الرئيسية / أضواء على / شارل آزنافور الطفل الذي قاوم الضغينة بالكتابة والحب

شارل آزنافور الطفل الذي قاوم الضغينة بالكتابة والحب

 

واسيني الأعرج
Oct 03, 2018
القدس العربي

انسحب شارل آزنافور، الرجل الشهم، بهدوء، وهو الذي قرر أن يعيش أكثر من 120 سنة. ارتاح أخيرا من ضجيج عالم لم يكن رحيما به، وانتزع منه الاعتراف بمخالب عناده وقوة إرادته. هو ابن المهجر الأرميني الأباتريد  بلا وطن، وبذاكرة جريحة.
بماذا كان يفكر شارل آزنافور الذي كان يكره الموت، في آخر ليلة، قبل أن ينسحب من الدنيا؟ ربما كان مع الطفل الفقير الذي لم يغادره أبدا، وهو السبب الأساسي في نجاحه. هو من كان يدفعه دوما ليثبت للآخر أنه أهم بكثير مما يتصوره الناس. لهذا، في عمق كل قصائده المغناة شيء منه. يقول إنه ليس شاعرا، ولكن فيما يكتبه شاعرية. وإن الذين كتبوا سيرته اكتشفوا أن في نصوصه أشياء مخفية مرتبطة بالحق ورفض الظلم، «لم أكتب إلا ما أحسست به، وما أحس به يأتي من بعيد، من زمن يتجاوزني. ولدتُ فرنسيا، لكن جذوري أرمينية».
لا يمكن تفسير ما يبدو من خوف وكسور وعزلة وحب إلا بالعودة إلى هذا العالم المخفي فيه، كأنه طبقات جيولوجية متراكمة، كل واحدة تخفي ذاكرة.
يرفض أن يكون فنانا سياسيا أو ملتزما، لكنه في عمق المأساة البشرية لا يعترف بتوصيفه بالفنان المهاجر، فهو أكثر من ذلك. وطنه مسح من الخارطة، بمعنى أنه حتى ولو فكر بالعودة إلى وطنه، لن يتمكن. لهذا صنع من اللغة وطنا له واختزل كل ما في داخله من تشوق وأحلام. ولادته في فرنسا، لأبوين مهاجرين من أرمينيا، لم تمنحه أية فرصة لإثبات الذات، فقد ظل ابن الغريب، ولم يحصل على الاعتراف إلا عندما قارب الأربعين من عمره، 36 سنة بالضبط. وعندما بدأ في كتابة بعض القصائد كان الصحافيون الباريسيون المولعون بالشكليات يسخرون منه لدرجة أن قال عنه، وبشكل حاقد، فيليب بوفار، نجم الحصص الفنية التلفزيونية الفرنسية الأكثر مشاهدة: لن يكون له أي حظ في النجاح، قصير القامة، أنف طويل، فوق هذا ليس فرنسيا.
وظل يحاول أن يعرف ما معنى أن تكون فرنسيا، لا أمل له سوى العمل والنجاح واختراق الحواجز الوهمية. ما أنكره عليه الآخرون، كان محركه الأساسي نحو النجاح، فقط ليثبت للآخرين أنه قادر على أن يكون. لا يمكن فهم تعدد مواهبه السينما (40 فيلما)، ومسلسلات، وغناء، ومسرح، وكلمات أغان (1600 أغنية من تأليفه)، إلا من هذا الموقع.
بطريقته الخاصة، أثبت للعالم أنه بالموهبة والإرادة وحدهما، يمكن للإنسان تخطي الحواجز وحصار النقد وتحقيق النجاح. عندما بدأ في الصعود والظهور لقي عدوانية كبيرة من النقاد الفرنسيين الذين صنفوا أغانيه بالخفيفة، مثل نهار، وينسحب الحب يوما، التي غنتها نينا سيمون في 1964. بينما عمليا، فقد غير آزنافور، برفقة صديق العمر الموسيقي بيير روش، الهيكل التقليدي للأغنية الفرنسية، فأدخل فيها عناصر جديدة أقرب إلى العالم الأنكلوساكسوني.
