الرئيسية / أضواء على / شارل ديغول، رجل الرؤية والمواقف 1890-1970

شارل ديغول، رجل الرؤية والمواقف 1890-1970

وهيب أبو فاضل
النهار الأرشيف
26042018

نستعيد في #نهار_من_الأرشيف مقالاً وهيب أبي فاضل في “النهار” بتاريخ 30 تموز 1996، تحت عنوان “شارل ديغول، رجل الرؤية والمواقف 1890-1970”.

هل الاقدار تصنع الرجال، او الرجال تصنع الاقدار؟ سؤال كلما قرأت عن عظيم. وبداهة السؤال لا تعني سهولة الاجابة، فما دام هناك ما لا يفسر، هناك ما لا يجاب عنه. نقول احيانا ان الظروف صنعته فاغتنى، او كان وصولياً، فارتقى على اكتاف الاخرين، بل رؤوسهم، ونعرف ان الاستخبارات بمعناها الواسع تصنع بعض الحكام، فيكونون ادوات لها. والاداة مصنوعة، لكن الظروف لا تصنع الزعماء. وهناك رجال في الحياة يصنعون اقدارهم، لكن الرجال – الزعامات يرسمون اقدارهم واقدار الاخرين. شارل ديغول احد هؤلاء، فخط حياته البياني كان مرسوما في ذهنه، وقدر وطنه فرنسا كان متقاطعا مع قدره. يسترعي الانتباه كتاب  عن ديغول بالعربية، في هذه المرحلة، التي عادت فيها الديغولية الى حكم فرنسا ممثلة بالرئىس جاك شيراك، وقد يكون الفرنسيون توقفوا عن الكتابة عن ديغول او الديغولية، فهل تنفتح الان آفاق جديدة للكتابة عنهما؟ ماذا يقدم كتاب بالعربية جديدا عن ديغول؟ هذا ما سأله المؤلف وهيب ابي فاضل في المقدمة، لكن لماذا كتبه؟ قال “ليقدم لقراء العربية وللتلاميذ في لبنان، ولاسيما في صف البكالوريا بقسميها الاول والثاني، كتابا بسيطا واضحاً ودقيقاً يعرف بديغول الانسان والقائد ورجل الدولة”. وهذا الهدف كاف لنعتبر ان الكتاب جدير بالوجود، وعسى هو وآخرون يتابعون هذه المهمة التثقيفية التربوية، فيعرّفوا اجيالنا الصاعدة بأهم الشخصيات اللبنانية او العربية او العالمية الجديرة بالتقدير والاحترام لما قدمته الى بلادها او العالم من بطولات او مواقف تعلم حب الوطن واحترام الانسان. تعتقد انك تعرف كثيرا عن ديغول، لقرب شعوري او لما سمعت عنه باعجاب منذ الصغر، وحين تقرأ الكتاب، وهو مجموعة مستقاة من عدد من المصادر والمراجع، تدرك ان بعض اللحظات الحاسمة او المواقف الفاصلة او العبارات المشهودة هي التي تملي عليك متابعة القراءة لتكتشف اكثر، بل لتتعمق، فتربط ما مضى بما هو حاضر فتعتبر. ولعل فرنسا، كما رسم سياستها ديغول عادت تخط استقلاليتها الملحوظة، محاولة ان تستعيد دورها الاوروبي والعالمي، احدى القوى الكبرى في عصر حيث الولايات المتحدة تنفرد بصفة القوة العظمى. وشيراك تلميذ الديغولية يسعى الى تعزيز المنحى المستقل متجنبا المنافسة التقليدية مع كل من المانيا وبريطانيا العظمى من خلال تعزيز الاتحاد الاوروبي وتطويره لتحويل المنافسة، الى مواءمة قادرة على المنافسة. وكان ديغول اول من سعى الى فتح صفحة جديدة مع المانيا، برغم الحقد القديم الذي يعتمر قلبه، وقلب كل من الشعبين، وهما خاضا حربين عالميتين واحدهما ضد الاخر. “شارل ديغول 1890-1970” عبارة بسيطة كتبت على شاهد قبر رجل من عظماء فرنسا كشارلمان ولويس الرابع عشر ونابوليون بونابرت، وكما قال جورج بومبيدو، في رثائة “الجنرال ديغول مات. فرنسا ارملة”. بل هو من الكبار في العالم باعتراف خصومه قبل اصدقائه، وعلى اختلاف مراحل حياته المدنية او العسكرية او السياسية. والكبر يبدأ بالنفس قبل ان ينعكس على العلاقة بالاخرين، ولعل هذا المقطع