الرئيسية / أضواء على / شبهات الاستشراق: عن عجز المسلمين عن تأسيس الدول

شبهات الاستشراق: عن عجز المسلمين عن تأسيس الدول

 مدى الفاتح
كاتب سوداني
القدس العربي
18092019

تعود هذه الفرضية التي لا تعني أن المسلمين عاجزون عن إقامة دولة في المطلق، بقدر ما تعني عجزهم عن إقامة دول ذات حكم رشيد (على الطريقة الأوروبية) لبواكير الانفتاح الاستشراقي على العالم الإسلامي. وصلت هذه الفرضية قمة ازدهارها إبان ضعف الدولة العثمانية في أواخر عهدها، وهو الأمر الذي ترافق مع ازدهار الحداثة الأوروبية، لدرجة أن العثمانيين أنفسهم كانوا يشعرون، على مستوى نخبهم وقياداتهم، بالدونية والفشل مقابل الآخر الأوروبي، الذي تحول من عدو تاريخي إلى أستاذ يجب تتبع منهجه.
بنهاية القرن التاسع عشر كان عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر (1864-1920) يؤسس لنظرياته حول تعريف الدولة، ويضع اشتراطات للدولة الحديثة من بينها، أن تكون عقلانية، لكنه لم يكتف بذلك، بل مضى لما هو أبعد، وهو أن الدولة بشكلها العقلاني لا تنبع إلا من الميراث الأوروبي: «العقلنة توجد بمقاييس متفاوتة في قطاعات مختلفة في كثير من الأنظمة السياسية التاريخية: عند اليونان والرومان، في العهد الوسيط الأوروبي، بل حتى في الإمبراطوريات الشرقية، لكنها كعملية شاملة وعميقة لم تتبلور إلا في الغرب الحديث. بعد النهضة الأوروبية والإصلاح الديني والثورة الفرنسية والثورة الصناعية، أصبحت العقلانية قيمة في ذاتها ولذاتها، تدفع في الاتجاه نفسه، الاقتصاد والأخلاق والفن، لندرس موسيقى الغرب ولنقارنها بموسيقى الشرق، نرى أنها مبنية على التناسب العددي، أي على العقل، والأمر أوضح في الهندسة المعمارية والرسم».
ماكس فيبر سيبتكر مصطلح «البيروقراطية» التي سيجعل منها اشتراطاً آخر للدولة الحديثة التي يجب أن تتميز بالمؤسسية والديوانية. «العقلانية» التي هي شرط مهم من شروط الدولة، بحسب وجهة نظر فيبر، أمر ذو جذور أوروبية تعود لعصر النهضة والإصلاح الديني، وغيرها من مميزات التاريخ الأوروبي، أي أن المفهوم هو بطريقة أو بأخرى حكر على العالم الغربي. في حقيقة الأمر فإن ماكس فيبر لم يكن يفاضل بين الحضارتين الغربية والإسلامية، بقدر ما كان يعطي الأولوية للحضارة الأوروبية على غيرها من الحضارات، وكان يعتبر أن لهذه الحضارة الفضل على جميع ما تلاها من أفكار، حيث ساهمت البروتستانتية الأوروبية، بحسب زعمه، في ولادة الرأسمالية، التي نظر إليها بإيجابية مقابل النظام السلطاني الإسلامي الذي يسيطر عليه حكام جشعون وطغاة.
هكذا فإن فيبر في مقابلاته بين الحداثة والتقاليد والحرية والعبودية والقانون والتعسف لم يخرج من ذلك الإطار الاستشراقي، الذي يختزل الشرق في الاستبداد. كان ذلك الإطار قد تأسس على يد عدد من المفكرين والمثقفين الأوروبيين البارزين، الذين كان من بينهم على سبيل المثال الفرنسي إيرنست رينان (1823-1892)، الكاتب الذي كان يحظى باحترام كبير في عصره، والذي تنوعت اهتماماته بين التاريخ والأديان والأنثروبولوجيا. بحسب زكاري لوكمان، فإن رينان، مع عبقريته وشهرته «لم يتلق تدريباً على الاستشراق أو يعتبر مستشرقاً»، لكن هذا لم يمنعه من التنظير حول العالم الإسلامي عبر بعض الإطلالات التي كان من بينها محاضرة شهيرة في السوربون عام 1883 تحت عنوان: «الإسلام والعلم» التي تحدث فيها بإسهاب عن «التدني الواقعي للبلدان المحمدية، وانحطاط الدول التي يحكمها الإسلام، والخواء الفكري للأعراق التي تحصل على ثقافتها وتعليمها من هذا الدين وحده»، حتى قوله: «كل من زاروا الشرق أو افريقيا صدمتهم الدوائر الحديدية التي تحيط برأس المؤمن الحقيقي وتحد من عقله بشكل قاتل». ردد رينان في تلك المحاضرة كل الاتهامات المتداولة عن الإسلام والمسلمين، وهي الاتهامات ذاتها التي سيتناقلها عنه تلاميذه، باعتبارها صادرة عن عالم لا يشق له غبار. كان ذلك هو عصر «الإشاعات العلمية» وحملات التشويه الممنهجة، أما فرنسا فكانت تمثل رمز التنوير، كما كان كثيرون يعتبرون أن الجيش النابليوني علامة فارقة في التاريخ العالمي، لنقله الدولة التقليدية التي تعتمد على المرتزقة إلى دولة حديثة ذات جيش ذي هوية موحدة. هذه المسلّمة كانت تتجاهل الجيش العثماني بانضباطه الباهر، ووحدته التي سبقت الثورة الفرنسية بقرون.
تعمد الاقتصار في التمثيل على اللحظة الحالية التي تراجع فيها العرب والمسلمون كان بلا شك مغرضاً، وهو أمر يشترك فيه رينان مع فيبر وغيرهما، أما حديث فيبر العنصري الذي يقابل فيه بعنصرية بين أوروبا والعالم، بحجة العقلانية فهو مردود، لأن العقلانية إن كان يقصد بها استخدام العقل في تنظيم الدولة وإنشاء الدواوين، فهي خاصية لازمت كل الحضارات المدنية ومنذ العصور القديمة، ومن التبسيط الحديث في القرن الحادي والعشرين عن تميز العقل الأوروبي، الذي أنتج ما لم يستطع غيره إنجازه على صعيد الدولة الحديثة، وعلى صعيد الموسيقى المميزة، والرسم والمعمار، بتجاهل لكل ما تم اكتشافه من منتوجات بشرية في تلك المجالات.

