شارل حلو حول حقيقة أتفاق القاهرة ليس بفضل هروبنا ألى الأمام يمكننا أستعادة الوطن

النهار
28032018


الرئيس شارل حلو.

مرة أخرى يسلط الرئيس شارل حلو الأضواء على ظروف أبرام اتفاق القاهرة وما سبقه وتلاه من وقائع، وذلك في رد مسهب على ما تناولته الصحافة اللبنانية والعربية في شأن هذا الاتفاق. وتحت عنوان “الحقيقة حول اتفاق القاهرة” كان للرئىس حلو امس البيان الآتي: لمّحت جريدة “الأوريان – لوجور” وغيرها من الصحف اللبنانية او العربية الى قضية اتفاق القاهرة الذي عقد في تشرين الاول 1969. اودّ هنا أن اسلّط الاضواء على الظروف التي قادت الى ذلك الاتفاق. تمتد حدود لبنان، البحرية والارضية من الناقورة حتى النهر الكبير، على مساحة تقارب ثلاث مئة كيلومتر، الى جانب ملتقى منعطفات كثيرة. كانت بيني وبين جلالة الملك حسين محادثات دارت حول طريقة التصدّي للحؤول دون تدفق اللاجئين الفدائيين الفلسطينيين على لبنان والسعي الى عقد مؤتمر قمة عربي. وجرى الاعلان عن ذلك في بيان مشترك. كان اللاجئون الفلسطينيون قد اصبحوا بعد حرب 1967 مقاتلين فدائيين. وفي تلك الفترة، كان السيد احمد الشقيري، يطالب منا ان نبقي في لبنان اللاجئين الذين توافدوا اليه بصورة غير شرعية والذين كانوا يرفضون العودة الى الدول العربية الاخرى. فقد كان من سوء حظنا اننا كنا الأكثر ترحيباً بهم من بقية الدول العربية. وبرغم ردودنا التي من الطبيعي ان تكون سلبية، راح السيد احمد الشقيري يكيل المديح، في الدار البيضاء، للسلطات اللبنانية على حسن استقبالها، ويطلب للفلسطينيين البؤساء عدداً من التسهيلات الاضافية. في نهاية حرب 1967 خلف السيد ياسر عرفات احمد الشقيري على رأس منظمة التحرير الفلسطينية وتميّز ياسر عرفات بحدته وعدم احترامه نظام اي دولة عربية وسيادتها على ارضها على طريق الوصول الى استعادة فلسطين. فعند كل حادث كان يحصل في لبنان، كان يردّد دوماً: “لنا كل الحق في التصرف كما نريد”. وكان الفدائيون الذين كانوا في الاردن، يضاعفون كل يوم فتوحاتهم المضخمة على صفحات الجرائد والمجلات. وكم كانت كثيرة الصحف اللبنانية التي كانت تنشر بفخر كبير تلك الفتوحات! ولا بأس ان نورد الآتي: “معركة دامت خمس ساعات، على الحدود الاسرائيلية – الاردنية، كانت اقتحاماً بطولياً للفدائيين الفلسطينيين” (“صوت العروبة”، 9 شباط 1968)، “الفدائيون الفلسطينيون يقصفون مواقع العدوّ بالمدفعية والبازوكا”. فتح تعلن عن تدمير منشآت اقتصادية وعسكرية في القدس” (“المحرر” 10 شباط). “دايان يشكو من العمل الفدائي، ويحمّل المسؤولية للبلدان العربية… (“الشعب” 15 شباط) بيد ان مثال الفدائيين الذين قضوا في ساحة الشرف، كان مصدر تأثير وعدوى كبيرين. فتقبل الموت هكذا، كان من دون اي شك اشد تأثيراً من اعطائه. زد على ذلك ان اسم المحلة التي جرت فيها تلك التضحية، كان في حدّ ذاته بالغ التعبير: “الكرامة التي تعني ايضاً “الشرف” وهو شرف كل العرب. قالت “الأهرام” في 