وجد في كبار المغنين الفرنسيين الذين ربطتهم به صداقة كبيرة مثل جان فيرا، وإديث بياف، وآخرين، من الذين اختاروا مقاومة المجتمع الباذخ والشكلي في أحكامه، البائس في نظرته لكل ما لا يشبهه، الكثير من التعاطف والحب. كان يعرف أنه مرفوض فقط لأنه يشبه نفسه، لكنه كان يعرف أيضا أنه يملك الوسائل التي تسمح له بتخطي كل الصعاب.
نجاحه كان وسيلته الانتقامية ضد الذين رأوا فيه مغنيا خفيفا، لا قيمة لأغانيه. لكنه تحصل في النهاية على ما أراده ليهزم الضغينة. اشترى مثلا ثلاث سيارات رولز رويس الغالية، لكنها في النهاية لا تعني له شيئا، ولم يسقها. كان حظه مع النساء كبيرا، تزوج ثلاث مرات دون أن يمنعه قصر قامته وأنفه الطويل من أن يكون محبوبا لديهن. في كل هذا، ظل مشبعا بقيم الحرية ومعترفا بالحق في إثبات الذات ليس بالانتقام، ولكن بالمزيد من الحب والمقاومة الفنية.
نجح ابن المهاجر الأرميني، في أمريكا وكندا وبريطانيا، في العالم الأنجلوسكسوني، عالم الجاز والسوينغ، عبر أغان أصبحت عالمية: لابوهيم، والبارحة كان عمري عشرين، والمنديل، وخذوني، ولامامّا، وغيرها من الأغاني التي كان الجاز خلفيتها. يقول أصدقاؤه قد يحالفك الحظ أن تلقاه صدفة في أحد شوارع نيويورك أو في برودواي، لكن من الصعب أن تصادفه في الشانزليزيه. لهذا كان دائما يقول إن جمهوري هناك أكثر من هنا.
الضربة القاصمة للظهر جاءته من دائرة الضرائب التي اتهمته، في السبعينيات، بالتهرب الضريبي، فشعر بالإهانة التي لم يستطع ردها حتى بعد أن حصل على براءته. وقرر أن يغادر فرنسا ويستقر في سويسرا، وكان يشعر بمرارة ما حصل له، «فرنسا سرقتني في حقي وأفقرتني وظلمتني».
وضعته الصحافة في دائرة المتهمين، وعندما جاء الرئيس ميتران إلى الحكم أعاد له الاعتبار، ثم تبعه الرئيس جاك شيراك فمنحه أسمى الاعترافات، ليصبح فنان فرنسا الأول. لهذا ظلت كل أغانيه وكلماته تمثل تعبيرا فنيا عميقا عن مأساة المهجّر بلا وطن، في أرمينيا، نشيده العظيم: من أجلك يا أرمينياPour toi Arménie . وبعد الزلزال أبكى الملايين ودفع بهم إلى مزيد من التضامن.
كل حلمه في النهاية هو الدفع بالطفل الفقير إلى أقاصي النجاح الذي جعل منه آخر عمالقة الأغنية الفرنسية. كان يسخر من فكرة الموت على المنصة، كما موليير الذي أصبح مرجعا في الموت لكثير من الفنانين والمبدعين، «أكره الموت، وأشتهي أن أموت محاطا بكل من أحب». كأن القدر أصغى إليه، اختطفه الموت وهو في عمق نومه. بماذا كان يحلم شارل آزنافور في آخر ليلة له في مدينته في مورياس؟ لا بد أن يكون قد رأى الطفل الذي يركض بين المحطات يبيع ويشتري، وقبل رأسه لأنه كان وراء كل ما حدث له من هزات جميلة، قبل أن يفسح المجال للأسطورة.

اضف رد