الرئيسية / home slide / شربل النجار في «مسارات جبلية نحو لبنان الكبير: (1584ـ1920)» قضاء المتن شكّل أساس الهجرة اللبنانية إلى الخارج

شربل النجار في «مسارات جبلية نحو لبنان الكبير: (1584ـ1920)» قضاء المتن شكّل أساس الهجرة اللبنانية إلى الخارج

سمير ناصيف 
القدس العربي
03072021

قد يتساءل القراء لماذا تتم مراجعة بعض الكتب الصادرة عن كتّاب محليين غير عالمييّ التوجه حول مواضيع حساسة متعلقة بلبنان والشرق الأوسط والعالم.
أهم عنصر في الجواب على هذا السؤال أن الكثير من هؤلاء يعودون إلى المراجع الأساسية في نتاجاتهم الفكرية ولا يكتفون بالاستعانة بما كتبه أرباب كُتّاب تاريخ المنطقة الذين يتمتعون بشهرة كبيرة. والكثير من هؤلاء يعيشون ويكتبون من خارج لبنان والشرق الأوسط ويعتبرون أنفسهم ومصادرهم مراجع موثوقة أكثر من غيرها.
الأستاذ شربل سمعان النجار، الكاتب واستاذ التاريخ في مدارس ثانوية عريقة في لبنان كـ»الليسية الفرنسية اللبنانية» و»اللاتينية» صدر له مؤخراً كتاب بعنوان: «مسارات جبلية نحو لبنان الكبير. (1854ـ 1920) تضمن معلومات قيّمة قلما تتواجد في كتب أخرى عن تاريخ لبنان والمنطقة لكونها عادت إلى المصادر الأساسية في هذه المواضيع.
قرر الكاتب التركيز على دراسة خمس بلدات لبنانية تقع في قضاء المتن الشمالي اللبناني هي: ضهور الشوير (الشوير) وبسكنتا، بيت شباب، المتن وبكفيا وعلى أدوارها في الهجرة اللبنانية إلى العالم الخارجي في مطلع القرن الماضي قبل وخلال وبعد الحرب العالمية الأولى. واستند في كتابه على إحصاء لبنان لعام 1921 إلى 1924 وإلى مقابلات وأبحاث أجراها مع المراجع الدينية لسكان تلك البلدات وما تمتلكه من معلومات أولية وتفاصيل مفيدة.
كلمة السر حسب قول المؤلف، هي ان قضاء المتن في لبنان شكّل الحديقة الخلفية للهجرة اللبنانية في مطلع القرن الماضي، ومهاجروه دعموا بقاء مناطقهم ولبنان عموماً اقتصادياً بما يرسلون من أموالهم ومساعداتهم بين أهالي ضهور الشوير (الشوير) تواجد (حسب المؤلف) أغزر أعداد سكان تلك البلدة من المهاجرين إلى البرازيل، ومعظمهم لحقوا عائلة آل يافت التبشراتي الشويرية أولى الواصلين إلى ذلك البلد.
أما بكفيا، فذهب أهلها، خلافاً للقاعدة الاقتصادية، عن إقتدار مادي وتطلع ثقافي إلى مصر البلد القريب، حيث صاروا «بكوات» و»باشوات» وأصحاب مهن حرة (ص10).
ولكن أكثرية العائلات التي سعت إلى الهجرة في تلك المرحلة كان دافعها ضيق الحال خلال زمن حكم المتصرفيّة وكثرة الأهوال خلال الحرب العالمية الأولى والمصائب الطبيعية.
ويذكر الكاتب أن الارساليات الأجنبية أنشأت في الشوير وبكفيا مدارس ساهمت في انبثاق مجموعة من الحرفيين في سائر القطاعات، وخصوصاً المدارس البروتستنتية في الشوير والكاثوليكية والارثوذكسية أيضاً بدورها في الشوير وبلدات المتن الأخرى. أما الفتن المذهبية في منتصف القرن التاسع عشر، فحصدت آلاف القتلى ولم يتوقف القتال حتى عام 1860 بعدما فرضت الدول الأوروبية «نظام المتصرفيّة» على البلد. ولكن مع إطلالة القرن العشرين انطلقت حروب شاركت فيها معظم دول العالم (الحرب الكبرى) وكانت نتائجها وبالاً على اللبنانيين، ساحلاً وجبلاً، فتصدعت البلدات الخمس وضربتها الأمراض وقسى عليها الجوع نتيجة اجتياح الجراد والحصار البري الذي فرضه العثمانيون والحصار البحري الذي نفذه الحلفاء الغربيون على شواطئ البحر المتوسط الشرقية فاختنق الجبل (ص112) ومات ومرض كثيرون وتشتت آخرون، حسب الكاتب. ويضيف «الشويريون استجاروا بزحلة وبيروت وحوران ولجأ كثيرون منهم إلى مستشفى برمانا ومدرسة عين القسيس في الشوير وأمن لهم الاخوة الفريندز الانجيليون القوت طوال محنة الحرب الكبرى في لبنان» حسب ما وارد في الكتاب.

