«شايف البحر شو كبير»

كاتب وصحافيّ لبناني، عمل في كل من صحيفة النهار ومجلتي الاسبوع العربي والصياد اللبنانية وصحيفة الأنباء الكويتية.
الشرق الأوسط
26112018

يتنافى هذا الإجماع مع جينات اللبنانيين ويتلاقى مع شخصية فيروز، التي لم تأتِ يوماً خطوة أو كلمة أو لمحة، تنبئ عن طائفتها أو حزبها أو نائبها أو حكومتها. غنَّت بالحضور الجميل نفسه؛ لمكة وللقدس ولأهداب لبنان. غمرته مثل طفل يتيم ومعذب ومقهور ومتروك، وهتفت له: «بحبك يا لبنان، يا وطني بحبك». وكان اللبنانيون الهاربون من الحرب يصغون إلى الأغنية فيعودون.
يقولون في لبنان «ما حدا أكبر من بلده». وفيروز صارت أكبر من لبنان. حضرت ذات زمن في بلاط المغرب، وفي ديوان الأردن، وعلى سواحل تونس، وفي صعيد مصر، ودائماً في «شوارع القدس العتيقة». أعجوبة من أعاجيب القدر جمعت بين ثلاثة من عباقرة الزمان: الرحبانيان؛ عاصي ومنصور، وصاحبة هذا الصوت؛ نهاد حداد، التي تُعرِّف عن نفسها بأنها ابنة «زلمي درويش يعمل جامع أحرف في مطبعة (جاندارك). وكان بيتنا من غرفة واحدة، حمّامه مشترك مع الجيران. وعندما جاء عاصي يطلب يدي من أبي طبخت له بطاطا وسلاطة».
غنت فيروز لفرح لبنان وقلبها داخل العائلة يتقطر دماً وحزناً… «نحن عائلة من المأساة اليونانية» قالت ذات يوم. ابن يصاب بالشلل وابنة تموت. وذات يوم يسأل عاصي طفلته المريضة: قديه بتحبيني؟ فتقول: «شايف البحر شو كبير؛ قد البحر بحبك». ويقوم الأب إلى عوده ويكتب ويلحن لفيروز أجمل أغانيها: «شايف البحر شو كبير، كبر البحر بحبك – شايف السما شو بعيدة، بُعد السما بحبك».
أم إنها ليست أجمل أغانيها؟ أم إن أجملها «أنا لحبيبي وحبيبي إلي»، أم «غمضت عيوني خوفي للناس يشوفوك مخبى بعيوني»، أم «يا جبل اللي بعيد – خلفك حبايبنا» أم «وجك ما كان يفارقني وجرِّب اسبح ويغرقني»؟!
في صوت فيروز، المغني في لبنان وحيداً منذ ستة عقود، أعاد الأخوان رحباني سحر الشعر العربي، وجددا آثار سيد درويش، وجمَّدا طقاطيق القرى، وعرَّبا اللحن الغربي، وأعليا المسرح التاريخي، وأغنيا الفلكلور الشعبي، وأخجلا ذوي الخيانة والإنكار الوطني.
مهما عبرت عن حبي لفيروز فلن أعبِّر… لا هي سوف تعرف؛ ولا أنا. نحن جيل أعطت فيروز حياته ما أعطاه صوتها للشعر والموسيقى: فرح الأوان ومتعة الحنين.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*