الرئيسية / home slide / شغف رواد العمارة في “الأم القتيلة”: رهيف فياض نموذجاً

شغف رواد العمارة في “الأم القتيلة”: رهيف فياض نموذجاً

30-06-2022 | 00:00 المصدر: “النهار”

طيف جنائزي في بيروت.

قصي الحسين

كل كتاب، يقرأ من صفحاته الأولى، من فصله الأول، إلا كتاب المهندس الرائع، “#وهيب فياض#طيف جنائزي في بيروت“، “دار نلسن”، فهو يقرأ طردا وعكسا. بل يقرأ من ملحقه. من الصور التراثية الملونة، التي أدرجها لبيروت قبل انفجار الرابع من آب 2020، وبعده.

هذه المباني التراثية لبيروت، التي نكبت بانفجار الرابع من آب، والتي أخرجت المهندس “العاطفي جدا”، رهيف فياض، بعيد الإنفجار الرهيب، لإلتقاط صور النكبة التي حلت بها، هي التي تمكنت منه، وداعبت في نفسه: مشاعر ذاتية وعامة، مشفوعة بالشغف المعماري. بل مشاعر ذاتية متألمة. هي أشبه ما تكون، بمشاعر رواد العمارة، وهم ينظرون إلى المباني المنكوبة، والمتساقطة، والمشلعة والمهدمة، في محيط المرفأ، من مار جاورجيوس، حتى الرميل والكرنتينا والخضر ومار مخايل والجميزة والوسط التجاري. بلوغا حتى الدورة وبرج المر والقنطاري.

الكتاب مؤلف من مقدمة بقلم رئيس الجامعة اللبنانية سابقا الدكتور عدنان السيد حسين ويضم ثلاثة أقسام: ما هو التاريخي التراثي في مدننا العربية، ولماذا نحافظ عليه؛ بيروت المدينة. قلبها والناس. خمسة أشهر بعد الإنفجار النكبة؛ شارع غورو، بعد تسعة أشهر على عصف النكبة. بالإضافة إلى ملحق صور وسيرة ذاتية.

تمكنت من الإنسان الرهيف، المهندس رهيف فياض، إبن شارع المكحول، المحازي لشارع بلس، الذي يستضيف زواره ويستقبلهم، كل يوم، في حاراته ونواديه وحاناته، حالة وجدانية خاصة. فاندفع بكل مشاعره، يكتب “ماكيت” عاطفته المقهورة والمتفجعة، إزاء ما كان يلتقط من صور ممزقة، لمبان منكوبة، تجمعها عدسته، ليخزنها في القلب: “نجتاز طلعة العكاوي. أكرر مجددا. المبنى، الأصفر ذي الوجهة، نصف الدائرية. إلى يسارنا مؤسسة كهرباء لبنان. ومجمع المباني البرجية، والفجوات العريضة بوابات الجحيم، التي جذبت عصف النكبة إلى معظم الأمكنة. إنه المعطى العمراني الصدمة”.

أثارتني حقا، صور مباني بيروت التاريخية، وصور المباني التراثية في أحيائها القديمة، التي كانت قد شيدت في عشرينات القرن الماضي، وقبل ذلك بكثير. بحيث تمكنت مني الدهشة وكذلك الوله والفزع، لمظاهر مدينة مفجوعة، بأعز ما تمتلك من تاريخ، في محيط مرفئها التاريخي، الذي كان قد دشنته الأجيال الفينيقية الرائدة، في تاريخ المرافئ وعلوم السفن وأحواضها، وعلوم البحار .

كنت حقا، أقرأ هذا الكتاب الوثائقي، من صوره الوثائقية. ثم لا ألبث أن أعود إلى الذاكرة، لألتقط أنفاسي، وأتابع قراءة الفصول المتوالية في ذاكرتي، وأقارنها، بتلك الصور التي أرفدها المؤلف في نهايات كتابه. فيؤلمني ما أرى. وأتمزق من القلب لمشاهد الخرائب، التي آلت إليها تلك الأبنية العزيزة على قلب كل من رآها وشغف بها: “نترك صاحب الدكان، في وحدته المعتمة. نتركه جالسا خلف طاولته العتيقة. وقد طال انتظاره لمن يشتري. أو في الحد الأدنى، لمن يتفرج. نترك صاحب المطعم، ومطبخه اللبناني الأصيل، واقفا أمام باب مطعمه، خلف ستاىر الترميم… دكانان، ثلاثة… أبوابها مفتوحة، مضاءة حين لا يكون التيار الكهربائي مقطوعا. المشهد السائد، في شارع غورو- الجميزة، ثابت لا تغيير فيه. تسعة أشهر، بعد عصف النكبة”.
أشهد للمؤلف الحصيف الرهيف متابعة الكتابة عما كانت عليه بيروت، في هذة الأحياء المنكوبة، وعما آلت إليه، بعد نكبتها في الرابع من آب، بعد قرن من “تأسيس الكيان” اللبناني. وكأن ذلك، كان إيذانا بأفول أروع القرون التي مرت على لبنان. وأروع المدن على الحوض الشرقي للمتوسط.