من الكتاب يعبر عن ذلك: “ورث شارل تقاليد العائلة فاحتفظ بافضل العلاقات باخوته واقاربه واخته وصهره. كذلك ابنه فيليب وابنته اليزابيت وزوجها الجنرال الن دو بواسييه. وعلى محبته اقاربه لم يسخر القانون لاحد. ولم يخصص شيئا من مال الدولة لمصلحة عائلته ولم يستغل نفوذه لمصلحة احد، بل ظل اولاده واقاربه كغيرهم امام القانون حتى يوم اصبح في مركز الوجاهة وقائدا لفرنسا ورئيسا لجمهوريتها، ظل ابنه الوحيد فيليب ضابطا في البحرية، كأي ضابط فرنسي”. متى صدف ان تولى الحكم فينا، من اتصف بشيء من هذه المناقبية السياسية؟ يمكن تقسيم حياة ديغول العسكرية – السياسية ثلاث مراحل هي: – المرحلة الاولى العسكرية منذ تخرج ضابطا في مدرسة “سان سير”، وخوضه حربين عالميتين ضد المانيا، وطرحه نظريات عسكرية لم تلق قبولا من القيادات العسكرية في بلاده، ثم انتقاله الى لندن ليقود المقاومة للاحتلال النازي، وما رافق ذلك من صعوبات وضعها في وجهه تشرشل وستالين ولاسيما روزفلت الذي لم يعترف به ممثلا لفرنسا. – المرحلة الثانية عام 1944 عقب عودته الى فرنسا، وتأليفه حكومة اتحاد وطني من الاحزاب التي قاتلت لتحرير البلاد، ثم استقالته عام 1946 بعدما تألبت عليه الاحزاب، ورفضت مشروعه لتعديل الدستور وتوسيع صلاحيات رئيس الجمهورية، فاعتزل واستمر معتزلا، متفرغا للكتابة حتى عام 1958. – المرحلة الثالثة، حين استدعي عام 1958 لتأليف الحكومة، فوضع دستورا جديدا هو دستور الجمهورية الخامسة الذي ما زال معمولا به حتى اليوم، وعلى اساسه انتخب رئيسا للجمهورية عام 1959، وعدله عام 1962 بجعل انتخاب الرئيس مباشرة من الشعب. واعتبر الاستفتاء احد اهم منجزاته الدستورية. وخلال هذه الفترة حل مشكلات فرنسا في الخارج، ولاسيما قضية الجزائر، وصفى المستعمرات ومنحها استقلالها وتنقل بين عواصم اوروبا ساعيا الى توحيد القارة بعد تثبيت السلام، وكان هذا همه الاساسي. وتركزت سياسته الخارجية بخطوطها العريضة على منح المستعمرات الاستقلال والابقاء على الروابط الثقافية والاقتصادية معها، بناء على اعلان رابطة الشعوب الفرنسية (1958)، تجاوز الماضي نهائيا مع المانيا لتركيز العلاقات الالمانية – الفرنسية وتحقيق الوحدة الاوروبية، وكان سعيه في ذلك حثيثا منذ البدايات حتى استقبل المستشار الالماني اديناور عام 1958 في منزله في كولومبي، تأكيدا لموقفه المتجاوز نهائيا للماضي، ولم يستقبل اي رئيس اجنبي في بيته. واثر هذا اللقاء تأثيرا ايجابيا على الانفتاح الفرنسي – الالماني. وكانت ركيزة سياسته لتوحيد اوروبا ضرورة التحالف بين المانيا وفرنسا، ووجوب استقلال دول اوروبا الشرقية، بولونيا، تشيكوسلوفاكيا، ورومانيا عن الاتحاد السوفياتي، وانهيار الاتحاد السوفياتي فتعود روسيا تيمم شطر اوروبا الغربية، اما عقدة بريطانيا فيمكن حلها حين تحسم لندن امرها فتقرر ان تكون اوروبية لا اميركية، وبنظرته الثاقبة توقع ديغول قبل نحو اربعين سنة ما آل اليه الوضع في الاتحاد السوفياتي، وقبله بولونيا، توقع انهيار الاتحاد السوفياتي، لان الولايات المتحدة الاميركية “تريد ان تصل به الى الخراب والافلاس من طريق سباق التسلح الذي لا نهاية له، وقد تنجح في تحقيق ما تريد، لكنها سوف ترهق نفسها باكثر مما تستطيع تحمله. وقد تصل بنفسها هي الاخرى الى حالة الافلاس، وتصل بنا جميعا الى حالة الخطر لانها قد تحاول انقاذ نفسها من ذلك المصير بابتزاز الاخرين والسطو على مواردهم” (مقتبس من كتاب “حرب الخليج” لمحمد حسنين هيكل). تغييرات عميقة وقد اردف توقعه هذا بآخر، اذ قال لسفيره في موسكو عام 1962 “حتى تستمر اوروبا وتظل قوية تحتاج الى تغييرات عميقة اولها نهاية الاتحاد السوفياتي وعودة روسيا، عندها تهدد الصين حدودها الشرقية ويكتشف الروس ان اتحاد اوروبا الغربية ليس موجها ضدهم، وربما حصل ذلك بعد سنوات”. ونلاحظ الان ان روسيا مع انتهاء الاتحاد السوفياتي تتجه شطر اوروبا على طريق الوحدة الاوروبية بما يجعلها القوة الحقيقية الوحيدة المحتملة في وجه الاستفراد الاميركي. وكان ديغول اول من شجع قيام دولة بولونية مستقلة، في اثناء زيارته لها عام 1967، وسعى عام 1968 الى حلف يضم بولونيا ورومانيا وتشيكوسلوفاكيا، وفضلا عن عدم رغبة حكام هذه الدول في القطيعة مع الاتحاد السوفياتي فان هذا التف بمهاجمة براغ صيف عام 1968 او احتلالها دون مقاومة تذكر، ودب الرعب في اوصال حكومات اوروبا الشرقية كلها. يذكر ديغول انه نعى الاستعمار في خطاب القاه في 14 حزيران 1960، كما نعى زمن قنديل الزيت والسفينة الشراعية، وبهذا النعي، دخلت 11 دولة افريقية هيئة الامم المتحدة وشكرت الجنرال وسمته “بطل نزع. مقتطفات ان افضل ما يمكن ان يعبّر عن الكتاب، واحسن قول اقوله فيه، هذه المقتطفات التي اخترتها من كثير: – يصادف 22 تشرين الثاني، تاريخا لمولد ديغول عام 1890، ولاستقلال لبنان عن فرنسا عام 1943. – كان ديغول لاولاده: عندكم اجمل ام في العالم. – حاول الهرب من الاسر اربع مرات خلال الحرب العالمية الاولى، وفشل. – القى محاضرات في المدرسة الحربية عام 1927 وهو برتبة نقيب، اصغر رتبة بين المحاضرين، لكن معلمي المدرسة الحربية رفضوا بعد عامين من ذلك قبوله في عدادهم، وقالوا لمدير المدرسة، اذا اتى ديغول، نذهب نحن. – كيف يرتجل ديغول محاضراته؟ يقول: الامر بسيط اكتب، ثم انقح، واحفظ ما اكتب، واسمّع امام زوجتي حتى احفظ المحاضرة تماما، ثم القيها. – يشتري بزة كل سنتين، وتنتظر زوجته الاوكازيون حتى تشتري ثيابها، وهي تطبخ في البيت. – قال يوم دفن ابنته آن (المعاقة): اصبحت ابنتنا الان مثل كل الفرنسيات، ففي الموت يتساوى كل الناس. – لم تكن لديغول ولا لزوجته ثروة مالية كان يعتمد على معاشه التقاعدي، وهو معاش عقيد، لان ديغول ظل جنرالا موقتا (حتى بعد استقالته من الرئاسة عام 1968، رفض معاش تقاعد الرئيس، وبقي على معاش تقاعد العقيد). – مدخول مؤلفاته خصصه لمؤسسة خيرية انشأها للاولاد المعاقين باسم ابنته آن. – كان يمر بضائقة مالية اخر كل شهر، ولاحظ يوما ان اناء فضة فقد من البيت، فسأل زوجته ايفون عنه، فاجابت، ومن اين نعيش يا عزيزي؟ باعت الاناء. هو حتما كتاب لقراء العربية، ولاسيما للاجيال التي لم تعاصر الجنرال، دون ان يعني الامر ان معاصريه لا يجدون فيه ما يمتع، وهو مبسط فائدته في السهولة التي يعرض بها الاحداث والمواقف، فيتعرف قارئه الى تاريخ حقبة واسعة لدول اوروبا وللعالم في اسوأ حربين شهدهما العصر الحديث وما سبقهما واعقبهما. وفائدته الاولى في تأريخ مرحلة في لبنان من وجهة نظر ديغولية. ونتمنى ان يكتب تاريخنا بهذه البساطة ومحاولة الموضوعية. جوزف باسيل  شارل ديغول، رجل الرؤية والمواقف 1890 – 1970، تأليف الدكتور وهيب ابي فاضل، 248 صفحة من القطع الوسط.

اضف رد