الرئيسية / أضواء على / شغف العمّ شفيق بائع الجرائد: “سأستمرّ وإن لم أعد أبيع سوى عدد يومياً”

شغف العمّ شفيق بائع الجرائد: “سأستمرّ وإن لم أعد أبيع سوى عدد يومياً”

“سأظل أبيع الجرائد حتى ولو لم أعد أبيع إلا جريدة واحدة في اليوم”، هكذا عبّر شفيق مسرة عن شغفه ببيع الجرائد التي عايشها منذ يفاعته، واستمر بها حتى اليوم، فعايش عبر نهوضها، ثم تراجعها، مختلف التطورات، والأحداث على الصعد المختلفة.

مسرة يشكل عالماً قائماً بحد ذاته هو عالم الصحافة الذي لا يتقن تحريرها، ولا تصوير أحداثها، ولا ما تغطيه من الدنيا الواسعة، واقتصر عمله فيها على ترويجها، لكنه عايش عبر التماس الدائم معها، مختلف ظروف الحياة اللبنانية، خصوصا منها التطورات الطرابلسية، التي غالبا ما كانت انعكاسا للتطورات العامة في المنطقة والعالم.

بدأ مسرة (١٩٣٦) عمله الأوحد بائعاً للصحف سنة ١٩٥٢ على ما أفاد “النهار” التي يحتفظ بمكانة خاصة لها في قلبه، فـ”النهار” بنظره، ظلت جريدة الاعتدال، والموضوعية، لذلك ظلت محبوبة ومطلوبة أكثر من أي جريدة أخرى، كما هي حاليا، بينما تراجعت المبيعات، وأقفلت العديد من الجرائد.

بعض أسرار الصحافة، ومفاتيحها، يمكن أن تكون بين يدي مسرة الذي يعيش لحظاتها، فـ”النهار” “التي قلت صفحاتها، يحافظ بيعها على 30 الى 40 نسخة مقارنة بمبيعات بقية الجرائد الأخرى، كما قال.

يختزن مسرة ذاكرة المدينة، ويعود بذاكرته المتوقدة، المشحوذة بمواكبة الحياة اليومية من جوانبها المختلفة، إلى بداياته، يوم انطلق متجولا يبيع لصالح أحد الموزعين، فـ”كنت أجني ما بين الثلاثة أرباع الليرة، والليرة، وكان راتب الموظف ٧٥ ليرة شهرياً، مما يعني أن ما كان يجنيه كان مقبولا.

يتحدث عن المبيعات والأسعار، فجريدة “بيروت” في الخسمينات كانت بفرنكين. (الليرة الواحدة بعشرين فرنكاً، أو مئة قرش لأن الفرنك بخمسة قروش، وكان القرش قطعة معدنية صغيرة مثقوبة في الوسط. وكان هناك قطعة نقدية بنصف فرنك، والأكبر بفرنك واحد، ثم الفرنكين، وبعدها الربع ليرة، أي خمس فرنكات، أو خمسة وعشرين قرشا). وصدرت جريدة “بيروت المساء” مساء كل يوم، بسعر فرنكين ونصف فرنك، والطيار بفرنكين، والتلغراف التي صدرت عند الظهر، بفرنكين ونصف فرنك، أما “النهار”، فكانت بفرنكين”.

بدأ مسرة متجولا ثم اقتنى دراجة هوائية وسعت أعماله، وصولا إلى أوائل الستينات حيث “اشتريت سيارة “أوبل ريكورد” واستخدمت صندوقها كمستودع للجرائد”.

يشرح آلية عمله: “آخذ رزمة من مختلف الجرائد، وأوزعها على الدراجة، وعندما تنفد الكمية، أتوجه إلى سيارتي التي كنت أركنها قرب السرايا في ساحة التل (أزيل سنة ١٩٦٨)، وآخذ حاجتي، وأعود للتوزيع”.