يوثق المهندس ما شهده عقد العشرينات من القرن الماضي، من تطور معماري ملحوظ. حين شيد أهالي بيروت خصوصا، وسكانها المعجبون بها، و”أهل الوداد” للبنان، تلك المجموعة من المباني الضخمة، في تلك الأحياء، التي شكلت الحوض الحاضن، لبيروت. فباتت تشكل تلك المباني جزءا أساسيا، من معالم الهوية البصرية.

يتحدث الكتاب عن الجيل الأول من المعماريين الذين ساهموا في بناء عمارتها في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. يسمي أنواع الأساليب المعمارية وطرزها. ثم ينتقل للحديث عن الجيل الثاني من المعماريين الذين زينوا بيروت، بطرز العمارة الأوروبية في الثلاثينات والأربعينات والخمسينات من القرن الماضي. وصولا إلى طرز العمائر البيروتية، في أواخر الألفية الثانية، وأوائل الألفية الثالثة. ثم ينتقل للمقابلة بين عمائر بيروت قبل الإنفجار، وعمائرها بعد الإنفجار. ومعنى قتل المدينة من خلال ضربها في “الحوض/ المرفأ”، الذي يشكل الحضن الحيوي لكل بيروت، لا لمنطقة المرفأ وحسب. يقول إن حوض بيروت، بما هو حاضنها، في منتصف القرن الماضي، كان يعج بعشرات الأبنية التراثية، التي يرجع تاريخ إنشائها، إلى أوائل القرن الماضي، بجنب سكك المرفأ، وبجانب مراسي السفن، وعلى جانبي الطرق الآهلة، التي لا تزال تحتفظ بشكلها المميز. يستنتج أن حداثة بيروت، لم تكن نتاج عمل خبراء أو مهندسين معماريين أجانب، بل ثمرة خبرة محلية. وهي لا تحددها أية فلسفة بعينها، لانها “هجين معماري إنتقائي”.

الكتاب يقدم لنا بيروت كلها، من خلال ربط مجالها الحيوي في المرفأ، بكل أوساط بيروت، شرقها وغربها وشمالها وجنبها. وقد سحبها الكاتب، من تحت أقدام ساكنيها، ونثرها نثرا جنائزيا – شعانينيا حلوا، ضمن سلسلة يوميات بيروتية. وكان المؤلف يقابل أبطال كتابه، في المقاهي، وفي الشوارع الخلفية، لشارع الجنرال غورو وللجميزة والنهر والجعيتاوي وبلس والمكحول والمقدسي، وعبد العزيز. كان يقابلهم في عمائرهم، يوميا خلف مبنى “النهار”، وفي “ساحة السماح”، وتحت مبنى “الغراي” و”الصيفي” والكنيسة المارونية. جولاته التفتيشية، عن حصى القلب التي كان يلتقطها كل يوم، في المواعيد التي يضربها لشوارع المدينة الجريحة، بل القتيلة، هي التي تفسر لنا عمق الأزمة الوجدانية/ الكيانية التي كانت تهزه هزا.

يبدو أن الحياة أحرقت وأتلفت الكثير من الصور، أو أن الحياة مضت به وحدها من دون كاميرا. لهذا نرى رهيف فياض، يتعجل ويستكمل في الكتابة، ما تبدد منه في العبور بين شوارع مدينته المحبوبة والمنكوبة. ومثلما هو بدأ بالصورة، ينتهي بها. وربما في هذا الإشتباك بين مفهوم الصورة، ومفهوم الكتابة واللغة، كانت قد انبنت بيروت، مدينة إبداعية، بطقس شعانيني، أو قل بطقس جنائزي، تتعدد فيها وفيه، الأقوال. ولكن الكاتب لا يرى فيها اليوم، إلا المدينة القتيلة. إلا الأم القتيلة.