الرئيسية / مقالات / شروط الحريري لترؤّس حكومة جديدة!

شروط الحريري لترؤّس حكومة جديدة!

تأخّر رئيس الحكومة سعد الحريري كثيراً في تقديم استقالتها. فهو لم يكن رئيسها فعلاً بل كان من وقّع له مرسومي تكليفه تأليفها ثمّ تأليفها أي رئيس الجمهوريّة العماد ميشال عون مباشرة، وأحياناً كثيرة رئيس “التيّار الوطني الحر” الوريث السياسي الوحيد له الذي يتولّى رسميّاً للمصادفة العجيبة وزارة الخارجيّة ووزارات “تيّاره” وما تيسّر من وزارات أخرى. لكن الدقّة هنا تفترض الاعتراف وبكل موضوعيّة بأنّ للحكومة المُستقيلة رئيساً آخر بل جهة أخرى لا لزوم لتسميتها لأنّ اللبنانيّين المُنقسمين طائفيّاً ومذهبيّاً، رغم “صحوتهم الوطنيّة” الأخيرة العمر ربّما ويا للأسف، يعرفونها. علماً أنّها لا تخفي نفسها ولا تحتاج إلى إخفاء نفسها ولا سيّما بعدما حقّقت إنجازات وطنيّة لا يمكن إنكارها، وبعدما صارت جزءاً من محور إقليمي يتحدّى منذ أربعين سنة أقوى دولة في العالم بل العالم كلّه، وانطلق في صراع بل حرب إقليميّة عسكريّة بواسطة حليفه اللبناني أوّلاً ثمّ حلفاء آخرين ينتمون مثلهما إلى خطّ سياسي إسلامي واحد، لا ينظر إليه أصحاب الخطوط الإسلاميّة الأخرى في العالم بارتياح. وبصفاتها هذه صارت عمليّاً حاكمة فعليّة للبنان أو بالأحرى تصرّفت ولا تزال باعتبارها مسؤولة عنه وصاحبة الكلمة الأولى والأخيرة فيه.

طبعاً ما كان في إمكان الحريري الاستقالة قبل ذلك ليس لأنّ الأقوياء الرسميّين وغير الرسميّين أجبروه على ذلك بقوّة السلاح بل لأنّ مصالحه والأوضاع السياسيّة وغير السياسيّة فرضت عليه البقاء، ولأن شراكة سياسيّة وغير سياسيّة قامت بينه وبين عدد من الأقوياء في الحكومة وخارجها، وأخيراً لأنّه ورغم ما تعانيه البلاد من مآسٍ اجتماعيّة واقتصاديّة وخدماتيّة ومن تجبّر سياسي وعسكري وأمني وفساد حكومي وإداري لم يضغط على شركائه في التسويتين الرئاسيّة والحكوميّة لتنفيذ حد أدنى من الإصلاح. ربّما لأنّه لم يرَ موجباً لذلك أو لاقتناعه بأنّ الحامي الأكبر للحكومة والصهر والدولة قادر بهيبته وتاريخه على منع الناس من الانتفاض. لكنّه وبعد الاحتجاج الشعبي الوطني اللاطائفي الأكبر في تاريخ لبنان الحديث، وبعد إدراكه أوّلاً أخطاره عليه وعلى حكومته وعلى “حلفائه” في التسويتين “التاريخيّتين”، ثمّ على الاستقرار الأمني جرّاء استشعار أحد هؤلاء وهو “حزب الله” خطراً مباشراً عليه من الاحتجاج ومن الفوضى ومن تسيّب الدولة والمؤسّسات ومن استغلال أعدائه في الداخل والخارج هذا الوضع لتوجيه ضربة موجعة إليه أو مُحجّمة لدوره، أو حتّى قاضية، لكنّه بعد ذلك كلّه تحرّك محاولاً الإصلاح وفشل فقرّر الاستقالة بعدما عرف أنّ “حزب الله” شريكه صار قاب قوسين أو أدنى من التحرّك “ميدانيّاً” لإزالة الخطر الخارجي الشقيق والصديق والمُعادي الذي يراه في الاحتجاج. إلّا أن استقالته لم تمنع التحرّك هذا وربّما تزامنت معه. ويعني ذلك أنّها لم تكن مُنسّقة معه ولم يكن راضياً عليها. لكنّ السؤال الذي يُطرح هنا هو: هل أفادته الاستقالة؟ جمهور الاحتجاج الكبير أظهر فرحه بها معتبراً أنّها حقّقت أحد مطالبه المرفوعة. لكنّ القمع الذي سبقها أو تزامن معها جعل الفرح شعوراً في غير محلّه أراد مُظهروه التعويض عن إساءة تعرّضوا لها و”تطمين” المُناصرين إلى أنّهم مستمرّون. وبدوا بذلك مثل الذين يسيرون في عتمة الليل سواء على طرق موحشة ومُظلمة أو حتّى في المقابر فيحاولون إخفاء خوفهم إمّا بالصفير وإمّا بالغناء بصوت عالٍ. أمّا الرئيس الحريري فإن الاستقالة جعلته يخرج من الوضع المُعقّد والمُظلم مثل “الشعرة من العجينة” كما يُقال لأنّه بدا غير مسؤول عن “القمع” الذي حصل وغير راغب في تحمّل مسؤوليّة مُضاعفته ومتابعته إذا دعت حاجة القائمين به إلى ذلك. لكنّه لم يربح شعبيّاً رغم بعض التظاهرات الشعبيّة الصغيرة في عدد من الشوارع “الغربية” للعاصمة، وعذراً للعودة إلى هذه اللغة وحتّى في مسقط رأسه صيدا. ذلك أنّ مأساة “أوجيه” و”الإعلام المستقبلي” لا يزال اللبنانيّون يعيشونها، ولأنّ آثار التسويتين الرئاسيّة والحكوميّة “المذلّتين لشعبه كما تبيّن لاحقاً لا يمكن نسيانها بسهولة، إذ أضعفت دور “شعبه” بل مسحته في دولة لبنان الطائفيّة والمذهبيّة، ولا سيّما بعد تعاون شريكيه العوني المسيحي والشيعي بثنائيّته على استغلاله وتصميمهما على متابعة “عصره” إلى الآخر. والنتيجة بعد ذلك معروفة. هذه الاستقالة التي ربّما تحفظ ماء الوجه قليلاً، بسبب استياء شريكيه في التسويتين الرئاسيّة والحكوميّة منها “ثنائيّة الرئيس عون – باسيل” والثنائيّة الشيعيّة، دفعت بسياسي مخضرم ومثقّف ومُحبٍّ للحياة وللموسيقى إلى تذكّر أغنية شهيرة للمغنّي الأرمني الفرنسي شارل أزنافور هي الآتية: Il Faut Savoir Quitter La Table Quand l’amour est desservi وترجمتها الحرفيّة: يجب معرفة مغادرة الطاولة (المائدة) أو تركها عندما ينتهي “طبق الحب”. في أي حال لا بُدّ من القول وبحزن شديد وصادق، ويتمنّى “الموقف هذا النهار” أن يكون مُخطئاً، أن القشرة الدقيقة للوطنيّة اللّاطائفيّة التي شهدها لبنان قرابة أسبوعين ستكون سهلة الذوبان أو الكسر بعد الاستقالة، وتحديداً بعد الذي يفترض أن يتبعها من مساعٍ ومحاولات لاختيار رئيس حكومة جديدة ولتأليفها. فاللبنانيّون لم ينسوا منذ تأليف الحكومة الحريريّة الاحتجاجات السياسيّة والدينيّة السنيّة على التعدّي على صلاحيّات رئيس الوزراء السنّي من رئاسة الدولة ورئيس تيّاره و”ووزيره الأوّل”، وحتّى قبلها أيّام حكومة تمّام سلام (المتعدّي كان باسيل). ولم ينسوا اجتماعات رؤساء الحكومات السابقين واحتجاجاتهم. ولم ينسوا الدعم المستمرّ لمفتي الجمهوريّة له. ولم ينسوا العمل الناشط في الوسط المسيحي من رجال دين ودنيا وسياسة لإعادة صلاحيّات ليس رئيس ما قبل الطائف في سبعينيّات القرن الماضي بل صلاحيّات رؤساء مرحلة ما بعد الاستقلال عام 1943 مباشرة. هذا فضلاً عن التنافس بل التصارع السنّي – الشيعي في لبنان والمنطقة رغم المحاولات الدائمة لحصره في أضيق نطاق مُمكن، ورغم عمقه في وجدان الناس التي يقوم بها عادة رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي.