29 آذار 1968: “اسهمت الكرامة في توحيد كل الفصائل الفلسطينية”. لكن النتيجة الحاسمة لتلك المعركة، كانت المؤتمر الصحافي الذي عقده الملك حسين، وأعلن فيه، قبل اكثر من شهر من تصريح رئيس وزرائنا عبدالله اليافي، قائلاً: “تستطيعون ان تعتبروا اننا كلنا فدائيون”. وكان ذلك في 23 آذار 1968. واضاف الملك الاردني: “ان المملكة الاردنية ليست مسؤولة ابداً عن عمل الفدائيين الفلسطينيين وتصرفاتهم”.    لم تكن على حدودنا قوة دولية: وذلك ما كان يرفضه الاردن ثم مصر. لكنني احتفظ في ملفي برسائلي ورسائل الرئيس رشيد كرامي الى اعضاء مجلس الامن. بعث الينا سفيرنا في عمان، السيد علي بزّي، في 23/11/1968، بنص الاتفاق الذي عقد بين الفدائيين الفلسطينيين والسلطات الاردنية. لا شك في ان موت أحد الفدائيين اللبنانيين عزّ الدين جمل، الذي أعيد جثمانه الى لبنان، جمع خلال تشييعه، جمهوراً واسعاً، زاد من ضخامته ما احتشد من الشبان المندفعين الثائرين، حتى ان الفئات المسيحية لم تستطع ان تحافظ على حيادها ازاء موكب بهذا العدد من المشيّعين. افتتاحية واحدة في احدى صحفنا، كان من شأنها ان تفجر هيجان البلد ضد اسرائيل. ليس من الضروري ان نورد المقالات الصحافية التي تنوه بالفدائيين، حتى نتعرف الى ما كانت تتمتع به المقاومة الفلسطينية من تقدير، وما كانت تمثله وتستحقه. هل تستطيع ان تمنع رفاق الشهيد عز الدين جمل من النسج على غرار رفاقهم في الدول العربية الاخرى؟ كان مثله يخلق صدمة في جميع شوارع بيروت ولبنان بأكمله. كانت جريدة “الاوريان” الصادرة في 28 نيسان 1966، قد قدرت عدد الفدائيين اللبنانيين بالاف الاشخاص. سرى الاقتناع المتزايد، في اوساط كثيرة، بأن نعش المقاتل عز الدين جمل كان فارغا او هو بالاحرى مملوء بالحجارة. من الصعب تأكيد ذلك الان، كما انه من الصعب ايضا تأكيد العكس. وما كان يساهم في الخداع، هو ان لا شيء يمنع المنظمات الفدائية ان تضع في النعش، بدل عز الدين جمل، الغائب او غير الموجود، جثمانا اخر. ولكن لماذا لا يكون في النعش جثمان عز الدين جمل نفسه، اللبناني المنتمي الى المنصورية في الجبل اللبناني، الذي كان مع الكثيرين من اللبنانيين، قد انضموا الى منظمة “فتح” بعدما خضعوا للتدريب خارج لبنان. نحاول ما في استطاعتنا تهدئة الافكار. تضاعفت في نيسان 1968، الاحداث الكثيرة بين الفدائيين الفلسطينيين والجيش اللبناني. وكانت جريدة “الاوريان” قد قدرت عدد الفدائيين بالالاف. وكان رئىس الحكومة رشيد كرامي، المستقيل منذ سبعة اشهر، قد تركنا خلالها من دون حكومة، بعد احداث بيروت وضاحيتها، هل كان ينوي، بعد صدامات مجدل سلم، ان يبقي البلد من دون حكومة وفي ازمة وزارية وخصوصا ان لي واحد من اخوانه يرفض ان يحل مكانه؟ وفي 25 تشرين الاول 1969، حذا كل الوزراء المسلمين في الحكومة، حذو الرئىس كرامي فاستقالوا هم ايضا.    