اخبار عاجلة
الرئيسية / home slide / شحوب الحريرية وما لم ينضب فيها بعد

شحوب الحريرية وما لم ينضب فيها بعد

 وسام سعادة
القدس العربي
24012022 

يقود سعد الحريري التيار السياسي الأبرز في الطائفة السنية بلبنان منذ سبعة عشر عاماً. ثمّة شكوك كبيرة في أن تبقى هذه الجملة صالحة لفترة من الزمن إضافية.
فالحالة السياسية ذات الرأس الأوليغارشي والمدى الشعبي التي ورثها سعد عن أبيه رفيق الحريري، بلغت في السنوات الأولى التي أعقبت جريمة تفجير موكب الأخير واغتياله مستوى من المُكنة والتوسّع داخل وخارج الطائفة السنية لم يكن حتى متاحاً في حياة الحريري الأب.
هذا على الرغم من أن سعد كان خارج السياسة إلى حين اغتيال والده. والأنظار اتجهت يوم الجنازة إلى أخيه الأكبر بهاء الذي صاح بالجموع «يا قوم» حتى بقيت هذه الصيحة غير المألوفة في الأذن اللبنانية كل ما يعرفه الناس عنه لسنوات. في حين أن عمّته بهية هي التي خاطبت الجموع في يوم الرابع عشر من آذار / مارس 2005 الجماهيري المشهود، بعبارة «إلى اللقاء سوريا» الملتبسة.
لم يظهر الخبر بأن العائلة الحريرية اجتمعت وأقرت وراثة سعد الحريري السياسية لتركة والده إلا في أعقاب ذلك، وبقرار سعودي واضح آنذاك بأن تؤول له المقاليد هو بالتحديد، وفي ظل مفارقة ملازمة للحظة التولية. فثروة رفيق الحريري العقارية والمالية الضخمة توزعت بين الورثة، في حين انعقدت الزعامة السياسية لواحد من هؤلاء الورثة فحسب. فمن جهة وراثة بتحديات أكبر، ولشخص لم يكن له مراس بالسياسة ولا يتصف بالصبر عليها، إلى يومنا هذا أساساً. ومن جهة ثانية موارد أقل. ثم أقل فأقل فأقل.
كمن يتعلّم قيادة طائرة وهي ممتلئة بالركاب استلم سعد الحريري قمرة القيادة. احتاج إلى وقت لفك عقدة لسانه، ولزمه وقت أطول لنيل الاحتراف السياسي على الطريقة اللبنانية. ظهر بالمحصّلة أنه أقدر على الاستثمار في المؤثرات الدرامية والعاطفية منه إلى إمتلاك النظرة الثاقبة التي يحتاجها القيادي لانتقاء طاقم مساعديه ومعاونيه.
والأكثر فداحة أنّ طلته غير المستفزة، بل الجذابة، حتى لمن هم على خصومة سياسية معه، لم تترافق مع رحابة صدر تسندها الحنكة، فيدير من خلالها تعددية الأمزجة والمناخات والمنابر داخل تياره السياسي.
«البلاطيّة» حكمت على إدراكه السياسي بأن يلازم عتبة «فلان أخلص لي، فلان غدر بي» وهو تماماً المنظار الذي اعتمد حياله، ثم بشكل أكثر وضوحاً ضده، في السعودية نفسها. وفي حين كان يسهر والده على كل المؤسسات التي يمتلكها كصاحب «منفكتورة» يلازمها من الفجر الى النجر، استسلم الحريري الابن لنزوة البلاطية تماماً، وتعامل مع مؤسساته كما لو أنها تشتغل أوتوماتيكياً، إلى أن أفلست تباعاً.
لا يستفاد من ذلك أنّه أخفق في التكتيك السياسي. بل أنه تثعلب بعض الشيء مع الوقت. لكنه تثعلب نصف تثعلب، أي من النوع الذي يبرّر لنفسه تقديم الغاية على الوسيلة عندما يروق له ذلك، ويأخذ على الغير بشكل طفولي في الوقت عينه أنهم ذئاب في مباغتته أو محاصرته.
لكن سبعة عشر عاماً من التولي السياسي تجعل لسعد الحريري قصة قائمة بذاتها، قصة حافلة. تمكّن في مطلعها، هو الآتي «فجأة» إلى السياسة، من أن يوسّع من مدى ما ورثه من زعامة لم تكن هي نفسها موروثة يوم استجمع شروطها والده القادم من البرجوازية الصغيرة.
مفارقة جمهور البرجوازية الصغيرة في مجالنا هذا أنه يتماهى مع المنبثق من طبقته، والصاعد منها إلى ما فوق البرجوازية نفسها. إلى حيث تركز الثروة والجاه والنفوذ والسلطة والعلاقات الإقليمية والدولية.

