الرئيسية / home slide / شطحات اليسار الماروني

شطحات اليسار الماروني

 وسام سعادة
القدس العربي
19042021

يوسف إبراهيم يزبك 1901 ـ 1982 من أبرز مؤسسي النواة الأولى للفرع اللبناني للأممية الشيوعية. سوى أن التواصل انقطع بينه وبين نمو الحزب الشيوعي أزيدَ من نصف قرن، إلى أن أعيد تكريسه الرمزي، غداة احتفالات الذكرى الخمسين عام 1974، قبل أشهر قليلة من اندلاع الحرب. يومها تحمّس لسنوات الصبا وشدّد على أنّه «عميد جميع أصدقاء الإتحاد السوفياتي وأقدم معجب به في طول الشرق وعرضه».
ويزبك الذي نشأ في عائلة من بلدة الحدت في المتن الجنوبي مهتمة بالثقافة والأدب، ويجمعه النسب الوثيق من جهة أمّه بالنهضوي أحمد فارس الشدياق، هو من الموارنة، شأن معظم النواة الأولى للحزب الشيوعي. بخلاف النظرة الشائعة للحركة الشيوعية اللبنانية فيما بعد، التي تميل إلى احتساب الجهة التي انتشرت فيها «الدعوة» بين الروم الأرثوذكس، حملاً للموارنة على «خط اليمين» واحتساباً لصلة القربى الأرثوذكسية مع الإتحاد السوفياتي، فإن العناصر «البلديّة» الأولى لـ«بلاشفة» المشرق العربي كانوا من الموارنة. شأن أنطون مارون، أول شهيد لـ«الحزب الشيوعي المصري» نتيجة لإضرابه عن الطعام في السجن، والعامل النقابي، المتحدّر من بلدة السهيلة الكسروانية، فؤاد الشمالي، الذي نشط هو الآخر في مصر، إلى أن أُبعِد عنها إلى بيروت. صحيح أنه مع الوقت عرف الشيوعيون على الصعيد المسيحي اتجاهاً للانتشار أكثر بين الروم الأرثوذكس، ثم عرفوا من الستينيات نمواً أسرع بين الجنوبيين الشيعة، إلا أنّ أبرز رموزهم، فرج الله الحلو الذي سقط تحت التعذيب في دمشق أمام الوحدة المصرية السورية، كان هو الآخر من الموارنة.
بخلاف رفيقه العامل النقابي فؤاد الشمالي الذي أكمل نضاله في الحزب من بعد حظر السلطات الفرنسية له، إلى أن استبعده الحزب نفسه لوشاية ضده، فقد آثر يزبك الحفاظ على «صداقة عن بعد» مع الشيوعيين، والانكباب على اهتماماته كمؤرّخ وأديب، وكانت له تجربة مميزة في الخمسينيات، أيام رئاسة مجايله على مقاعد الدراسة في الحدت كميل شمعون، فأصدر مجلة «أوراق لبنانية» التي اعتنت بنشر مخطوطات ووثائق نادرة تعنى بتاريخ جبل لبنان.
عند التقليب في صفحات مجلدات «أوراق لبنانية» اليوم، يطالعك مكتوب من عام 1729 يتوجه فيه رهبان أحد الأديرة المارونية إلى رئيسهم العام، يتحدث فيه عن «الضيق والغلا والظلم، وقلة المواسم والكساد، والأمراض والحروب والفتن بين الحكام».
كما لو أنهم يتحدّثون عن أحوال لبنان اليوم. يطالب الرهبان في هذه المخطوطة بالسماح لهم بالتصدّق: «شحادة الرهبان في بلاد الفرنج ما هي عيب» (في إشارة لنشأة الرهبانيتين الفرنسيسكانية والدومينيكانية) «لأن هذا حال لم يزل دارج بينهم كل يوم، ومن كل رهبنة». فيطلبون من رئيسهم أن يسمح لهم «بالشحادة» فمن دون ذلك «الخراب على الأبواب» ذلك أن «البكاء الذي كان يصدر من الواردين الى الأديرة لطلب القوت كفيل بأن يمزّق القلب الصخريّ».
يصعب أن لا تقابل ذلك بالأوضاع اليوم. بدل هذا النمط من التصدّق المنحاز للفقراء، في سيرة فرنسيس الأسيزي وعلى ما يستشف عند هؤلاء الرهبان الموارنة، فإنّ لبنان ككل يرزح منذ عقود طويلة تحت «نمط إنتاج تسوّلي» من نوع مختلف تماماً. تسوّل ديون، وديون لخدمة الديون. انقسام بين رهط يقول بالتزلّف للقريب والبعيد لأجل تحسين شروط التسوّل وبين رهط «شحّاد ومشارط». إلى أن وصلنا إلى وقت تتعاطى فيه المصارف مع أصحاب الودائع المصادرة والمبدّدة، كما لو أنهم متسوّلون على أبوابها، وليس أصحاب حقوق لاحقة بهم مظلمة العصر. ثم وصلنا إلى تباري الأحزاب الفئوية على توزيع «كراتين الإعاشة» كلّ بين رَبْعِهِ ونطاقِهِ. ومن وراء ذلك، مسخ العلاقات الاجتماعية في زمن القحط والإنهيار الى علاقات تسوّلية.