كنت قد درست من دون اي نتجة مقبولة، مثال قبرص المقسمة بين الاتراك واليونان، ولكنني لم اتوصل الى اي اقتناع، وحدث كل ذلك قبل اسبوع من اتفاق القاهرة. واكرر انني لم اجد مسلما جديرا واحدا يحل مكان الرئيس رشيد كرامي. رئيس الحكومة رشيد كرامي يبلّغ رئيس الجمهورية استقالته. “الوكالة الوطنية للانباء” الاربعاء 22 تشرين الاول 1969. بلّغ رئيس الحكومة رئيس الجمهورية استقالته وحض اللبنانيين على الوحدة الوطنية، لافشال كل المخططات ضد لبنان. نداء الى الدول العربية للتعاون مع لبنان. في هذا الصباح زار رئيس الحكومة رشيد كرامي فخامة رئيس الجمهورية شارل حلو، واعلمه بانه ليس في استطاعته من بعد تحمل مسؤولياته. ووجه الرئيس كرامي نداء الى اللبنانيين يدعوهم فيه الى المحافظة على الوحدة اللبنانية، داعيا الدول العربية الى مساعدة لبنان. عقب مقابلته رئيس الجمهورية صرح الرئيس كرامي بالاتي: “في هذه الاوضاع الدقيقة التي يجتازها البلد، ارى من واجبي ان ادعو اللبنانيين الى التمسك بالمبادئ والاهداف التي نؤمن بها جميعا. “كان عليّ ان اقدم استقالتي الى فخامة رئيس الجمهورية عقب الاحداث المؤسفة التي وقعت في 23 نيسان المنصرم، والتي لم اكن موافقا عليها. ولا شك ان قراري بتصريف الاعمال الجارية، هو رغبتي في الحؤول دون كل ما يسيء الى مصلحة لبنان، وان عامل الوقت وحده، من شأنه ان ينير السبيل ويبرر الموقف الذي اتخذته امام الرأي العام”. وتابع الرئيس كرامي قائلا: “ان احداث الامس ليس الا داعمة لوجهة نظري، وذلك ما حملني، في الساعة التاسعة من هذا الصباح، الى الانتقال الى بيت الدين ولقاء فخامة رئيس الجمهورية. وبعد ان عرضت وجهة نظري حول الوضع وتطوراته، اعلم فخامة الرئيس، بأنني لا استطيع متابعة تحمل مسؤولياتي، ومن الاكيد ان قراري لا يمليه شعور بالخوف او الهروب امام المسؤوليات: وكما انه لا يعقل تحمل مسؤولية عمل لا ارادة لي فيه، كذلك لا استطيع ان اكون مسؤولا عن احداث تتنافى مع مبادئي واقتناعاتي. “اعتبر ان لبنان، هذا البلد العربي الحر والمستقل، مدعو الى القيام بدور مهم في سبيل الحفاظ على وحدته الوطنية ومقاومة كل محاولة تسيء اليه، وعلى كل حال فان من واجب لبنان، ان يتعاون بقدر ما يستطيع مع الاشقاء العرب وذلك لمصلحة الجميع وخصوصا خلال هذه الفترة الدقيقة التي نواجه بها عدونا المشترك: الصهيونية والامبريالية. فذاك ما يحتم علينا ان نكون جبهة واحدة مشتركة للتصدي لكل هذه الاخطار”. وخلص الرئيس كرامي الى القول: “الموت في سبيل الوطن هو انبل تعبير عن التضحية بالنفس. ومن البديهي ان كفاح الشعب الفلسطيني لاستعادة وطنه، يجب ان يحضنا على توجيه كل قوانا ضد الصهيونية والامبريالية. اذا ادعو اخواني اللبنانيين الى رص صفوفهم، والمحافظة على وحدتهم الوطنية، لنمنع اعداءنا من الاساءة الى امن بلدنا واستقراره وسمعته. اطلق ايضا نداء الى اخواننا العرب نداء صادقا، لكي يقفوا بجانبنا ويدعموننا في هذه اللحظات الصعبة. وهكذا يتسنى لنا بلوغ اهدافنا، بفضل وحدتنا الوطنية، وبمساعدة اشقائنا العرب”. الاجتماع