شخصية العام ومعترضو الساعة المتوقفة

رأي القدس
القدس العربي
13122018

اختارت مجلة «تايم» لقب شخصية العام للصحافي السعودي جمال خاشقجي إضافة إلى صحافيين محتجزين يعملان في وكالة «رويترز» للأنباء محكومين بالسجن سبع سنوات بسبب كشفهما فظائع جيش ميانمار ضد المسلمين الروهينجا، وللصحافية الفلبينية ماريا ريسا المعروفة بانتقاداتها الحادة لرئيس الفلبين الشعبوي رودريغو دوتيرتي وتواجه تهما عقوبتها السجن، وصحيفة «ذا كابيتال غازيت» الأمريكية التي قتل مسلّح يميني أمريكي أربعة من صحافييها.
في شرحه للأسباب عزا رئيس تحرير المجلة اختيار هؤلاء الصحافيين «لإقدامهم على مخاطر كبيرة سعيا وراء الحقائق الأكبر، من أجل البحث الناقص ولكن الأساسي عن الحقائق التي تعتبر جوهرية في الخطاب المدني، من أجل التحدث بحرية ومن أجل التحدث بصوت مسموع»، وهي أسباب يفترض أن تكون جوهر عمل الصحافيين في العالم وإلا انتقضت أركان الصحافة وتفكك معناها.
يثير اختيار خاشقجي وتخصيصه بصورة ممثلة لهؤلاء الصحافيين على غلاف «تايم» شجونا كثيرة، واذا غضضنا النظر عن المواقف المعروفة لوسائل الإعلام الموالية لأنظمة الرياض وأبو ظبي والقاهرة (فما شاهدناه وقرأناه وسمعناه منها كان متوقعا حتى لو فاض عن الحد في تهافته) تتبقى لدينا مواقف أخرى يجدر مناقشتها.
ما يثير الاستغراب في تلك المواقف كان تبرع سياسيين ومثقفين وناشطين عرب، ومنذ اللحظة الأولى، للتشنيع على خاشقجي بدعاوى علاقته بالجهاديين والإخوان والسلفيين، وحين ظهر تهافت هذه الدعاوى وركاكتها اخذوا يجأرون بدعاوى أخرى شعبوية وانسانوية، ومنها أن هناك الكثير من الصحافيين الآخرين الذين يقتلون فلا يسأل عنهم أحد «وهم أهم بكثير من خاشقجي»، وأن قدم طفل فلسطيني أو يمني أو سوريّ «لا تقلّ قيمة» عنه، وانتقل بهم الأمر إلى تركيز الهجوم على قناة «الجزيرة» ودعوتها للاهتمام بـ«القضايا العربية المهمة» بدل الانشغال بأخبار خاشقجي «التي صارت مملة» الخ… متناسين طبعا أن الأخبار تملأ وكالات الأنباء وأهم وسائل الإعلام العالمية التي لم تنفك عن متابعة تداعيات القضية المثيرة.
قام كثير من هؤلاء بالتعريض بمهنية الصحافيين العرب المتابعين للموضوع وبأخلاقهم وبإنسانيتهم وبصدق تعاطفهم مع الصحافي القتيل وقاموا بردّها إلى «أجندات سياسية» وحسب، في تجاهل لأولويات الصحافة والأخلاق والإنسانية والتعاطف، فالموضوع، بداية، وإن كان يتعلق بشخص واحد فقط فإن فيه أبعادا كثيرة تهم القراء والسياسيين والصحافيين تتعلق بتنفيذ الجريمة في تركيا وفي قنصلية وبألغازها البوليسية الكثيرة، وله أسباب، كما اكتشفنا، في صراعات العائلة السعودية على العرش، وفي النزاعات السياسية داخل المملكة، وله ارتباطاته وتأثيراته أيضاً بالصراع الإقليمي مع إيران في اليمن، وبالمسألة الفلسطينية، ونزاع دول الحصار مع قطر وتركيا، وكذلك بتحالفات إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وعلاقة صهره جاريد كوشنر بالأمر، وكذلك علاقة كل ذلك بالديمقراطية والقيم الأمريكية التي انتهكت بمحاولات إدارة ترامب تغطية الجريمة وتمريرها وإنقاذ ولي العهد السعودي محمد بن سلمان من تبعاتها، وهو ما حوّل القضية إلى محاكمة للنهج التسلطي والاستبدادي في السعودية وغيرها، لكنّه كان مناسبة أيضاً لإحراج وكشف أصحاب «الساعات المتوقفة» الذين انشغلوا بمحاسبة خاشقجي ووسائل الإعلام العربية بدل محاسبتهم للمجرمين.
تشارك هؤلاء الحملة مع فاشيين غربيين هللوا للخلاص من «جهادي إسلامي آخر»، مع أنصار للنظام السوري ولإيران هاجموه لموقفه المساند للثورة السورية، وأنصار للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وعلمانيين استئصاليين و«ثوريين» أو ناصريين أو حتى فتحاويين (من انصار محمد دحلان عادة) الذين اعتبروه «إخوانيا» أو «حماسيا»، أو حتى معادين تاريخيين للسعودية الذين عابوا عليه أنه كان جزءا من النظام، وانضافوا جميعهم إلى الموالين لمحمد بن سلمان، أو الإمارات والبحرين ومصر.
للكثير من هؤلاء حسابات وارتباطات ومحسوبيات ولكن كثيرين منهم اختاروا ساعة أو حقبة زمنية سكنوا فيها وجمدوا الوقائع بعدها لتنسجم معها وليذهب الإعلام والتاريخ والإنسانية والحقوق والبشر إلى الجحيم!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*