الرئيسية / home slide / شاهدة على العصر الذهبي للدراما اللبنانية | «زيارة» إلى جيزيل نصر: «ربة» الصوت والصورة

شاهدة على العصر الذهبي للدراما اللبنانية | «زيارة» إلى جيزيل نصر: «ربة» الصوت والصورة

الذاكرة الشعبية تحفظ جيزيل بدور والدة «كوكو» في مسلسل «المعلمة والأستاذ»

من بين طوفان المسلسلات العربية القصيرة على المنصات، برز أخيراً مسلسل «الزيارة» (شاهد) عن قصة أسرة لبنانية عانت أثناء الحرب الأهلية اللبنانية من لعنة سحر أسود وتلبّس الجان عدداً من أفرادها. بغض النظر عن قيمته وسويّته الفنية، فإنّ المسلسل الذي أثار جدلاً واسعاً لتكريسه الخرافة عبر ذكره في المقدمة بأنه مستوحى من أحداث حقيقية، حمل لنا نفحات من الزمن الجميل. ضمن مجريات الحلقة الأولى، فوجئنا بصوت جيزيل نصر (1939) يصدح بـ «محاسيبك إحنا محاسيبك». تلك الأغنية التي كتبها شفيق المغربي ولحنها ملحم بركات وأصبحت على كل شفة ولسان في ثمانينيّات القرن الماضي.

مرّت الدهشة الأولى مع حرفيّة اختيار الأغنية وتوظيفها بشكل متناسب مع السياق الدرامي العام للمسلسل «ما حسيبك لو روحي سابتني»، لتكتمل المفاجأة في الحلقة الأخيرة مع إطلالة الفنانة اللبنانية القديرة جيزيل نصر بعد غياب حوالى عشرين عاماً عن الشاشة.
ورغم أنّ ظهور جيزيل لم يكن تمثيلياً، بل توثيقياً ضمن شهادتها على معاصرة عذابات تلك العائلة ومواكبتها أحداث القصة الحقيقية، إلّا أنّها بمشاهد قليلة خطفت الأنظار من نجوم كبار في العمل وأعادت فتح أبواب الذكريات على فنانة عاشت العصر الذهبي للتلفزيون في لبنان، وكانت أحد نجومه الأوائل أكان في الدراما أو الكوميديا أو الإعلانات التي كانت إحدى نجماتها.
بدأت جيزيل نصر خطواتها الفنية الأولى كمذيعة إعلانات التي كانت تقدّم حينها مباشرة على الهواء من دون تسجيلها. ثم سجّلت مسلسلات إذاعية لصالح «بي. بي. سي»، فقدمت أعمالاً باللغة العربية الفصحى مع كبار النجوم العرب مثل سميحة أيوب في مسلسل «الشيء». كما مثّلت مع تحية كاريوكا، وحسن فايق، وعادل خيري وغيرهم رغم أنّها كانت فرنكوفونية الثقافة.



جيزيل نصر في مسلسل «الزيارة»