الاول في دار الفتوى (22/10/1969). قرارات صادرة عن اجتماع شخصيات اسلامية في دار الفتوى. دعم للفدائيين الفلسطينيين وادانة للسياسة الاميركية. عقب اجتماع عقد في دار الفتوى، برئاسة مفتي الجمهورية الشيخ حسن خالد، وفي حضور كل من شيخ العقل محمد ابو شقرا، رشيد كرامي، عبدالله اليافي، حسين الحكيم، صبحي المحمصاني، رفيق نجا، جميل مكاوي، الشيخ محمد الداعوق، محمد كنيعو، امين العريسي، رفيق الغندور، اسامة فاخوري، رفيق الطيبي، محمد امين دوغان، امين بيهم، صدر البيان الآتي: نص البيان: “على اثر الاحداث الدامية في الجنوب، التي اودت بحياة عدد من الجنود والفدائيين. عقد اجتماع، امس مساء الساعة السابعة في دار الفتوى، برئاسة مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ حسن خالد. شاركت في اللقاء شخصيات كثيرة، جميعها لبنانية. وقد اكدوا تحمل مسؤوليتهم كاملة تجاه وطنهم لبنان، وايضا تجاه القضايا العربية التي على رأسها القضية الفلسطينية والعمل الفدائي. دارت المناقشات حول الاحداث السياسية اللبنانية الطارئة وحول البيان الاميركي المتعلق بالحماية الاجنبية التي يريدون فرضها على لبنان والتي يرفضها جميع اللبنانيين. هذه الحماية تعني، في حقيقتها، حماية مصالح اسرائيل، والرغبة في عزل لبنان على المستوى العربي، ومنعه من لعب دوره الطبيعي في النزاع حول مصير العرب المشترك. الاشخاص الحاضرون يعلنون ما يأتي: 1- ادانة كل معارضة لعمل الفدائيين. ويعبرون عن عميق حزنهم على الضحايا التي سقطت، خلال المواجهات الاخيرة التي جرت بين الجنود اللبنانيين ابنائنا واخواننا والفدائيين الذين هم ايضا ابناؤنا واخواننا. 2- وهم يرفضون، على كل حال، كل تدخل اجنبي، اميركي او غيره، في شؤونهم اللبنانية الداخلية. فحماية لبنان لن تتحقق الا في الوحدة الوطنية، وتقوية وسائل الدفاع، وتحصين القرى الحدودية، وخدمة العلم الالزامية. وهكذا يستطيع لبنان ان يواجه اهداف العدو التوسعية. 3- دعم كامل للفدائيين. تأكيد دعمهم للعمل الفدائي. وهم يطلبون من السلطات اللبنانية ان تمنحه كل حرية العمل حتى يصبح ناجحا ويصل الى اهدافه. الفدائيون ليسوا اعداء لبنان وليست لهم غايات في لبنان، كما تدعي الدعاية العدوة. والعمل الفدائي في لبنان، ليس ابدا عدوانا على السياسة اللبنانية. ان المجتمعين في دار الفتوى يطلقون نداءهم الى جميع الفئات، في هذه الاوضاع الخطيرة، للعمل على تحمل المسؤوليات التاريخية. ويطلبون من اللبنانيين ان يتصرفوا بحكمة، للمحافظة على الوحدة الوطنية. فهذه الفترة ليست فترة المنازعات الداخلية، فاسلحة العرب، كل العرب، يجب ان تصوب الى العدو المشترك. ثم دعوا المسؤولين اللبنانيين، الى جعل لبنان يتحمل مسؤولياته العسكرية كاملة، بالتنسيق مع الاشقاء العرب، بروح عالية من التفاهم والصدق. 