شاهد القرن وشهيد حزيران

في مثل هذه الايام من حزيران 1982 جلس الرجل يتابع اخبار المساء، فرأى الدبابات الاسرائيلية ترعى في خراج الوطن، فقام الى الخزانة، وأخذ منها حبيبته الأخرى، بندقية الصيد، وخرج بها الى الشرفة، واطلق نارها في فمه.

هرع الناس فوجدوا جثمان خليل حاوي على الطريق. شاعر حزيران كان أرقى وأرق من أن يحتمل خفة الحياة. فعل ما فعله ارنست همنغواي من قبل. وستيفان زفايغ انتحر هو أيضاً عندما رأى الظلم البشري يمعس الافكار النبيلة بالجنازير. نزل حاوي الى “نهر الرماد” للمرة الأخيرة.

هذه اليوم، ذكرى شهادته وسنة مئويته. كانت شهامة القرن في عصره من الحكايات، فرفعها الى مصاف الاسطورة: معلم عمار في الشوير ينحت في صخور الكتب حتى يتخرج من كايمبريدج، ثم يعود استاذاً في الجامعة الاميركية. كيف يهون على مروض الصخور والعلوم هذا، أن تكون ارضه محتلة؟

هذه ليست مئويته وحده. هذه مئوية جيل القرن والأرياف، الذي زحف على المدينة وجعلها عاصمة الجميع. جيل أنزل معه القمر من الجبال وجعل اسماءه تلمع في واجهة البحار، وسخَّر مواهب القرى لصقل جمال المدينة. ينزل سعيد عقل من بيادر زحلة، فيرفع شعر الرمز، وتوفيق يوسف عواد من بحرصاف، فيؤسس للرواية اللبنانية، وأمين نخلة من الباروك، فيصقل العربية كما يصقل مايكل انجلو الرخام، وصلاح لبكي من بعبدات، فيكون شيئاً مثل أحمد شوقي، والياس أبو شبكة، فيكون ولا يكون سواه.

ومثل إعصار من الشعر والموسيقى والحب وحكايات المواقد والقناديل، ينزل عاصي ومنصور، يقلبان حياة الوطن، يرشّان الفرح في الاضلاع مثل القمح في الاثلام، يعيدان تشكيل لبنان، ويحلقان فوق الحدود، معهما ساحرة ذلك القرن المبهرة، ومغنية أحزانه.

كان شيئاً لا يصدق، القرن العشرون، وكان امتداداً فائق اللياقة للقرن الذي سبقه. لأولئك الذين مروا في بيروت من مينائها ويمموا الى المجهول الأبعد. جبران (خليل)، ونعيمة، وجرجي زيدان، والريحاني، وعازف الشعر ايليا أبي ماضي. ومَن أيضاً… ومَن أيضاً.

جاءوا الى المدينة فقراء وفلاحين وجبابرة ونفوساً عالية. ميشال عاصي كان يأتي الى بيروت كسائق سرفيس من زحلة. وذات يوم قال له سعيد عقل، الراكب المفضل الى جانبه: “يا صبي، بعدك وَلِد. ليس ابتدرسش”. راح ميشال عاصي يدرس، ثم يدرس إلى أن اصبح رئيساً للجامعة اللبنانية. جامعة البسطاء أمثاله، التي تباهت أيام فؤاد افرام البستاني، بأنها ضرّة الاميركية واليسوعية واغنيائهما.

من القرى والارياف سوف يأتون. ويشكلون “الجسر” الذي حلم به حاوي. الجسر الذي يرتفع فوق الاواسن والمستنقعات وأنفس الوطاءة. من القرى والارياف. من بطرام جاء شارل مالك، ومن جزين جاء انطوان غطاس كرم، ومن رأس المتن جاء أنيس فريحة. وصارت بيوتهم في رأس القلعة وبرج الجامعة الاميركية. وفي غضون ذلك كان توفيق سكر يعلي شيئاً اسمه الكونسرفاتوار الوطني.

ADVERTISING

inRead invented by Teads

وكان شوقي أبي شقرا يحمل حداثة الشعر وماء الى حصان العائلة. وكان جوزف نجيم يحول المرأة الى جسد لكي يحول الرجل الى سجود.

تغير معهم لون المدينة، أو تعدد. تخيل مدينة بألوان سعيد تقي الدين. ولهجته وقافه. كان أسعد السبعلي يأتي بالبوسطة الى بيروت. وروى لجيزيل خوري في “حوار العمر” أنه عاد ذات يوم إلى سبعل ومعه عروسه. بالبوسطة كذلك. أكثرهم جاء من الضيعة بالبوسطة. فالضيعة لم تكن تملك أكثر من مواسمها. ومواسمها شحيحة وصخرها خشن، وليس كل المعلمين خليل حاوي. وليس جميع الشعراء ينتحرون، إذا شاهدوا دبابة الاحتلال في فناء الدار.