طبعاً هذه الأمور لن تتفاقم حاليّاً إذا تضامن المُختلفون والمُنقسمون والمُتصارعون والمُتنافسون، ونجحوا في تأليف حكومة في سرعة رغم علم الناس أنّها ستكون على حسابهم وستزيد من صعوبات حياتهم ومآسيها. لكن إذا لم يحصل ذلك ولم يُعَد تكليف الحريري تأليفها واستمرّ رفض حكومة التكنوقراط برئيسها والأعضاء أو المختلطة فإنّ المشكلة المذهبيّة قد تتعمّق. إذ ربّما يُرشّح السُنّة الرئيس فؤاد السنيورة بديلاً ولا يمكن أن يقبله “حزب الله” وحتّى رئيس “أمل” برّي. وربّما يُرشّح تمّام سلام الذي يعتبره البعض غير مُثير للخلاف ولكن هل يُقبل. وماذا يحصل إذا بلغنا مرحلة دفعت السُنّة إلى الاجتماع رجال دين ودُنيا في نسخة لكن مجتزأة عن “قمّة عرمون” وقدّموا إسماً واحداً لرئاسة الحكومة ورفضوا قبول غيره؟

طبعاً في حال كهذه سيزداد تبادل الاتّهامات. فـ”الحزب” وحلفاؤه سيستمرّون في اتّهام السعوديّة والإمارات وأميركا باستهدافهم شعبيّاً وإعلاميّاً وسياسيّاً وأمنيّاً ومعها كلّها إسرائيل التي “تُديرهم” جميعاً في رأيهم. وأخصامهم سيردّون بالقول أنّهم يُنفّذون سياسات إيران ويخدمون مصالحها في حين أنّ العرب أشقّاء لهم ومن واجبهم مساعدتهم عند الحاجة. وفي النهاية الجميع على علاقة غير سويّة بالخارج رغم التبريرات الدينيّة والمذهبيّة والقوميّة غير المُقنعة. أمّا إسرائيل فعدو مؤذٍ رغم هزيمتَيْه على يد “حزب الله” عامي 2000 و2006. وإذا كانت أميركا والعالم بغربه وشرقه لن يتحرّكا لوقف انزلاق لبنان نحو الهاوية أي نحو الانهيار الاقتصادي – المالي – النقدي – السياسي – الاجتماعي – الأخلاقي والأمني… فإنّ عدداً من العارفين الأميركيّين يُحذّرون من ردّ فعل اسرائيلي “يمسح لبنان عن بكرة أبيه” إذا بدا لحكّامها أن خطره وحلفاء إيران عليها صار كبيراً جدّاً.

اضف رد