4- هذا الاجتماع الاول يعتبر تمهيديا، فلا بد من ان تعقبه اجتماعات مستقبلية، تضم كل الاحزاب والشخصيات الوطنية، التي لم تدع الى هذا الاجتماع بسبب ضيق الوقت. وقد عقدت في دار الفتوى سلسلة اجتماعات من الثاني والعشرين حتى الرابع والعشرين من تشرين الاول، ضمت كلا من الشيخ حسن خالد مفتي الجمهورية، الامام موسى الصدر رئيس المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى، الشيخ محمد ابو شقرا شيخ عقل الطائفة الدرزية، كما انضم في الاجتماع الاخير الرؤساء السادة رشيد كرامي، عبدالله اليافي، صبري بك حماده، حسين العويني، احمد الداعوق وعدد من الوزراء والنواب والشخصيات. وصدر عن الاجتماع الاخير الموسع بيان يكرر ما جاء في البيانات السابقة، وهذا مضمونه: – وقف الاجراءات ضد العمل الفدائي وتصفية جميع ذيول الحوادث من اعتقالات وتعطيل صحف وسواها. – اطلاق حرية العمل الفدائي وتنسيقه بحيث لا يفقد فعاليته. – تعزيز القدرة الدفاعية للوطن خصوصا في منطقة الجنوب وذلك بتحصين القرى وتحسين الاوضاع الاجتماعية والاقتصادية للجنوبيين. – تطبيق احكام الدستور تطبيقا سليما وذلك مع التأكيد ان لا اشتراك في الحكم الا على هذا الاساس. اما الاجتماعان الثالث والرابع فقد صدرت عنهما التوصيات والطلبات نفسها. واجهنا في هذه الفترة ايضاً التظاهرات الشعبية التي عمّت جميع البلدان العربية، 000ر100 في سوريا، 000ر200 في العراق، اضف الى ذلك التظاهرات في الاردن ثم في القاهرة وليبيا. كما انهالت علينا برقيات الاحتجاج والتنديد. وكان الرئيس عبد الناصر قد بعث الي برسائل عديدة، كنت اجيب عليها شارحاً موقف لبنان. اما حول مستقبل الوضع اللبناني، فقد بعثت برسائل وتقارير، في 1967، بواسطة الرئيس كرامي، الى مجلس الامن وامين عام الجامعة العربية واخيراً الى قداسة البابا. هل يجب علي ان اشير الى اننا بقينا طيلة سبعة اشهر من دون حكومة ولا وزراء، مع انني كنت قد كلفت الرئيس رشيد كرامي تشكيل حكومة جديدة، وبذلك ادحض كل ادعاء بانني على خلاف مع رشيد كرامي. وتوصلنا الى تعيين بعثة برئاسة الرئيس كرامي وعضوية ضابطين من الجيش وامين عام وزارة الخارجية نجيب صدقة. رفضت ان اذهب شخصياً الى القاهرة، رغم الحاحات السفير المصري عندنا. لكن اعضاء البعثة تبدلوا بعدما رفض الجنرال شميط الذهاب، فعين مكانه الجنرال بستاني قائد الجيش، كما انه ناب عن رئيس الحكومة الذي اعتذر عن السفر في اللحظة الاخيرة. ناب السيد نجيب صدقة الامين العام لوزارة الخارجية عن العضو الثالث في البعثة. حال وصولها الى القاهرة، اصطدمت بعثتنا بتظاهرة مصرية – فدائية، جعلت مهمتها اكثر صعوبة. وعاد نجيب صدقة من القاهرة، معلناً انه حصل في مصر تبدّل لا يستطيع ان يقبل به. وبقي الجنرال بستاني متحملاً وحده مسؤولية متابعة المهمة. ومن شأن ما جرى في القاهرة ان يؤكد حصول تبديل في ما كنا قد اتفقنا عليه في لبنان، وقد ظهر ذلك التغيير في بعض البنود الاولى من اتفاق القاهرة المتعلقة بالتسهيلات المعطاة للفدائيين الفلسطينيين واقامتهم في لبنان. ومقابل ذلك يقول الاتفاق الذي كرس في البند الثالث