شاندريكا السِّريلانكية…

سهيل كيوان
القدس العربي
25042019

كان هذا قبل بضع سنوات، في العام الأخير من حياة والدتي، تعاونت الأسرة وقرّرنا إحضار فتاة أجنبية من شركة للقوى العاملة تساعدها وتساعدنا.
الأولى امرأة فلبينية كانت تقضي النهار في الحديث مع أحد ما على جهاز اللابتوب، كانت منعزلة عنا تماماً، ولا تطيق أن نتحدث معها، وعندما أدخل إلى الطابق المخصص لوالدتي تتضايق كأنني في زيارة رسمية يجب أن أنهيها بسرعة، وعندما أخرج تطرق الباب من ورائي بقوة، فتشعرني بأنه غير مرغوب في قدومي، أو كأنني أشكّل خطراً عليها.
لم تُبد أيَّ نوع من التعاون أو الألفة، وبدت كأنها لا تريد العمل، أو أنها تبحث عن عمل في قصر لدى أسرة غنية، وبعد شهرين تركتنا ورحلت.
أحضرنا مكانها فتاة أخرى، وهذه سريلانكية، حينئذ بدأت أميّز بين الملامح الفلبينية والسِّريلانكية، وعرفت أن تكاليف ومتطلبات السّريلانكيات أقل من الفلبينيات.
كان اسمها شاندريكا، اختصرناه إلى شاندرا، فتاة ممتلئة شديدة السُّمرة، عملت بجدٍّ وإخلاص، وكان صوتها مجروحاً بحزن عميق، وتحسن بضع كلمات عربية تلفظها ونفهمها بصعوبة.
منذ اللحظة الأولى عاملناها كفرد من أبناء الأسرة، تشاركنا الطعام والسهر، حتى في الجولات القصيرة خارج البيت، وخصوصاً إلى عكا القريبة منا.
حرصتُ على أن تحصل على حقوقها كاملة؛ مثل إضافة إلى أجرتها إذا ما عملت في أيام عطلتها، السبت والأحد والأعياد، ونشأت بيننا ثقة كبيرة، وصارت تحكي عن حياتها الشخصية وتجاربها في العمل وأنواع الناس الذين عَرَفتهم.
شاندرا من بلدة قريبة من لامبور ترسل راتبها إلى البنك، حيث أوكلت شقيقها باستلامه بعد حسم جزء منه لقرض كبير نسبياً أخذته من البنك لصالح المقاول الذي رتّكان هذا قبل بضع سنوات، في العام الأخير من حياة والدتي، تعاونت الأسرة وقرّرنا إحضار فتاة أجنبية من شركة للقوى العاملة تساعدها وتساعدنا.
الأولى امرأة أجنبية كانت تقضي النهار في الحديث مع أحد ما على جهاز اللابتوب، كانت منعزلة عنا تماماً، ولا تطيق أن نتحدث معها، وعندما أدخل إلى الطابق المخصص لوالدتي تتضايق كأنني في زيارة رسمية يجب أن أنهيها بسرعة، وعندما أخرج تطرق الباب من ورائي بقوة، فتشعرني بأنه غير مرغوب في قدومي، أو كأنني أشكّل خطراً عليها.
لم تُبد أيَّ نوع من التعاون أو الألفة، وبدت كأنها لا تريد العمل، أو أنها تبحث عن عمل في قصر لدى أسرة غنية، وبعد شهرين تركتنا ورحلت.
أحضرنا مكانها فتاة أخرى، وهذه سريلانكية، وعرفت أن تكاليف ومتطلبات السّريلانكيات أقل من غيرهن.
كان اسمها شاندريكا، اختصرناه إلى شاندرا، فتاة ممتلئة شديدة السُّمرة، عملت بجدٍّ وإخلاص، وكان صوتها مجروحاً بحزن عميق، وتحسن بضع كلمات عربية تلفظها ونفهمها بصعوبة.
منذ اللحظة الأولى عاملناها كفرد من أبناء الأسرة، تشاركنا الطعام والسهر، حتى في الجولات القصيرة خارج البيت، وخصوصاً إلى عكا القريبة منا.
حرصتُ على أن تحصل على حقوقها كاملة؛ مثل إضافة إلى أجرتها إذا ما عملت في أيام عطلتها، السبت والأحد والأعياد، ونشأت بيننا ثقة كبيرة، وصارت تحكي عن حياتها الشخصية وتجاربها في العمل وأنواع الناس الذين عَرَفتهم.
شاندرا من بلدة قريبة من لامبور ترسل راتبها إلى البنك، حيث أوكلت شقيقها باستلامه بعد حسم جزء منه لقرض كبير نسبياً أخذته من البنك لصالح المقاول الذي رتّب لها العمل.
كانت قد اتفقت مع شقيقها على أن يبدأ في بناء بيت للأسرة، لكن سرعان ما اتضح أنه يصرف ما يصله من مال على عشيقته، وهي سيّدة مُطلّقة، ورغم ذلك لم تتوان عن إرسال راتبها كاملاً، وكنت أرافقها إلى البريد وأدفع عنها العمولة كي لا ينقص من مالها شيء.
كنت أنا وزوجتي نوصلها إلى الناصرة عندما تطلب ذلك لقضاء عطلة نهاية الأسبوع، كانت تقضي بعض السبوت مع زميلات لها من بلدها، يتّفقن على لقاء حول وجبة غداء احتفالية في سكن مشترك يقمن فيه كمحطة انتقالية بين مكان عمل وآخر، كذلك للذهاب إلى الكنيسة في يوم الأحد، ثم نعيدها إلى بيتنا.
اشتعلت منافسة بين شقيقاتي السّت على من تُفرح شاندرا وتبعث السرور في قلبها، وذلك من خلال المعاملة الطيبة والهدايا، فقد خدمت والدتنا العاجزة بإخلاص، وهي تخاطبها بكلمة ماما، بينما خاطبتني بكلمة بابا، وصارت أخواتي ينادينني مثلها..بابا سهيل.