2021-07-02_13-29-29_156217
«لبنان الكبير» (حسب الكاتب) نشأ نتيجة لعوامل سياسية واقتصادية، ولم يهبط على جبل لبنان وأهله كهدية فرضتها المصالح الكبرى ولا عندما أُعلنت «دولة لبنان الكبير» في الأول من أيلول (سبتمبر) 1920.
ويؤكد الكاتب ان الحماية الفرنسية لأهل الجبل اللبناني لم تكن كافية لتكوين الشخصية الفذة الجبلية، بل إصرار أهل الجبل على الصمود لمواجهة معاناتهم شكّل العامل الرئيسي في هذا المجال.
ولكن «لبنان الكبير» كان كياناً متقلباً ولم يؤمن لأبناء لبنان والجبل ما كانوا يصبون إليه (ص14).
يتضمن الكتاب تفاصيل دقيقة عن أسماء العائلات التي هاجرت من البلدات الخمس، ولا يتسع المجال لعرضها بالتفصيل في هذه المراجعة ولكن تفاصيلها قد تكون ذات أهمية لأبناء تلك البلدات ولأقارب كبار العائلات المهاجرة والعائدة.
ويذكر المؤلف في الصفحة (59) أسماء بعض الجشعين اللبنانيين الذين ساهموا في انتشار المجاعة في ربوعه في مطلع القرن الماضي، وأسماء عائلاتهم تضم آل سرسق، آل المشنوق، آل الغندور، وآل اليافي، وآل الخوري، وآل عازار وآل جدعون، وغيرهم.
في الصفحة (63) يقدم المؤلف تفاصيل عن عدد المهاجرين من القرى التي يركز عليها جمعها من المصادر الدينية والكتابات الثقافية التاريخية الموثوق بها، ككتابات الأديب ميخائيل نعيمة وغيره، كما يتطرق إلى تحديد المناطق التي هاجروا إليها في الولايات المتحدة خصوصاً وإلى طبيعة أعمالهم هناك مشيراً إلى عمل كثير منهم في المصانع وليس في «الكشات» التجارية للبيع الحر، كما ورد في بعض المصادر، مؤكداً أن في عملهم في المصانع كدحوا كما كدح باقي العمال المهاجرين في تلك المؤسسات وشاركوا في مواقف الطبقات العمالية المستغلة من أصحاب العمل النقابية الرافضة. فيقول في هذا المجال: «اتحد اللبنانيون (المهاجرون) مع غيرهم من الجاليات المهاجرة في مدينة لورنس في ولاية ماساتشوستس (ما بين عامي 1890 و1910) واتخذوا موقفاً معارضاً لأصحاب المعامل الأمريكيين خلال اضراب 1912. ودفعتهم تلك التجربة وشقاء العمل في معامل النسيج إلى توجيه أولادهم نحو مستقبل أفضل بعيدا عن مصانع لورنس (ونجح بعض أولادهم في مجالات الطب والمحاماة والتجارة بسبب ذلك) فالآباء كانوا مناضلين كادحين، على غير صورة بياعي الكشّة (ص 73).
وكان عدد من مهاجري الشوير قد قضى إلى أمريكا على سفينة «تايتانك» التي غرقت في 15 نيسان (ابريل) 1912 بعدما بلغت الهجرة الشويرية إلى الولايات المتحدة أقصاها بين عام 1905 و1913 (ص 78).
ويذكر الكتاب ان المفكرين اللبنانيين الذين هاجروا إلى مصر لعبوا دوراً كبيراً في النهضة المصرية الحديثة، كمثل رواد الصحافة العربية سليم وبشارة تقلا ويعقوب صروف وحرجي زيدان وإبراهيم اليازجي ومي زيادة (ص93).
كما نجحت عائلة آل عماد (خطار ويوسف عماد) نجاحاً كبيراً في مصانعها لاستخراج الزيوت من مصادر زراعية في مصر، وهم من عين السنديانة الشويرية. ويحكي الكتاب سيرة تلك العائلة وما تركته من إرث ثقافي ومعماري في الشوير (ص94ـ95).