فرضية أن المسلمين عاجزون عن إقامة دولة في المطلق ذات حكم رشيد، لبواكير الانفتاح الاستشراقي على العالم الإسلامي

عبد الله العروي الذي أورد حديث فيبر عن العقلانية في كتابه «مفهوم الدولة» يشرح وجهة نظر ذلك المنظّر بقوله: «يعتبر فيبر أن الدولة أينما وجدت تحمل قدراً من العقلانية، لكنه يلح على أن الدولة الأوروبية الحديثة وحدها تجعل من العقلانية قيمتها الأساس، وبما أنها كانت المثال بالنسبة لسائر الكيانات السياسية الأخرى، فيمكن أن نعرفها وأن نعرف معها الدولة الحديثة بأنها العقلانية التامة الشاملة». بالنسبة لمستشرق آخر وأكثر معاصرة وهو هاملتون جيب (1895-1971) مؤسس مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة هارفارد، فإن مشكلة الإسلام الحقيقية تكمن، حسب شرح زكاري لوكمان، «في أنه انعطف انعطافة خاطئة بشكل كارثي قبل ألف عام، حين قادت السمات الفطرية للعقل السامي أو العربي، المسلمين اللاهوتيين العرب إلى رفض الفكر العقلاني الإغريقي، وبالتالي ما زال المسلمون مشبعين بميل مضاد للعقلانية بشكل جوهري، يجعلهم غير قادرين على التوافق مع الحداثة. لاحقاً سوف ينتبه رينان لوجود مشكلة في تفسيراته لعجز الإسلام عن إنشاء حضارة، وهي المتمثلة في نجاح المسلمين بالفعل في خلق مجتمعات حضارية متقدمة في فترات طويلة عبر التاريخ، من الدولة الإسلامية الأولى، وحتى أفول دولة الأندلس التي كانت شعلة للعلم والتقدم في أوروبا. لتفسير هذا الأمر سوف يلجأ رينان لحيلة عنصرية مفادها، أن الإسلام ولما كان مرتبطاً بالعرب وبالبداوة كان فاشلاً، لكنه وبعد انضمام أجناس أرقى إليه كالفرس والمسيحيين الذين احتفظوا، حسب رؤيته، بالمعرفة اليونانية القديمة تحت القشرة الإسلامية، أصبح مختلفاً.
يذهب رينان إلى ما هو أبعد من ذلك، حين يعتبر أن «الخلفاء الذين أضفوا رعايتهم على هذا الازدهار الثقافي والعقلي يصعب أن نسميهم مسلمين، وأنه رغم أن هذه الحضارة استعملت اللغة العربية، فإنها لم تكن حقاً عربية، وإنما كانت أساساً إغريقية وفارسية.. أي آرية»، أي أن أيرنست رينان كان يجمع إضافة للتعصب الديني، تعصباً عنصرياً وعرقياً، وهو ما تجلى في التقسيم الذي كان يضعه للأعراق، فالعرب متخلفون بطبعهم وبدو، والفرس أهل حضارة، أما الأتراك الذين سيطروا في مرحلة ما على الأراضي الإسلامية فهم فقراء فكرياً، وهم سيصبغون هذه الأراضي التي سيطروا عليهم بالفقر الفكري والانحطاط العقلي. خلاصة فكرة رينان هي أن التطور الفكري والحضاري الذي أنتجه العرب والمسلمون في القرون الوسطى، لم يكن يرجع لعظمة الإسلام وحثه على نيل العلم، ولكن لوجود عناصر فاعلة من «أجناس راقية» داخل النسيج الاجتماعي الإسلامي.
كاتب سوداني

اضف رد