خطوة جديدة انتقلت إليها جيزيل مع «استديو بعلبك» ودخولها عالم المسلسلات التلفزيونية التي أعطتها جماهيرية واسعة مع: «فارس ونجود» و«نساء عربيات» و«كان يا ما كان» للمخرج ايلي سعادة، و«سر الغريب» لأنطوان ريمي مع محمود سعيد ورشيد علامة، و«ليلى والبراق» مع عبد المجيد مجذوب، و«أسير المحراب» لنقولا أبو سمح مع جهاد الاطرش ووفاء طربيه، و«حنين في الليل» لإيلي الخوري مع ليلى كرم وألفيرا يونس، و«رصيف الباريزيانا» و«من أجل غدي» لجورج غياض، بالإضافة إلى مسلسلات: «حكايتي» و«اليد الجريحة»، و«القناع الأبيض»، و«البخلاء» وغيرها من الأعمال. غير أنّ الذاكرة الشعبية اللبنانية أكثر ما تحفظ لجيزيل هو مسلسل «المعلمة والأستاذ» لأنطوان ريمي بدور والدة «كوكو». صوتها كان «المنجم» الذي فتح لها أبواب الفن على مصراعيه. بعد الإذاعة وتميّزها فيها، انطلقت جيزيل في عالم الغناء ونالت أعمالها شهرة فاقت أغنيات كبار النجوم في ثمانينيات القرن الماضي مثل «محاسيبك احنا محاسيبك» و«شفلك حاجة تانية» و«يا ماما يا ماما» للملحن الراحل جورج يزبك (كلمات زين شعيب) و«يا قلبي تدلّل وتغنج» (ألجان فيلمون وهبي) و«غيروا الأسامي» (ألحان ايلي شويري) وغيرها من الأغنيات التي جعلت من جيزيل نجمة شاملة.
كانت جيزيل «ربة التمثيل بالصوت». بعيداً عن الغناء، حفرت اسمها وصوتها عميقاً في ذاكرة الشعوب العربية بعدد كبير من مسلسلات الرسوم المتحركة. من منّا ينسى صوت نحول «في زينة ونحول» وبراعتها في تقمّص «العبط والبله» في شخصية نحول؟ ومن لم تفتنه ياسمينة بصوتها في «سندباد» أو لم يسحره صوت «ريكي الصغير» في «ساندي بل» أو لم يحمله صوت والدة جيم في «جزيرة الكنز» إلى خيالات برعنا كصغار في رسمها في مخيلاتنا؟
لطالما عشقت جيزيل الأطفال واعتبرتهم جنّتها ووهبتهم صوتها. كانت البداية مع عالمهم في برنامج «صديقي الصغير» على الإذاعة اللبنانية بشخصية الطفل «نبيل» حيث أدّت أغنيات بصوت طفولي لفت المخرج نقولا أبو سمح. وبناء على رغبته، ستؤدي دور نحّول في «مغامرات زينة ونحول» الذي تم تسجيله بين عامَي 1979 و1980 ليصبح إحدى أيقونات عالم التحريك في ذاكرتنا اللبنانية والعربية.

مع «استديو بعلبك»، دخلت عالم المسلسلات التلفزيونية التي أعطتها جماهيرية واسعة


مع دخول الدراما اللبنانية مرحلة القحط في تسعينيات القرن الماضي، اعتمدت جيزيل بشكل شبه كلي في تأمين معيشتها على الأعمال المكسيكية المدبلجة التي غزت محطاتنا في تلك الفترة، فكان مسلسل «ماريا مرسيدس» الذي أدّت فيه دور ملفينا وأصبح حديث الساعة. لم تقتصر أعمال جيزيل على الإذاعة والتلفزيون والدوبلاج ، بل عملت في المسرح مع العملاق الراحل حسن علاء الدين/ شوشو في مسرحية «شوشو بيك في صوفر» كما مع الراحل الكبير نبيه أبو الحسن في مسرحيات عدة. لعبت أدواراً سينمائية أيضاً في «غرام في استانبول» و«معبد الحب» للمخرج عاطف سالم. لم تكن جيزيل «ملكة جمال الصوت» فقط كما أطلق عليها الممثل الراحل ايلي ضاهر، بل كانت ملكة الصورة أيضاً. بقوامها الممشوق وإطلالتها الساحرة، تربّعت على عرش الجمال بتتويجها عام 1960 بلقب ملكة جمال لبنان الذي مثّلته في انتخابات ملكة جمال العالم بموقف وطني واضح حين رفضت بشكل مطلق أن تتواجد أو تسكن في الطابق الذي تشغله ملكة جمال الكيان الإسرائيلي مع تشديدها على المنظّمين بانسحابها في حال مصادفتها إياها.
قد يحار المرء في وصف جيزيل بالممثلة أو المذيعة أو المطربة أو الفنانة الاستعراضية، إلّا أنّها تشدّد دائماً على أنّ أحب الألقاب إلى قلبها حين يناديها المرء باسم «أم طارق» وحيدها المنتج المنفذ لمسلسل «الزيارة» الذي أعاد لنا جيزيل إلى الضوء.