الرئيسية / home slide / شريف مجدلاني: الحياة اليومية العبثية في لبنان هي ما يحرّضني على الكتابة

شريف مجدلاني: الحياة اليومية العبثية في لبنان هي ما يحرّضني على الكتابة

الأديب الفرنكوفوني يرى الكتابة دفاعاً عن النفس

شريف مجدلاني

بيروت: فاطمة عبد الله
الثلاثاء – 16 شوال 1443 هـ – 17 مايو 2022 مـ رقم العدد [ 15876]
https://aawsat.com/home/article/3649606

حين عاد الأديب اللبناني الفرنكوفوني شريف مجدلاني إلى وطنه من فرنسا عام 1993، غمره إحساس بأنّ البلد مقبل على كارثة. استغرب السلوكيات العبثية لشعب يخرج من الحرب فتستمر حياته كما لو أن الحرب لم تندلع، وكأن النكران أصبح أسلوب عيشه. شعب خاض معارك الاقتتال الطائفي و«نجا» منها من دون عبرة، فأكمل طريقه، يرتاد المقاهي ويشتري السيارات، وكل ما حوله ينهار فوق رأسه.
في بال صاحب «بيروت 2020، يوميات انهيار»، أنّ شيئاً ما ليس في محله وتنبغي الكتابة عنه. شكّلت الأزمة ما يشبه «خضّة» جعلته يرصد سوريالية اللبناني الراقص حول الموت أو «البلد الراقص تحت البركان، يسمع هدير حممه ولا يبالي»، وفق عبارة له. وهو يعترف في هذا الحوار معه الذي جرى معه في مكانه المفضل، (بدارو)، بأن (الحياة اليومية العبثية) هي ما يحرّضه على الكتابة».
نسأله: كيف ورّطه المشهد اللبناني المتوغّل في العدم بتوثيق «كثافة الموت»، وصولاً إلى اللحظة المأساوية القصوى حين حلّ الانفجار البيروتي فـ«سرّع الرغبة في معاينة التوحّش؟»، يجيب: «الكاتب شاهد على عصره والتراجيديا الكونية. أعيد من خلال كتبي قراءة تاريخ لبنان بعيداً عن الأسطورة الوطنية المدوّنة في الكتب، وأفترضُ أنّ على جميع الكتّاب القيام بهذه المهمّة. كتبتُ في عام 2019 كتاباً عنوانه (Dernière oasis) (الواحة الأخيرة)، أنهيته قبل (بيروت 2020)، يتحدث عن علاقة الإنسان بمسار التاريخ عبر قصة متخيلة في الموصل العراقية قبل أشهر من دخول (داعش). أنهيتُ الكتابة، فتوالت الأزمات اللبنانية. عندها شعرت بعبثية نشر كتاب مسرحه العراق فيما الويلات تنهمر حولي بلا استراحة. أطلعتُ الناشر الفرنسي بعدم استعدادي للدفاع عنه أمام الصحافة الفرنسية والمجتمع الفرنكوفوني. إحساسي بالفداحة اللبنانية جعلني أرجئ إصداره».
ألحّت عليه رغبة في الكتابة، فراح «يوثّق» الأزمة بسرد تجارب الناس ومعاناتهم اليومية. همُ شريف مجدلاني هو الإجابة على سؤال: كيف وصلنا إلى هنا؟ فيعود بالتاريخ مائة عام إلى الوراء، إلى بداية تأسيس دولة لبنان. هذا ما يفسّر بناءه الروائي على أرضية تاريخية، «فالماضي صورة عن الحاضر، من دون قراءته يتعذّر فهم الراهن وإصلاحه».
روايات كاتب «فيلا النساء» الحائزة على جائزة «جان جينو الكبرى» في عام 2015، بمثابة مرايا تعكس قرناً ونصف قرن من التاريخ اللبناني، لكنه لا يكتب هذا التاريخ، بل التحولات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية انطلاقاً من التهشّم الفردي والتفكك الجماعي.
وأكثر ما يغذّيه ككاتب هو «الخليط الثقافي والاجتماعي، والتلاقي بين الأديان والثقافات والسلوكيات»، وهي يرى لبنان «نموذجاً للتركيبات المختلطة. يقول: «أنا ابن الخليط كوني مسيحياً وزوجتي مسلمة؛ وأولادي نتاجه»، كما أنه يتذكر ما قاله البابا جان بول الثاني عن «لبنان الرسالة»، فيتألم لخرابه كنموذج ومشهد جمالي ومجتمع متنوّع.
يتابع: «لبنان مختبر للتحولات في تاريخ العالم. قرن واحد من تاريخه يختزل جميع أنواع التحولات، منذ الإمبراطورية العثمانية، فالانتداب الفرنسي والاستقلال، حتى الحرب الأهلية وما بعدها. تحولات العالم على فترات متباعدة، يختزلها لبنان بقرن».
إنه يُسأل دائماً: «لماذا تكتب عن لبنان؟» كما فعلنا نحن، فيردّ أنه يكتب عن التحولات والتغيرات التاريخية وعن طرق تعامل الإنسان معها (التكيّف، النكران، الرفض) من خلال المثال اللبناني وتاريخه، الذي يجد فيه «نموذجه الإنساني»: «لحُسن حظي أنني أعيش في بلد يحتضن كل ما يهمني وجوده في العالم، فأكتب عن تحولاته، مجتمعاته، مدينته، بروز البورجوازية فيه، وتغير أنماط العيش». تصيبه المقتلة اللبنانية بجرح بليغ، لكن الكتابة تخفف بعض آلامه. يستعيد قولاً لزوجته، وهي معالجة نفسية، في تحليلها لـ«برودته»: «أنت تكتب فتُبعد المشكلة عنك لتستطيع تحمّلها». وهو يسمّيها «ميكانيكية الدفاع عن النفس».
يعود القلق الإنساني برأيه إلى حقيقة «اتجاه المرء الحتمي نحو الفناء، فيمضي العمر محاولاً ترك أثر». وكل ما يفعله هو أنه «يحارب الوقت في انتظار الزوال، فيبني ما يمنحه معنى لحياته حين يحلّ أجله». يقول: «منطقتنا الجغرافية تُجاور الموت. نراه يحوم طوال الوقت ولا نملك قصّ جناحيه. الغرب الأوروبي أراح إنسانه من ثقل ظلاله. لولا العمليات الإرهابية الأخيرة، لما توجّست الشعوب الأوروبية به وانشغلت بفجاجته».
نستعير من الكاتبة نجوى بركات وصفها له: «يصلح الأعطال ويعاين العطوب»، لنسأل عمن يصلح أعطاله ويعاين عطوبه؟ فيرد: «الكتابة. يزاولني قلق حاد من دونها. لكنها وحدها غير كافية. العائلة والأولاد شركاء في تضميد العطب». «أمام فظاعة واقع مثل هذا، هل يعود الأديب بحاجة إلى الخيال؟»، يقول بسرعة: «لا، فبعض الكتابات ترغم الكاتب على الاتجاه مباشرة نحو وصف الواقع، لكن يستحيل العيش بلا خيال. هو جوهر الرواية، ولا يمكن فهم الواقع من دون فهم تشعّباته عن طريق التخيّل. في أدبي، أكتب الواقع من خلال المخيلة لأعطيه معنى».