الرئيسية / مقالات / “شكراً قطر”

“شكراً قطر”

كان الشيخ حمد بن خليفة لا يزال ولياً لعهد والده، خليفة بن حمد،عندما اعطى مقابلة مطولة لرئيس تحرير “السفير” الاستاذ طلال سلمان، تحدث فيها عن مشاعره السياسية. ومما قاله إنه أعجب شاباً بالتجربة الناصرية وجمال عبد الناصر. وقرئ الموقف على أنه ابتعاد عن المؤسسة السياسية في الخليج وخروج على الانتماء إليها.

بعد فترة انقلب حمد على والده بالطريقة الشائعة في العالم الثالث تلك المرحلة: سافر الحاكم، فهرع نائبه الى الحكم. وأعطي خليفة لقب “الأمير الأب”، لكنه أبقي خارجاً مع مجموعة صغيرة من ديوانه.

راحت قطر تتبدل في سرعة، من امارة منعزلة بقرار أميري، إلى دولة منشغلة بالخارج، بموجب مرسوم أميري جديد يلغي كل ما سبق. لكن الدولة الصغيرة فتحت جميع الابواب والنوافذ مرة واحدة، الواحد في وجه الآخر: أكبر قاعدة أميركية خارج الولايات المتحدة. وأول علاقة لدولة خليجية مع اسرائيل. وعندما قررت “البي. بي. سي” اغلاق تلفزيونها العربي في لندن، ثمة من نصح الدوحة بأن الفرصة لن تتكرر، فضمتها إليها بسرعة، مع اهلها وخبراتها وسمعة الاستقلالية.

إذن، هكذا، قاعدة عسكرية تشكل الحماية الامنية وتتكفل مودة أميركا، وقاعدة اعلامية تشكل النفوذ السياسي. ولكن بقي أمر مهم آخر في دولة خليجية تريد أن تنفي عن نفسها هذا القدر الجغرافي. المرجعية الدينية. وجدت في الشيخ يوسف القرضاوي الرجل المثالي.

لم يكن مهماً اطلاقاً أن القرضاوي شيخ مشايخ “الاخوان المسلمين” وأن قطر دولة “حنبلية” أو “وهابية”. فالتناقض هنا ميزة، لا تُهمة. وبقي العثور على صحيفة جيدة، فتم ذلك عندما حصلت الدوحة على “القدس العربي” التي كان الفلسطينيون قد أصدروها في لندن.

كانت هناك خطة واضحة، وهي التأكيد أن الحجم ليس شرطاً ولا عقدة. إليكم سنغافورة. إليكم هونغ كونغ. بل إليكم دبي التي سحرت العالم.

لكن جميع هذه النماذج كانت من دون بعد سياسي. وعين قطر في هذا الباب كان على اسرائيل التي هزمت 300 مليون عربي. بدأت الدوحة توسيع مكانها بمدافعة الجميع من حولها. طالبت بأراضي البحرين، لكنها خسرت الدعوى امام المحكمة الدولية في لاهاي. وخاضت معركة الأمانة العامة لمجلس التعاون في وجه جميل الحجيلان، أحد أهم الديبلوماسيين في الشرق. وابقت المجلس في حالة توتر دائم. وعندما تبين أن الدوحة هي ثاني اكبر خزان للغاز في الأرض، لم تعد الأرض تسعها.

طلبت دولة صغيرة الحجم أن تكون موقع اولمبياد 2020، وكان لها ذلك، ولكن في الوقت نفسه، سقطت اللجنة الاولمبية برمّتها، بتهم مختلفة. وتدفع قطر 500 مليون دولار كل اسبوع، في الاستعداد للحدث. وقد رفضت الدوحة جميع المطالب لوقف العلاقات مع اسرائيل، لكنها لعبت دور الدولة العربية الأولى إلى جانب “حماس”. وكانت دمشق تقدم لـ”حماس” معنويات المقر والدوحة تؤمن تكاليف التصاريف، فخرجت “حماس” من سوريا، وبقيت قطر في غزة.

في مرحلة ما – ليس مهماً متى – رأت قطر في التحالف مع دمشق حلفاً يعلي موقعها. وبدل الثلاثية التي قام عليها الاستقرار العربي لعقود: مصر، والسعودية وسوريا حافظ الأسد، تحل سيبة قوامها سوريا، قطر والعراق. ولكن ببساطة عجيبة ما لبث موقف قطر أن تبدل، فتزعمت في القاهرة اخراج سوريا من جامعة الدول العربية، وفي سوريا تمويل القوى المعارضة، كما تزعمت “الجزيرة” الحملة الاعلامية لاسقاط صديق الأمس، ومعه نظام السيسي في مصر.

