الرئيسية / home slide / شراء وطن ديلڤري

شراء وطن ديلڤري

12-04-2022 | 00:00 المصدر: “النهار”

روني ألفا

أرشيفية (حسام شبارو).

أنا والخمولُ رفقةُ عمر. هو يعرفني جيداً وأعرفُه حِلّاً ونَسَباً. تربطُنا مذكّرةُ تفاهمٍ يقدِّمُ لي بموجبها نفسَه طائعاً مختاراً وأبادلُهُ الوفاءَ بعدمِ شحذِ همَّتي للرياضةِ البدنيةِ ومتفرّعاتِها.

على الرغم مِن إصرارِ أهلي على ممارستي للأنشِطة الرياضية كنتُ أفضّلُ القراءةَ على الهرولةِ والكتابةَ على كمالِ الأجسام. إحدى محاولاتي الفاشِلَة تمثلَتْ في إرغامي على متابعةِ رياضةِ الجودو اليابانية وأنا في مطلع شبابي. عنصر الإقناع كان باعتبار أن هذه الرياضة مخصّصةٌ للدفاعِ عن النفس، وهو واجبٌ على كل شخصٍ يُعتدى عليه. خجلتُ يومَها من القول إني أفضّلُ تحمّلَ تبِعاتِ التعرّضِ لي جسدياً على مبادلةِ المعتدي باعتِداء. المجاهرةُ بموقفٍ مماثلٍ تلامسُ السورياليةَ الساذجةَ في بلدٍ نتربّى فيه على مبدأ رَدّ الصاعِ صاعَين بدل أن نتربّى على قاعدةِ من ضربكَ على خدّكَ الأيمن فأدِر له الأيسَر.

الخمولُ رياضتي المفضّلة. أمارسها مِن زَمانْ حفاظاً على لِياقَتي الفكريّة. أدّى بي ذلك وأنا على مشارِفِ الستين إلى نموّ طفيف في بعضِ عضلاتِ ذهني والى ضمورٍ معظَم عضلات جسدي. مؤخّراً تمَّ تَشخيصي كمريض سكّري من الدرجة الثانية. نوعٌ من زنّار أبيض للبرنص قبل التأهّل للزنّار التالي أي السكّري من الدرجة الأولى.

من جديد يقصفُني الطبيبُ بلائحةِ طلباتٍ أوّلُها ممارسةُ الرياضة وفِي حال الخيانةِ يهدّدُني بالأنسولين. فكرَةُ انتعالِ حذاءٍ رياضيٍ تحفّزُني مع فارِق أنّي أستلطفهُ في رِجلَيّ بوضعيةِ تنفيخِ نَفَسِ نرجيلَةٍ لا في وضعيةِ هرولة. هو أسرَّ لي بذلك مرّات عدّة والله.

يأخذني العجبُ من الذين يريدون إطالةَ حياتِهِم بالتمارين الرياضية. لا أناقشُ فوائدَها أبداً فهي بالطبعِ مفيدة. أناقشُ هَبَل الناس الذين يريدونَ إطالةَ أعمارِهِم وضَمانَ أفضَلِ نوعيةِ حياةٍ في عَيشِها. العديدُ من هؤلاء انتهوا بالألزهايمر. كان الأجدر بهم تمرين نخاعاتهم لتجنّبِ هذا المرض بدلَ التلهّي بنفخِ عضلات البيسَبس والتريسَبس.

لا أشجّعُ أحداً على التعاون مع الخمول على النحو الذي أعامله به وإنما أدعو الى قليلٍ من السودوكو والكلمات المتقاطعة وقراءة نهج البلاغة ورسائل بولس وعدم الإسراف في الاتكال على الجودو والكاراتيه والتيكواندو والكونغفو وفنون القتال الأخرى التي غالباً ما تنتهي فيها الغلبة لمصلحة رَصاصَة الخمسة ميلي.

غالباً ما تنتابُني فكرةٌ جهنّميةٌ مفادُها: ماذا لو اخترعنا كلّ أنواع الرياضات ديلڤري. تشتري مثلاً حصّتَين من الهرولة أو ثلاثَ حِصصٍ من التنس ثمّ تدخلُ في غرفةٍ خاصّةٍ ثلاثية الأبعاد تدعكُكَ وتفركُكَ وتُخرِجُكَ خالصاً مخلَّصاً مصحوباً بكلّ فوائد الرياضة التي اخترتَها. حبّة باسكت بول أو تحميلَةَ فوتبول أو حقنَةَ ماراتون صغير. تأخذها عند الحاجة فتتعرّقُ وتلهثُ وتفقدُ الوحدات الحرارية اللازمة وأنت في وضعيةِ المستريح.

سيأتي يومٌ حتماً نشتري فيه هذه الخدمات من الفرمشيات. أمَلي وأُمنِيَتي أن يصبِحَ السلامُ والوِئامُ والصدقُ والنزاهةُ والإصلاحُ والأخلاقُ والعطفُ والتعاضدُ والكَرَمُ والصداقَة متوَفِّرةً في الحوانيت وعلى الإنترنت. تشتري قليلاً من الإصلاح فتبني وطناً. لا بدَّ أن يأتي يومٌ كهذا فلا تعودُ هناك حاجةٌ لانتخاباتٍ وبرامِج وشعارات. يكفينا شرّها وقد أصابَتنا بالسكَّري وملَّحَت أيامَنا أو ما بقي منها. شراءُ وطنٍ لن تقوى عليه التكنولوجيا على ما يبدو. نشتريه بدمائنا إذا ما استلزَمَ الأمر.