الرئيسية / home slide / شوام النيل

شوام النيل

14-12-2022 | 00:40 المصدر: “النهار”

سمير عطالله

سمير عطالله

مصر (أ ف ب).

ل#مصرَ أم لربوع الشام تنتسب؟
حافظ ابراهيم

كان ال#لبنانيون المهاجرون الى مصر في القرن التاسع عشر يتدربون بعد وصولهم بأشهر طويلة على لفظ حرف الجيم مخففاً على الطريقة المصرية. وعندما يعودون إلى هنا يمضون فترة أطول في التدرب على الجيم نفسه مغلّظاً بالشدة الجبلية. لكن مهما اتقنوا لعبة العودة كانت تبقى في حناجرهم رنّة النيل، ويبقى فيها نغم المتوسط، وبِهِما يُعرف العائدون مهما حاولوا التخفّف من أثر الهجرة.

في تلك الأيام، كان هناك طريق واحد للسفر هو البحر، سواء كانت الرحلة الى البرازيل والارجنتين على أطراف الكرة الأرضية، أو الى مصر، أقرب المرافىء والملاذات. ولأعوام عدّة كان اول ما يُطالع اللبناني العائم مرفأ دمياط، فيستقر فيها ويستدعي الاشقاء والأقرباء الى الديار المصرية. وعندما فقدت دمياط مكانتها الاقتصادية، أصبحوا يبتعدون نحو بور سعيد والإسماعيلية وغيرهما، إلى ان حلّت الاسكندرية محلّ كل مرفأ ومدينة، وصارت هي الثغر الجميل وعروسة الثُغُر الأخرى. ولم يعد اللبناني يكلّف نفسه مشقة البحار والمحيطات للوصول الى موطن الرزق والحرية بعيداً عن الاتراك، بل صار يرسو في الاسكندرية سعيداً ولو اضطر الى ترديد الأغنية التي تشبه السّمبا البرازيلية في الخلط بين الفرح والحزن. “يا بنات اسكندرية عشقكم حرام”.

سافروا تجاراً ميسورين لا عمّالاً كادحين وأساتذة جامعيين ومفكرين وأدباء. وازدهروا مع ازدهار حواضر المشرق، أو بالاحرى، أساكلها، كما سمّاها الفرنسيون لكي يميزوا بين المدن التجارية والمدن الأخرى. ولم يغيّر المهاجرون في عاداتهم فانقسموا كما هو مألوف الى فئتين: فئة تحمل الكشّة، وفئة تحمل الريشة.

وقد طغى ذكر الشوام وشهرتهم من ورّاقين ومحبّرين على المجموعات الأخرى من صناعيين ومهنيين وسواهم. وقد كان لأولئك الآخرين دور خَطِر، كما يقول طه حسين، أي عظيم في اقتصاد البلد وخدمة الدولة وإقامة العلاقة الحسنة مع السلطان الخديوي، الذي سوف يسمح له البريطانيون في وقت لاحق، بأن يسمي نفسه ملكاً. أما اهل الحبر والفكر فقد انشأوا كالعادة مداميك النور والتنوير. وأضافوا الى اهرامات مصر الحجرية، اهرامات الصحافة ودور النشر العظيمة، والنهضة المسرحية وعيون الفن والأدب.

فارس يواكيم مؤلف “الأسراب الشامية في السماء المصرية” أمضى معظم حياته ما بين عشقين: مصر ولبنان، وهو بكل ثقة من أفضل وأنبل من أرّخ للهجرة الشامية الى بلاد النيل. ومع أنه أجاد مع غيره في الغاء أثر الجيم المخففة، فإن جميع أوتار حنجرته لا تزال لها رنّة اهل الكنانة. وسواء تحدّث أو كتب، فإن مصر حيث وُلد في الاسكندرية، هي الأولى. طبعاً هو ليس اللبناني الاسكندراني الأول في الصحافة. فقد سبقه الى المهنة الممتعة رتل طويل من حمَلة الاقلام أشهرهم، بالطبع، بشارة وسليم تقلا، الآتيان من كفرشيما. ولست اعرف ما هو سر كفرشيما، والغموض الذي يربطها بأهل الفن واللغة، عمالقة خلف عمالقة، ناصور اليازجي وابنه ابراهيم ودرّة الظرف اللبناني فيلمون وهبه.

في أي حال، ومن باب التأدب والذوق سمّى آل تقلا الجريدة التي انشأوها في المرحلة الأولى الاقتصادية، في مدينة الاسكندرية، سمّوها “الأهرام”. كذلك سوف يسمّي عبقري المؤرخين العرب جرجي زيدان جريدته الأولى “الهلال” من باب الخُلق والذوق والإلفة مع المسلمين. وبعد قرن ونصف قرن، لا تزال “الأهرام” تصدر كل يوم كجريدة مصر الأولى، كما لا تزال دار “الهلال” حتى الساعة، إحدى أهم الدور الصحافية في البلاد، فيما أُغلِقت، وياللأسف، “دار المعارف” التي كانت إحدى أرقى دور النشر على المستوى العالمي.

