شرم الشيخ: قمة أوروبية وشهود عرب؟

رأي القدس
القدس العربي
25022019

اقتصر الحضور العربيّ إلى «القمة العربية ـ الأوروبية» التي عقدت في شرم الشيخ أمس على ملوك وأمراء ورؤساء السعودية والعراق والكويت وتونس وفلسطين واليمن والبحرين والصومال وجيبوتي وليبيا (إضافة إلى مصر نفسها طبعا)، وفيما تمثل لبنان والمغرب برئيسي وزرائهما ودول أخرى بوزراء خارجيتها أو رئيس البرلمان، وكان لافتاً أيضاً تخفيض الإمارات، حليف النظام المصري الوثيق، لتمثيلها بإرسالها الشيخ حمد بن محمد الشرقي، عضو المجلس الأعلى حاكم الفجيرة، فيما خفّفت قطر تمثيلها بإرسال السفير إبراهيم السهلاوي، وذلك نتيجة المخالفة المصرية المقصودة للبروتوكول بعدم توجيه الدعوة لأمير البلاد تميم بن حمد وإرسالها عبر السفارة اليونانية في الدوحة.
في المقابل فقد كان الحضور الأوروبي نوعيّاً وكثيفاً، مع حضور 27 من الزعماء السياسيين للدول الأوروبية (باستثناء الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون)، وهذا يعني أن الأوروبيين لم يأتوا للاستمتاع بالطقس الحارّ والسياحة بل أحضر كل منهم أجنداته المهمّة التي يريد مناقشتها، سواء مع نظرائه الأوروبيين، كما هو حال رئيسة الوزراء البريطانية تريزا ماي المشغولة بتعديل اتفاق الخروج من الاتحاد الأوروبي، أو للوصول إلى حلول مرضية لأوروبا في قضايا اللجوء من القارة الأفريقية والشرق الأوسط كما هو حال المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل (وهو ما يشغل زعماء دول أخرى كإيطاليا والنمسا واليونان واسبانيا وفرنسا).
هناك دلائل عديدة على أن هذه القمة أوروبية بالدرجة الأولى وعربية بالدرجة الثانية أو الثالثة، وأن الاجتماعات تجري حسب «الروزنامة» الأوروبية وليس بالتوقيت العربيّ، ومن هذه الدلائل غياب وليّ العهد السعودي محمد بن سلمان، الذي صار «شخصا غير مرغوب برؤيته» من قبل الأوروبيين حسب الاصطلاح اللاتيني الشهير)، وكذلك الأمر مع الرئيس السوداني عمر البشير، الذي تطارده أحكام بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية من المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي والذي يعاني حاليّاً من هبّة شعبيّة كبيرة ضد نظام حكمه (ناهيك عن الرئيس السوري بشار الأسد الذي لم تنجح مناورة روسيا ومصر ودول خليجية بإعادته إلى الجامعة العربية… حتى الآن).
لكن ألا يمكن اعتبار انعقاد القمة في شرم الشيخ، بعد أيام قليلة من تنفيذ أحكام الإعدام الفظيعة بتسعة من الشبان المصريين بعد محاكمات مفبركة وتهم ملفقة، تواطؤا أوروبيّا خبيثا مع نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي خصوصا بعد تأكيد مصادر إعلامية أن المحادثات لن تشهد نقاشا حول قضايا حقوق الإنسان أو قضية الإعدامات وتزايدها؟
من الواضح، بداية، أن النظام المصريّ يقوم بـ«تطبيع» الأوروبيين مع انتهاكاته لحقوق الإنسان، ودليل ذلك أنه يوقّت إعداماته مع المناسبات الخارجية المهمة، كما حصل مع زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وحضور السيسي لفعاليات مؤتمر ميونيخ للأمن، وانتهاء بالقمة الأوروبية ـ العربية هذه، وأن هذه «الاستراتيجية» تقوم على المطابقة بين الانتهاكات المعممة ضد الشعب المصري (مع تخصيص «الإخوان المسلمين» بحصّة الأسد منها) مع اتجاه «مكافحة الإرهاب» المتفق عليها عالميّا ضد تنظيم «الدولة» و«القاعدة» ونظيريهما، وتبرر هذه المطابقة بالتالي كل الانتهاكات التي تقوم بها قوات الجيش والشرطة والأمن والقضاء والإعلام ضد خصوم السيسي ونظامه.
تحظى هذه المطابقة بين الانتهاكات المعممة و«الحرب العالمية على الإرهاب» على شعبيّة متزايدة ضمن الاتحاد الأوروبي وخصوصاً مع صعود اليمين المتطرّف إلى السلطة في هنغاريا والنمسا وإيطاليا، وازدياد وزن هذا اليمين العنصري ضمن الخطاب السياسي الأوروبي عموماً.
بهذا الدعم لـ«الاستثمار في الاستقرار» (كما يقول شعار المؤتمر) يعزّز اليمين العنصريّ الأوروبي صفوفه بدعم نظام السيسي، متوقعا منه، إضافة إلى «الاستقرار» الكاذب القائم على الوحشية، تقديم فروض الطاعة بأشكال أخرى، منها منع عمليات اللجوء، وتوطين اللاجئين في البلدان الأفريقية إضافة إلى الفروض السياسية الأخرى، كما هو شأن «صفقة القرن» الترامبية المزعومة، التي يجيء جاريد كوشنر مجددا للمنطقة للتحضير للإعلان عنها مع الانتهاء من الانتخابات الإسرائيلية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*