في الصفحة (99) يحكي الكتاب زيارة إمبراطور البرازيل بيدرو الثاني إلى لبنان في عام 1876 حيث زار الجامعة الأمريكية في بيروت. وقام بتلك الزيارة بعد دعوة وتحفيز من نعمة يافت التبشراني أحد أوائل المهاجرين اللبنانيين إلى البرازيل (ص99). وزيارة الامبراطور بيدرو الثاني دفعت الكثير من اللبنانيين خصوصاً المتنيين للهجرة إلى البرازيل في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر. والشوير كانت أول من انطلقت نحو البرازيل تيمناً بنعمة يافت التبشراني (تمثاله في ساحة الشوير، واسمه يزين مكتبة الجامعة الأمريكية في بيروت) (ص 100).
وكان المهاجرون من الشوير باتجاه البرازيل من عائلات تبشراني وحاوي وقربان ورحباني وغيرهم واستمروا في المغادرة حتى عام 1922 وساهموا في نمو بلدتهم والمتن ولبنان عموماً.
عممت مدرسة عين القسيس الشويرية ثقافة انكلوساكسونية حفزت الطوائف الأخرى على إنشاء معاهد تابعة لها في الشوير والمنطقة (ص112) حسب المؤلف.
ويقول الكاتب ان «بين الذين عرفوا ضهور الشوير جيداً المفكر الفلسطيني الأمريكي ادوارد سعيد الذي يعرض في كتابه (خارج المكان) قصة حياته وصيفياته فيها عندما كان شاباً علماً انها بلدة آل بدر أنسباء والدته» (ص113).
في الفصل الختامي يتخذ الكاتب خطاً مؤيداً لدور الكنائي المختلفة في لبنان في نشر الثقافة بين أهل جبل لبنان وخصوصاً المسيحيين منهم، وفي نشر اللغات الأجنبية في لبنان. وهنا يصبح مجال الكتاب ضيقاً إلى حد ما إذ يتجه المؤلف إلى الصراعات بين الجهات الأبرشية المسيحية في تلك الحقبة.
بيد انه يذكر واقعة تاريخية هامة ألا وهي ان البطريرك الحويك نصَبَ نفسه ناطقاً باسم الموارنة وباسم المتصرفية وباسم (لبنان الكبير) وحضر مؤتمر الصلح في باريس في نهاية العقد الثاني من القرن الماضي (مع وفد) بحيث تلاقت مصالح فرنسا في الشرق الأدنى مع المصالح الداخلية الممسكة بالأرض في المتصرفية و»التقت على كسر المشروع القومي العربي الحديث النشأة وذلك عبر إقامة دولة لبنان الكبير» (ص246).
ويضيف: «وهذا لا يعني بان الكنيسة المارونية كانت تحضر لقيام وطن قومي ماروني على غرار الوطن القومي اليهودي كما جاء في بعض الدراسات اللبنانية خلال الحرب في لبنان، لا بل قبلها (1975ـ 1990) بل كانت حريصة على التحضير لقيام وطن ثابت مستقر الزوايا للموارنة ولغير الموارنة من طوائف في عالم شرق أوسطي متبدل بعد الحرب العالمية الأولى بحيث لبنان لا يبقى متقلباً فيه ومعرضاً للأطماع من كل حدب وصوب» (ص 147).
ويشير المؤلف انه في صيف 1920 لم تقطع النخب الدرزية المؤيدة لمشروع فيصل أمير الحجاز واتصالاتها بالعاملين لدولة لبنان الكبير، ولا أدارت ظهرها لبكركي المطالبة باستقلال لبنان، بل تكلمت قيادات بين الدروز لغة البطريرك الحويك من حيث استقلال لبنان بحدوده التاريخية (وكان بين هؤلاء الأمير توفيق مجيد أرسلان) (ص 249).
ويسترسل الكاتب في الثناء على حماية فرنسا للطائفة المارونية في لبنان من أيام ملوك فرنسا في العصور الغابرة حتى الساعة وعن مواقف فرنسا المتعاطفة مع البطاركة المارونيين في لبنان حتى إعلان دولة لبنان الكبير مفسراً معاهدة «سايكس بيكو» كوسيلة «لتأمين المصلحة الفرنسية العليا» (ص 221) ومثنياً على نشوء «لبنان الكبير» نزولاً عند رغبة البطريرك الحويك وجهود الذين دعموه.
وهنا اختلطت المعلومات المفيدة تاريخياً في الكتاب مع توجهات وتحليلات الكاتب السياسية.

شربل سمعان النجار:
«مسارات جبلية نحو لبنان الكبير: (1854 ـ 1920)»
دار سائر المشرق، بيروت 2020
301 صفحة.

سمير ناصيف