سبعة عشر عاماً من التولي السياسي تجعل لسعد الحريري قصة قائمة بذاتها، قصة حافلة. تمكّن في مطلعها، من أن يوسّع من مدى ما ورثه من زعامة لم تكن هي نفسها موروثة يوم استجمع شروطها والده القادم من البرجوازية الصغيرة

ويتخذ هذا التماهي بطبيعة الحال شكل فصام. فثراء الأوليغارشي القادم من البرجوازية الصغيرة هو موضع اعتزاز وافتخار لها كطبقة ليس لجمهورها حظ ومنفذ إلى مثل هذا الثراء إلا بوصول بضعة أنفار من بنيها إليه، واكتنازهم ما لم يكن مقدّراً لبيوتات البرجوازية المدينية «الأعيانية» (أي المتحدرة من مجتمع الأعيان في المرحلة العثمانية المتأخرة) بلوغه.
وفي المقابل، الثري القادم من الوسط الشعبي لصغار الملاك وأصحاب الحوانيت والموظفين محدودي الدخل هذا، وبالذات من الوسط الواقف على التخوم بين المديني والريفي، سينظر إليه هذا الوسط على أنه بشارة تمكين طبقي جماعي ولو في الخيال، ولو في جزء من الواقع يستعاض عنه عن باقي الأجزاء.
أما ما ميّز الأوليغارشي «السنيّ» الأول عن بقية أركان هذه الشريحة المتشكلة والصاهرة لكبار المقاولين مع كبار المصرفيين مع كبار لوردات الحرب وكبار الملاك العقاريين فهي أنه ورث زعامة سياسية ليس لها ماض وراثي، وبنت البرجوازية الصغيرة، دون أن تتشارك مع ذلك مع أركان الأوليغارشية الآخرين من أصول برجوازية صغيرة في المصعد الحربيّ نفسه.
فهؤلاء ارتفعوا من تحت ربقة البرجوازية «الستاندرت» الى منزلة أعلى منها من حيث اجتماع الثراء بالقوة، بقوة التعبئة الطائفية والميليشيا، في حين استثمرت الحريرية في صورة اللاحرب وإعادة الاعمار، وخاضت في التعبئة كهواية أكثر منها كاحتراف.
وهذا الاستثمار شكّل في آن سحر الحريرية واضطرابها المستدام. ذلك أن الحريرية سعت عبثاً الى طمس التناقضات بين مرتكزاتها.
فهي من جهة تعمل على توحيد القيادة السياسية لسنّة لبنان، وهي من جهة ثانية تعوّل على تميّز السنّة بأنهم أقل تطيّفاً من سواهم وأكثر اعتدالاً، وهي من جهة ثالثة تزيّن لنفسها أنها مشروع قيادة عابرة للطوائف، وتستهجن كيف يراد حصرها في التمثيل السني، وتجتهد كي يكون لها في التمثيل المسيحي باع، الأمر الذي يتعامل معه عموم المسيحيين كانتقاص من تمثيلهم، ولم يطمأن المسيحيون كثيراً لوعد الحريرية بأنها «أوقفت العد» بمعنى النظر الى التفاوت الديموغرافي. هذا في بلد تراجعت فيه نسبة المسيحيين جيلا بعد جيل، لكنهم حافظوا فيه على امتياز تعطيه لهم الجغرافيا السكانية، بمتصل ترابي يتركز فيه معظمهم في المركز من لبنان، وفي مقابل طوائف إسلامية أكثر عدداً، لكنها متناثرة جغرافياً. أكثرها تناثراً، وافتقاداً الى الوصلة الترابية بين بنيها، هي الطائفة السنية.
واليوم «قوة» الحريري لا تزال، رغم كل ضعف واخفاق لديه، في أن الظواهر السياسية الأخرى على الساحة السنية أضعف منه إن هو استمرّ، وأضعف بعد أكثر إن هو «تنحى».
وهي بالاجمال ظواهر محصورة بمناطقها، بالنسبة إلى طائفة موزعة على المناطق أكثر من سواها. وكلما كان عند أي ظاهرة سنية ثانوية، متشكلة على يمين الحريري أو على يساره، نهمٌ بائن لاقتطاع ما يسعها اقتطاعه جراء أفول الحريرية، كلما ارتد هذا الأمر سلبا عليها. لو يشارك الحريري بالانتخابات فإن حجم كتلته سيتراجع بشكل واضح، لكن الأكثرية على الساحة السنية لن تؤول لأي ظاهرة أخرى. أما إذا عزف عن المشاركة او علّق حياته السياسية فإن الظواهر التي ستشارك بالانتخابات على الساحة السنية ستجد نفسها تبرر مشاركتها هذه كما لو كانت ترتكب إثماً.
ميزة الحريري الابن لبنانياً، أنه عن حق أو عن زغل، نجح في الظهور بمظهر الحمل بين الذئاب، حمل الأوليغارشية بين ذئاب الأوليغارشية. لكنها ميزة غير كافية ليستمر. بالعكس تماما. هي الميزة التي دفعت راعيه السعودي لمجافاته بشكل متصاعد منذ وفاة الملك فهد وطول مدة الملك عبد الله ثم بشكل لا التباس فيه مع الملك سلمان وولي عهده. معظم حياة الحريري الابن كظاهرة محمولة على السياسة، بتركة شهادة والده، أي بالمارتيرولوجيا، قضاها وهو يكابد هذه المجافاة من راعيه الإقليمي، في مقابل التكامل الأقصى بين مارتيرولوجيا حزب الله ونظام المارتيرولوجيا بامتياز في إيران.

كاتب لبناني