خليل حاوي كان شيئاً مثل بابلو نيرودا: الشعر الملهم والإنسان العذب. وكاره السرد والتقليد ورصف القوافي. القوافي ليست حجراً لكي ترصف. لكن العربية لم تعطه الغنائية التي اعطتها الاسبانية لبابلو، أو النساء. لقد احتشد بابلو بالنساء منذ ان ذهب في بداية حياته ملحقاً الى سري لانكا. حاوي، نعرف انه خطب مرة القاصة العراقية ديزي الأمير، ولم يتزوجا. وفي مقابلاتها الصحافية (وكانت كثيرة) لم تعط الأمير تلك العلاقة اهمية كبرى. ولا حتى انتحاره. وهذا في العادة حال القصص المنتهية بالانفصال أو الطلاق. كان خليل قد انتحر من خفة الحياة ومن كثافة روحه، فلم يتسنَّ له الرد والتصويب. بنى البيوت في الشوير وفي سوريا، ثم بنى نفسه في كايمبريدج، حيث علقت صورته الى جانب تي. اس. اليوت، صاحب “اربعاء الرماد”، ثم حطم هيكله بنفسه. قل لنا يا خليل، هل من توارد أفكار بين “نهر الرماد” و”أربعاء الرماد”؟ وهل هذا الرماد جعلك تقول “أرى فحمة سوداء، من المحيط الى الخليج”؟ خفة الحياة، وثقل الخيبة. بدأ حالماً بالوحدة السورية مثل اهل الشوير وجيران سعادة، ثم أصبح حالماً بالوحدة العربية، ثم أصغى الى نشرة المساء فسمع جنازير ارييل شارون ترعى في المدينة، والياس سركيس يتوسل فيليب حبيب ألاَّ يدعه يقتحم قصر بعبدا. لأنه إذا فعل، سوف ينتحر. مثل خليل حاوي.

كان ذلك جيل الأرياف والشهامة التي تعلمت النقاء من الحور والصخور. ومن ضوء القمر تعلمت الابداع. ومن الشتاء تعلمت الصلابة والوان قوس الصحو. لوناً لوناً. تلك هي النفوس العبقرية العاملة في حرث الاعماق وكدح الريادات. لم يقبل بولس سلامة المُقعد إلا أن يتحدى الشعر الملحمي، يحلم بأبطاله وهو على سرير “صرت منه، فلم يعد خشبياً”. من عين القبو، التي ليست أكبر من اسمها، يأتي نصري ورشدي المعلوف ليؤسسا نهضة الصحافة اللبنانية في خان انطون بك. وعلى بعد قليل يشرع كامل مروة، القادم من الزرارية، في إرساء الصحافة كصناعة ورؤية وآفاق أبعد من زمن الحرفة وصفو الخاطر.

ومن رأس المتن نزل سعيد فريحة بطريق الدورة، ثم حماه ونواعيرها، ثم بيروت. جاء جائعاً وعبقرياً مثل نهر العاصي. يصب حيث يشاء. ثم ذات يوم، يتجه من حي الصحافة في المعرض ليبني في الحازمية، الموحشة يومها، داراً من ست طبقات، لها مطابعها ومحرروها ورساموها، ولها “جعبته” التي تسحر الناس كل خميس.

كانت دار الصياد قرب مستشفى العصفورية للأمراض العقلية ومتعبي الروح. وكلما تأخر العمال أو المحررون على صاحب الدار كتب، بظرفه، أن المتاعب سوف تحمله الى الجوار. ثم ينتبه، برقيه واحاسيسه، أن في كلامه جهلاً وفظاظة واعتداء على أصحاب المآسي وأهاليهم واصدقائهم واطبائهم، فيروح يعتذر. ثم يعتذر، ثم لا يغفر لنفسه السقطة المائعة التي تصيب النفس باللعيان، فيقول مستسلماً: أعرف أنه ذنب لا غفران له. الجهل لا عذر له.

لو عاش أهل الشهامة والأحاسيس لانتحروا لذل أفحش من ذل الاحتلال، ورأوا مؤسسة مثل “سيزوبيل” مُكرهة على غلق الابواب في وجه اطفالها، والشيء الوحيد الأغلى من الأرض.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*