ماذا حدث؟ لا نعرف. الذي نعرفه أن رجب طيب اردوغان وحمد بن خليفة، اللذين كانا يزوران بشار الأسد مرتين في الشهر بصفة عائلية، أصبحا من كبار خصومه. هل هو السر “الاخواني”؟ هل هناك اسرار أخرى؟ هل هو مجرد استسهال “ثاني خزان غاز في الأرض” لاستخدام “الباب الدوار” في الدخول والخروج؟

خلال الحلف السوري – القطري، وحلم الدوحة بأن تحل محل مصر أو السعودية، أو هذه وتلك معاً، في مستقر العالم العربي، كُلّفت قطر استضافة سياسيي لبنان. ولم يكن ذلك جديداً على اللبنانيين في طلب الظهيرة عند الغروب. فقبلها كانت لوزان وجنيف والكويت والطائف وسلسلة جبال الألب عند جدنا هنيبعل. ذهب اللبنانيون إلى الدوحة واتفقوا كما هو مقرر، وضمنوا مقعداً اضافياً في الرميل، وآخر في حي اللجا. وعادوا الى بيروت “غانمين سالمين” كما يقول أهل الخليج.

لكن قطر رفضت إلا أن تسجل سابقة أخرى في سوابق اللياقة الديبلوماسية. فإذ جلسنا ننتخب رئيسا للجمهورية في أحد اوائل البرلمانات العربية، في إحدى أوائل الدول المستقلة في العالم الثالث، وقف أمير قطر ورئيس وزرائه حمد بن جاسم يقرآن علينا خطاب الجمهورية والسيادة. يا جماعة، يا هوه، ألا يكفي أمير البلاد مُمثِّلاً لدولة قطر وعموم الوطن العربي الكبير؟ هل من الضروري ايضاً رئيس وزرائه، الذي كانت بيروت قد استقبلته قبل عامين، قادماً بطائرته مباشرة من اسرائيل “للتوسط”؟ ألم يكن في امكانك يا شيخ حمد، تزود الوقود في قبرص، من قبيل الستر، بدل الرحلة المباشرة؟

كما ترى جنابك، المسألة مع قطر، مسألتان: جوهر وشكل. “الجزيرة”، و”العديد”، وتسجيلات بن لادن، وتمويل “الاخوان” ومقرهم، والعلاقة مع اسرائيل، والخطاب القومي، والحملة اليومية على مصر، والمطالبة بارض البحرين. وكان علينا هنا أن نرفع لافتة على مدخل كلية الحقوق، إلى جانب وزارة الداخلية، وقبالة المصرف المركزي، كتب عليها “شكراً قطر” لأنها تبرعت بترميم المكتبة الوطنية. امحِ وطنية. شكراَ دولة قطر. هو ليس فقط “اتفاق الدوحة”، ولا خطاب الشيخين في الانتخابات الرئاسية، بل هو أيضاً العطف الأميري على حيث ظهرت أول مطبعة في الشرق. مساكين العثمانيون، لم يكن في امكانهم منعها أو مصادرتها، لوقوعها يومها خارج خراج اسوار التنوير وانوار الباب العالي.

دائماً أعود الى جملة لا تنسى قالها لي الرئيس ياسر عرفات إلى مائدته العام 1981، رداً على استيضاح: “اسمع يا فلان. السياسة ما فيها صُدَف”. هل كان هذا الخروج الكبير لعزل قطر بعد قمة الرياض، مجرد مصادفة؟ لخص الوزير عادل الجبير الجواب بالقول: “إنها مسألة تراكمات كثيرة”. تراكمات في الشكل وفي الجوهر. بعد مجيء الامير تميم قامت صورة مختلفة للدوحة عن صورة الشيخين حمد الحاكم وحمد الشريك. شاب متواضع ليس فيه سخرية والده الضاحكة من الآخرين ولا غطرسة حمد بن جاسم.

لكن السياسة القطرية “العليا” لم تتغير. ظلت “الجزيرة” تحرّض، وظل الشيخ القرضاوي يبدل العِلم بالسياسة، وظلت الدوحة تستضيف المعارضين والمقاتلين من كل مكان، وكأنها القاهرة الناصرية. وبين هؤلاء من وضعوا أخيراً على لائحة الاغتيال والارهاب. وبينهم من يحمل في بلاده سجل الطغيان. ولم تكن هذه الطبقة المثلى لتعويض الحجم الجغرافي، ولا قاعدة العديد، ولا الاصرار على العلاقة مع اسرائيل. ولا العلاقة مع صدام حسين اثناء احتلال الكويت. ولا “العراضة” في تزعم طرد سوريا من الجامعة. ولا في الغطرسة المهنية في معاملة البحرين. ولا في حضور الشيخ حمد والشيخ حمد الى برلمان الجمهورية اللبنانية للاشراف على انتخاب رئيسها.

أحياناً كثيرة، الشكل أهم من الجوهر، لأنه صورة عنه.

اضف رد