في الطريق إلى الناصرة كانت دمعتها تنحدر بين حين وآخر، وتفهّمتها جيّداً، فهي لا تعرف الأسرة التالية التي ستعمل في كنفها، وكيف ستكون معاملتها، ويبدو أن لها تجارب بعضها ليس جميلاً، وواصلنا تتبّع أخبارها.

صارت شاندرا واحدة من الأسرة، وفي شهر الصيام كانت تخجل من مشاركتنا الفطور، لأن صيام رمضــــان غــــير مكــــتوب عليها، ولكن كنت ألحّ عليها بأن تفطر وتقضي السهرة معنا.
لكل شيء جميل نهاية، حتى الأمهات، رحلت والدتي، وبكت شاندرا كثيراً وبصدق، وبعد أيام العزاء بدأت في حزم حقائبها، ورحنا نرجوها أن تبقى بيننا بضعة أيام أخَر، فالجميع يشعر أنها من رائحة الوالدة، ولكن كان لا بد من رحيلها.
في الطريق إلى الناصرة كانت دمعتها تنحدر بين حين وآخر، وتفهّمتها جيّداً، فهي لا تعرف الأسرة التالية التي ستعمل في كنفها، وكيف ستكون معاملتها، ويبدو أن لها تجارب بعضها ليس جميلاً، وواصلنا تتبّع أخبارها.
بعد أيام أخبرتنا عن البدء في العمل في إحدى بلدات منطقة الناصرة، فعبّرت عن ارتياحي، وذلك أن اسم الأسرة الذي ذكرته معروف لي، ثم إنه في إمكانها الذهاب إلى الكنيسة في تلك البلدة التي تعيش فيها مختلف الطوائف، وهذا يريحها.
لم يمض شهر حتى اتصلتْ بزوجتي وحدّثتها بأنها تمر في وضع صعب جدّاً، ولكنها لا تستطيع ترك العمل دون موافقة المقاول الذي يماطل ويحثّها على التحمّل.
بعد أسبوع آخر، قالت وهي تبكي إنها لم تعد قادرة، ففي بيت الأسرة رجل كحولي وعصبي جداً وهو أقرب إلى الجنون، يرفع يده عليها ويضربها، وتريد مساعدة للخروج من جحيم باتت تعيش فيه.
اتفقنا معها، فانتظرتنا في مكان قريب من البيت مع حقيبتها، نقلناها بسيارتي إلى بيتي، ثم اتصلتُ بشركة القوى العاملة لأخبرها، فانتفض أحدهم قائلاً إن ما أفعله غير قانوني وخطير، وهدّدني بتقديم شكوى للشرطة، وسيعمل على معاقبتها وطردها من البلاد، وفهمت أن جواز سفرها محجوز عنده.
حاولت تحريك حسِّه الإنساني، ولكنه أصرّ على تهديداته، فهدّدته بأنني سأنشر في الصحف ما تتعرض له هذه الفتاة من استغلال ومعاملة غير إنسانية، فما لبث أن تراجع، وقال إنه سيعمل على حلٍّ لقضيّتها.
بقيت شاندرا عندنا أسبوعاً، إلى أن طلبوها للعمل في مكان جديد.
بعد أيام تحدّثت معها زوجتي، فجاء صوتها مختنقاً، فالمكان الذي انتقلت إليه يقع في منطقة جبلية باردة، والمريض الذي تعتني به يرفض إغلاق النوافذ أو تشغيل المدفأة، لأن هذا يضايقه فتكاد تتجمد من البرد، ولكنها لا تستطيع الاعتراض، وقد قررت التحمّل ريثما يتحسن الطقس، وأخبرتنا أن الأسرة التي هربت من عنف أحد أفرادها ترفض دفع مستحقاتها.
كانت شاندرا نموذجاً لمعاناة إنسانية تتعرض للاستغلال، من المقاول السّريلانكي وشركة القوى العاملة الإسرائيلية ومن شقيقها العاطل الذي يستحوذ على مالها ويصرفه، ومن بعض البشر الذين لا يستحون من أكل مال فتاة قطعت آلاف الكيلومترات كي تعمل في بيوتهم.
في يوم ما أخبرتــــني زوجـــتي أن شاندرا ستعود إلى بلدها، إذ يلزمها القانون بذلك كل ثلاث سنوات، فذهبنا وودّعناها على أمل أن تعود لتبدأ من جديد، ولكن منذ ذلك الحين انقطعت أخبارها.
تذكرتها قبل أيام على خلفــــية التفجــــيرات الإرهابية في بلدها صبيحة عيد الفصح المجـــيد، رأيت وجوه السّيدات المنتحبات، فتذكّرت ملامحها ودموعها وابتسامتها الحزينة، وصدى صوتها الواهن وهي تخاطب والدتي بحزن..ماما، وتخاطبني بـ (بابا)…

كلمات مفتاحية

سهيل كيوان

التعليقات

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*