عشر سلطة الدولة اللبنانية عسكرياً وسياسياً على جميع الاراضي اللبنانية، وانها تتحمل مسؤولياتها على كل جزء منها. لا شك في ان هذه الوقائع تكذّب ما اخترعه احد ضباط المكتب الثاني عندما اشاع بأن الرئيس عبد الناصر سأل الجنرال بستاني عما اذا كان قد قرأ فعلاً الاتفاق الذي وقعه. هي واحدة من الاكاذيب الكثيرة. ولطالما اعلنت بأن الرئيس عبد الناصر استقبل الجنرال بستاني قبل ان يجتمع بالوفد الفلسطيني وليس من المعقول ان يسأله عن شيء لم يحصل بعد. ورجع الجنرال بستاني الى لبنان. ولما قابلني تمنعت عن ابرام الاتفاق الذي حصل بينه وبين الفدائيين الفلسطينيين ولم ابدل موقفي حتى نهاية ولايتي. هكذا حافظ لبنان على حضوره مع الاشقاء العرب من دون اي تعهد حقيقي من جانبه، كما ان نص الاتفاق المزعوم بقي من دون اي قبول لبناني قانوني. كما ان الرئيس فرنجيه الذي خلفني في الرئاسة لم يجد مانعاً من قصف الفدائيين عام 1973، رغم وجود اتفاق القاهرة. بعد ثلاث سنوات على انتهاء ولايتي امر الرئيس فرنجيه بقصف مخيمات عدة للفدائيين الفلسطينيين. ولم يمنعه عن ذلك اتفاق القاهرة. كما ان الرئيس فرنجيه اصدر عام 1976 الوثيقة الدستورية التي تلغي بروحها اتفاق القاهرة، والتي حظيت بموافقة اكثرية النواب. ومن ثم، فان الرئيس شفيق الوزان، اعلن في الاجتماع الذي عقده في المحمدية (في المغرب 29-30/8/1982 وفي تونس في 26/6/1982) “ان اتفاق القاهرة لا يلزم لبنان بشيء”. جرى كل ذلك وتم حتى ابطال اتفاق القاهرة في 14 حزيران عام 1987. وكان ذلك الابطال معاكساً لرأي بعض الجهّال، ومن دون موافقة زعيم الفدائيين الفلسطينيين. كما قال البروفسور انطوان خير، في 8 تشرين الثاني 1986، فان اتفاق القاهرة الذي لم توافق عليه الحكومة اللبنانية ولا مجلس النواب اللبناني يعتبر وكأنه لم يوجد”. ثم ان الرئيس سليم الحص، اعلن في 14 كانون الاول 1982، للصحافة “ان الوجود السوري – الفلسطيني يجب ان يتوقف في لبنان”. والافضل من كل ذلك، فان الوزير يوسف جبران الذي كان وزير العدل والاعلام، من 16 تموز الى 25 تشرين الاول 1980، في حكومة يترأسها سليم الحص اعلن في سفارة لبنان في باريس، جواباً عن سؤال احد الديبلوماسيين الفرنسيين: “اتفاق القاهرة غير موجود”. اودّ، في ختام اجابتي عن سؤال جريدة “الاوريان” وغيرها من الصحف، ان ادعم ليس فقط وجهة نظر الشيخ بيار الجميل وسواه من رجالات السياسة والقانون، بل اود ان اؤكد خصوصاً، تصريح الرئيس كميل شمعون وزير الخارجية والداخلية عام 1976 الذي قال: “لو كنت مكان الرئيس حلو، لما تصرّفت الا كما تصرّف هو تماماً”. وعندي كلمة اسوقها الى الذين يحبون سماعها، وهي الحكمة التي تلفّظ بها قبل قرنين من الزمن، الزعيم النائب دانتون: “ليس بفضل نعال احذيتنا وحروبنا الى الامام، يمكننا استعادة الوطن”. بذلت قصارى جهدي لكي لا اسيء الى احد، ولن تصدر عني اليوم اساءة ابداً”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*