لم يكن شفيق يهدأ، فطوال النهار يتجول بائعا للجريدة، لكن أكثر المبيعات كانت الآحاد حول السينمات، وفيها. يتذكر تلك الفترة بقوله: “كانت دور السينما الكثيرة في محيط ساحة التل، وكل السينمات “كومبليه” (ملآنة بالرواد) يوم الأحد. أركن سيارتي أمام السينما، وصندوقها مفتوح، ومن يرغب يختار الجريدة التي يريد”.

أكثر المبيعات أيام الآحاد كانت المجلات الفنية كـ”الشبكة” يصل المبيع إلى 25 عدداً، والموعد ١٠-١٥، وكذلك “نادين”، أما أكثر بورصة للبيع فكانت “صوت العدالة” التي وصفها الناس بـ”عالم المجانين”، وكنت أبيعها بداية بفرنك، ثم بفرنك ونصف فرنك”.

ويقارن تراجع المبيعات على مستوى الأوريان- لوجور، “حيث كنت أبيع ٢٥-٣٠ عدداً يوميا، وكان قراؤها من إخواننا المسيحيين”، ويتذكر إنه “في موسم الفصح، كنت أوصل الجريدة للبيوت، وكانوا يضيفونني البيض الملون، والحلوى، بينما اليوم لا أبيع أكثر من عددين أو ثلاثة، ولم نعد نسمع هيصة العيد واحتفالاته كالسابق”، يقولها بحسرة.

حمل شفيق “الأوريان-لوجور” ستينات وسبعينات القرن الماضي إلى نادي “الروتاري” خلف مقهى الـ”نغرسكو” على بولفار طرابلس العام، ويقول: “كان الرئيس الراحل سليمان فرنجية، وآل كرم، وآخرون يطلبونها، أما الرئيس الراحل رشيد كرامي فقد كانت “النهار” جريدته المفضلة.

في الخمسينات كان عدد “النهار” بفرنكين، وفي الستينات بربع ليرة، ويقول مسرة: “:كانت الأغلى، ومع ذلك الأكثر مبيعا، ولم يتراجع الطلب عليها حتى دخول الجوال على خط التواصل، وظل قراؤها يطلبونها”.

يتذكر مسرة أن القراء كانوا ينتظرون الجريدة باكرا، ويروي أن أحد المسؤولين كان يطلب منه ثلاث جرائد يوميا، “النهار”، والأنوار، ولسان الحال، كما قال، “ثمنها ثلاثة أرباع الليرة، وكان يقول لي “خذ ليرة (أربعة أرباع)، وآتني بها الساعة السابعة، فأنا أحب قراءة الجريدة عند فتح عيني، ومع فنجان القهوة”.

ويتحدث عن تأثير الجوال على الطلب على الجريدة، وقال إن “الطلب تراجع مع ظهور الجوال لكن هناك شريحة واسعة متعودة على الجريدة، ويرغبون بها لأمور كثيرة”.

ويلفت إلى أن الكلمات المتقاطعة لعبت دورا في استمرار الطلب على الجريدة في زمن الجوال، و”يتراجع البيع ٣٠-٤٠% عندما لا توجد كلمات متقاطعة”.

بعض الجرائد كانت تنفد من السوق عند ظهور نتائج الشهادات الرسمية، خصوصا جريدة “الانشاء” الطرابلسية” فـ”لم نكن نلحق بيعها، ونبيعها بفرنكين”، يقول مسرة.

يختم مسرة أن “البائعين المتمرسين، وباتوا ندرة اليوم، يستمرون، أما فتح مكاتب لبيع الجرائد، فبات خاسرا، والبائعين المعروفين، تقدموا في العمر، ولم يعودوا يستطيعون التجوال الطويل، ولا حمل الكثير من الجرائد كالسابق، لذلك تغيب تدريجيا ظاهرة باعة الجرائد في الشارع، ويغيب معها صوتهم يروج لأبرز الأحداث عند حصولها، حيث كانوا البوق الصوتي لمانشيت الجريدة المكتوبة الساكتة.

اضف رد