“الأسراب الشامية في السماء المصرية” سفر حقيقي في الأدب والتاريخ والرُقيّ القومي. وقد تنقّل فارس يواكيم بقلمه الجميل في تجارب كتابية عديدة، مع أن البعض يُصرّ على حفظ صورة واحدة له هي كونه مؤلف مسرحيات “شوشو”، وتلك التحفة الشهيرة “آخ يا بلدنا”. في المزيج الذي يحمله من الظرف المصري والنقد اللبناني، جعل يواكيم من شوشو أهم شخصية كوميدية في مسرحنا المعاصر. وحين اقفلت ابواب لبنان وأقفرت مسارحه، انصرف هو الى الحياة في الخارج مؤلفاً ومؤرخاً ومترجماً بصورة خاصة عن اللغة الالمانية، للأعمال الأدبية الكبرى في محاربة الديكتاتورية والقهر والظلم.

لا شك في أن لبنانيي مصر في اواخر القرن التاسع عشر، وحتى منتصف القرن العشرين، اضافوا الى اضواء القاهرة وهي تنمو من عاصمة يتداول عليها الاستعمار الى عاصمة يغنّي لها الاستقلاليون في انحاء العالم المستقر. وثمة اسماء كثيرة لم نعرف عنها الأكثر وحتى القليل، لكن مصر الوسيعة القلب فتحت ابوابها لكوكبة من العمالقة في بلاد الشام وللجميع.
مصر هي التي جعلت من يتيمة طرابلسية تدعى فاطمة اليوسف اول امرأة في الصحافة العربية بعدما كانت اول امرأة على المسرح المصري وتُعرف باسم ساره بيرنار الشرق. اسست “روز اليوسف” مجلة تحمل اسمها استكتبت فيها كبار ادباء واركان الصحافة فيها، من عباس محمود العقاد، إلى مصطفى أمين، إلى طه حسين، إلى محمد التابعي. لم تكن اللبنانية الوحيدة التي ارتفعت لها ستائر المسرح، بل اكتظّت الحركة الفنية الناشئة باسماء الكبار من بديعة مصابني، وآسيا داغر، ونور الهدى، وصباح، وبشاره واكيم، وأنور وجدي، وعمر الشريف، وفريد الاطرش، واسمهان، ونجاة الصغيرة، والمخرج بركات، وكبير المخرجين يوسف شاهين.

يقول يواكيم انه فضّل ان يحصر كتابه بالآداب والفنون. ومع ذلك فهو يقع في 500 صفحة (دار ميريت). والذين يعنون بصورة خاصة في هذه الحقبة التاريخية ورجالها ونسائها، لا بد ان يتساءلوا كم من الوقت وضع الرجل في البحث عبر المراجع التاريخية من اجل ان يقدّم، كما أسلفنا، هذا السفر النادر. بل هو يحملك في الحقيقة، أو يحمل الجميع على اعادة النظر في تلك العلاقة الهائلة بين مصر وبلاد الشام، من جورج ابيض في المسرح الى الكواكبي في الفكر والتقدم والحرية، الى مصطفى صادق الرافعي ومن معه من اقرباء وانسباء، الى كشكش (امين عطاالله)، الى سعاد حسني آخر الشاميات الحسناوات اللواتي ظهرنَ على الشاشة.

ساهم الشوام في نهضة مصر لأنهم جاؤوها في الوقت المناسب. كانت تلك لحظة الانفتاح. وفيما كان المجتمع المصري لا يزال محافظا، والمرأة المسلمة تتجنب الفنون، انشأت بديعة مصابني أهم “كازينو” في البلاد ترقص فيه تحية كاريوكا وسامية جمال، والأخيرة كانت عشيقة الملك فاروق، ولاحقاً حبيبة فريد الاطرش، القادم ليس فقط من بلاد الشام بل من جبل العرب.

صدرت عشرات الصحف اللبنانية في مصر، ولم تدم، مع انها استمرت سنوات عدة مثل “المقطم”. ويصدر “الاسراب الشامية” في توقيت عزيز ومحزن. الصحافة تكابد وتعاند على الجانبين هنا وهناك، والصمود صعب، حتى في رقعة الازدهار العربية الوحيدة، أي الخليج. أما في الدول والانظمة الأخرى فالناس همّها الخبز وحتى الزيتون. وفي مصر يطل مولود آخر كل ست ثوان، كما كشف الرئيس حسني مبارك مرة… ويهاجر لبناني كل ست دقائق!..