، ولكن الممثّل اعتبره وثيقة للتاريخ. والفيلم حمّل الأطراف السياسيين المتصارعين على الأرض مسؤولية خراب لبنان، قبل سنوات من “كلن يعني كلن”. كان يؤمن، وعلى نحو مبالغ فيه أحياناً، ان السياسة في لبنان قتلت إنتاج السينما. أما بشكل عام، فكان يرى ان كلّ مَن يتعاطى السياسة في لبنان منافق. فالسياسيون لا يهتمون الا بالكراسي والقصور التي يبنونها. وكان يضيف مؤكداً: “جعلوا منّا شعبا طائفيا، في حين أننا من أرقى الشعوب، أكنا مسلمين أو مسيحيين”.

هذا كله ترك فيه بعض المرارة التي تلمسها ما ان تتحدّث معه، اذ تتكرر كلمة خيبة على لسانه دائماً. “هذه حال جيلي والجيل الذي سبقنا، من ريمون جبارة إلى شكيب خوري. وقد خاب أملنا فعلاً. أستثني بعض المنتفعين الذين تبعوا أشخاصاً معينين وقبضوا الأموال، ولكنهم لم يقدّموا شيئاً للفنّ. الأهم ان تكون مقتنعاً بما تقوم به. لا أنظر سلبياً إلى كلّ أفلامي. لكنني لم أصل إلى ما أردته كممثّل، ربما بسبب الحرب. ولعبت وسائل الإعلام دوراً في ذلك أيضاً. هناك قانون يقضي بأن لا يُعطى التلفزيون رخصة، الا اذا أنتج 200 أو 300 ساعة درامية في السنة. وعليه أيضاً إنتاج فيلم لبناني سنوياً. الجيل الجديد فاقد الأمل منذ ولادته. نحن على الأقل كان لدينا الأمل، علماً انهم قضوا عليه”.

ما كان يوفّر لمتّى مدخولاً مادياً يسمح له بعيش كريم لم يكن الفنّ إنما محطة وقود كان يشغلها. وهذا لم يتسبب له بأي نوع من الاحباط لأنه كان يرى الأعمال التي تُنتَج ولا يحزن لكونه عاطلاً عن العمل. لم يدفعه هذا الواقع إلى التفكير في الاغتراب، بحثاً عن فرص وتعويضاً عن تلك التي ضاعت في بلد يحاول النهوض مجدداً كل فترة. “كنت في الخارج وعدتُ. ذهبتُ إلى مصر لا إلى أوروبا. أنا واضح وصادق مع نفسي. والأهم بالنسبة إليَّ ان أحقق شيئاً في بيئتي. وليس هدفي ان أكون معروفاً في الخارج، إني مرتبط بأرضي كثيراً ولستُ نادماً على خياري. النجومية تكمن في العمل الذي تقدّمه. لا أحب كلمة نجم كثيراً. ربما كان اسمي معروفاً في الماضي ولكني لستُ رمزاً من رموزه. أنا متجدد ومتصالح مع نفسي. ولا أتردد في قول الحقيقة وإن على حسابي الشخصي. وكثيراً ما أُعاتَب على ذلك. لم أستطع ان أحقق ما أردته عندما كنت في الثلاثينات، لأن الأمور عاكستني. والأفلام التي أنتجتها لم تجذب المشاهدين. أحب السينما. تمويلها كبير ومكلف. واذا لم تتمكن من الحصول على إنتاج مشترك مع دولة أخرى، فلن تستطيع تغطية التكاليف. سبق ان أنتجتُ فيلماً مشتركاً مع كندا هو “عملية طائر الفينيق الذهبي”.

أحب متّى السينما ودافع عنها وفق مفاهيمه التقليدية وتفضيلاته التي لا يمكن التعويل عليها اليوم. أخبرني انه يشاهد أفلام سكورسيزي ثلاث مرات: “لأنبهر في المرة الأولى ولأتعلّم في الثانية وأرى أين تكمن القوة في الثالثة”. كان يفضّل مشاهدة الأفلام داخل صالة ولم يفوّت فيلماً لآل باتشينو ولطالما نبذ السينما الأوروبية والفرنسية خصوصاً.