وصلنا إلى وقت تتعاطى فيه المصارف مع أصحاب الودائع المصادرة والمبدّدة، كما لو أنهم متسوّلون على أبوابها، وليس أصحاب حقوق لاحقة بهم مظلمة العصر

كذلك، من الصعب عدم مقابلة الصورة التي يخرج بها القارئ وهو يطالع مطالبة رهبان العام 1729 في جبل لبنان بالسماح لهم «بالشحادة» لمقاومة الخراب، وبين تدهور حال هذا الحس الاجتماعي الحيوي في الإكليروس المحليّ، منذ وقت غير قصير.
تكمن قيمة كتابات يزبك في هذه المزاوجة بين الهوية المارونية وبين الحس الإجتماعي. ما نجده في حالتي أمين الريحاني ومارون عبود. بشيء من التجاوز، يمكن الكتابة هنا عن «يسار أدبي ماروني» في القرن الماضي.
في الكتاب الذي وضعه يزبك ابان حرب السنتين، ولم ينشر إلا بعد وفاته، تحت عنوان «الجذور التاريخية للحرب اللبنانية» تجده يعود إلى زمن هذا الحس الاجتماعي لدى الرهبان، فيتحدّث عن «الإشتراكية الروحية الإقطاعية» (يقصد اشتراكية رهبان في الزمن الإقطاعي) ويرى ان «للرهبان الموارنة تاريخاً بدأت صفحاته بآيات مشرّفة روّادها عملوا كادحين على أشرف ما يكون الكادح». بيد أن يزبك نفسه يلمّح إلى أن هذه السمة أخذت تتراجع في أواخر القرن الثامن عشر نفسه، لصالح انقسام الإكليروس بين جناحين «مقاطعجي» و«شعبي».
الشيء الذي ينبغي إكماله هنا، هو أن هذا الحسّ الشعبيّ الذي يظهر من عريضة رهبان 1729 أنه كان يتمثّل بنموذج فرنسيس الأسيزي الملتحم بالفقراء، هو الإتجاه الذي عملت روما في علاقتها مع الموارنة على محاصرته، عندما كان الانقسام الحاد في أوروبا من بعد الثورة الفرنسية يجعل الكنيسة في عمق اليمين.
وعلاقة الموارنة مع البابوية لم تكن سهلة أبداً. أسهمت البابوية في ربطهم بمرحلة عصر النهضة في إيطاليا، لكن النمذجة الكاثوليكية للموارنة كانت على حساب هذا الحس الشعبي منذ القرن السادس عشر نفسه، في أيام البطريرك موسى سعادة الذي تبوأ السدة لأربعين عاماً في وادي قنوبين، ولم يكن مرضياً عنه كثيراً في روما، التي كانت تفضّل إشاعة الهرمية المعتمدة في الكثلكة، كبديل عن نماذج «البطاركة النسّاك». في الوقت نفسه، نجح سعادة العكاري في نقل تظلم الموارنة من جباة الضرائب من بني عساف التركمان الى معاصره السلطان سليمان القانوني، غداة إقامة الأخير في حلب.
عوامل عديدة جعلت الحس الشعبي يُحاصر بين الرهبان وفي الكنيسة مع الوقت، اتساقاً مع انخراط الكثلكة أكثر فأكثر في المعركة ضد التنوير والثورة الفرنسية وحركة الوحدة الإيطالية. مع هذا استمرّ الخط الشعبي في ظاهرة البطريرك بولس مسعد في القرن التاسع عشر، وبإنقسام حاد حوله.
بالتوازي، شكّلت الهجرة المارونية الى مصر كما الأمريكيتين ملاذاً لمن ظهر أنهم من بين العناصر الأكثر تقدمية في عصر النهضة العربية. ثم كان القرن العشرون، شطحات «اليسار الماروني» ظهرت ثم انقسمت، بين من ابتعد عن اليسار شيئاً فشيئاً مع الوقت، وبين من عَدَلَ عن التفكير في ما ظلّ يفكّر به يوسف يزبك في مواضع عديدة من كتاباته: الحس الإجتماعي الشعبي وحضوره ثم تغييبه ضمن الهوية المارونية.
يرتبط هذا إلى حد كبير في زمن «لبنان الكبير» بمفارقة يقوم عليها الكيان. فهو من الناحية المسيحية، تشكّل في علاقة تحالف بين الاكليروس وكبار أعيان الجبل الماروني من ناحية، وبين برجوازية مدينية مصرفية وتجارية مسيحية غير مارونية، ويغلب على نواتها لون الروم الكاثوليك لا الارثوذكس، أي في معاكسة للعدد. قسم كبير من هؤلاء قادم في موجات مختلفة، من الداخل السوري، بخاصة من حلب. كان هذا قبل أن تتوسع البرجوازية المسيحية شيئا فشيئاً لشرائح قادمة من الموارنة، وبشكل أساسي نتيجة لتبادل المنافع والمصاهرات مع هذه العائلات، واعتماداً على ما كان للموارنة من حظوة ضمن جهاز الدولة، ثم من خلال المصعد الميليشياوي في زمن الحرب.
لعبت الكنيسة المارونية، منذ عشرينيات القرن الماضي الى يومنا هذا، دوراً راعياً لهذا التحالف بين برجوازية هي في نواتها التكوينية «روم كاثوليك» وبين الإسناد الماروني لها، إنطلاقاً من موقع الموارنة في آلة الدولة، ومن كونهم الأكثرية العددية بين مسيحيي لبنان، ومن كونهم «التقليد» الذي عليه أن يحمي هذه النواة البرجوازية من الخلف، اذا ما عدّلنا قليلاً من احدى استعارات ميشال شيحا.
اليوم، شروط استمرار هذه التحالف القديم لم تعد موجودة. هل يمكن البناء على ذلك؟ أقل الإيمان قبل أي شيء آخر هو الاستذكار.

كاتب لبناني