الرئيسية / home slide / “سَكِند هاند ” للبيع

“سَكِند هاند ” للبيع

15-02-2021 | 00:13 المصدر: النهار

روني ألفا

“سَكِند هاند ” للبيع

راجعتُ صدفةً سجلات النفوس. وجَدتُ أننا مَوتَى منذُ مدَّة طَويلَة. أفادتني  لوائح الوَفَيات أنَّ قبورُنا نُبِشَت. سُرِقَت مقتَنَياتُ جُثَثِنا. أضراسُ الفِضَّة والذّهَب في أفواهِنا اقتُلِعَت. سَلَبوا حتّى مسبَحة الصّلاةِ بينَ أصابِعِنا وسُعَفَ النّخلِ التي واكَبَت جَنائِزَنا. قَريباً يتمّ نَقلُ رُفاتِنا إلى أقرَب بؤرَة نسيان. سَيُحيي زعماؤنا سَهرَة نار على مَحرَقَتنا الجَماعيَّة. نحنُ  شَعبٌ أُبيدَ عن بِكرَةِ أبيه. مصَنَّفون أحَياء بِوَثيقَة ولادَة ومَوتَى مِن دونَ إفادَة وَفاة. كلُّ مُواطِنٍ في العالَم يَموتُ مَرَّةً واحِدَةً ويُدفَنُ مرَّةً واحِدَة في مِقبرَةٍ واحِدَة إلا اللبناني، يَموتُ كلّ يَوم ويُدفَنُ كلّ يَوم وَمَقابِرهُ منتَشِرَة في كلّ الحُفَر. أُقسمُ أني رأيتُ أُناساً يُلقون كلَّ صَباحٍ التحيَّةَ على جثثِهم ويَتقبّلون التّعازي بِوفاتهم ويُقيمون الشَّعائِر  لِتَخليد ذِكراهم ويرفَعون البَخور عن راحَة نفوسهم ويَنوحون ويلطمون خدودهم حزناً عَلى رحيلِهم. أظهَرَتِ السجّلاتُ أيضاً أننا مَخلوقاتٌ إنتِخابيَّة. وُلِدنا على نفَقَة صناديق الإقتراع ونموتُ على نَفقَة صناديق الزكاة. كرامَتُنا الوَطنيَّة ماركَة مسَجَّلَة على إخراجات قيودِنا الطائِفيَّة. مِنّا من يَرسمُ إشارَةَ الصليب بالثلاثَة، ومنا بالخَمسَة، ومِنّا من لا يَزال يَخوضُ حَرباً عمرُها ألف وأربمائَة سَنَة بِضراوَة. مَن زَمَطَ مِنّا مِن المَوت العَبثي تحوّلَ إلى فَرش أَنتيكا من البَسطا التّحتا مركونٌ في بيوت الزّعَماء، تتأنّى الخادِماتُ الفيلبينياتُ الأنيقاتُ في مَسحِ غُبارِه لِيبقى صالِحَاً لأقفِيَةِ الزعماء. صدورُنا جَعلناها أرائِك وَثيرَةً لِزعران الحَرب الأهليَّة. بَنَينا لهم تماثيلَ من نُحاسِ الخوف وإسمَنت الخُضوع.  ماذا كانَ فَعَل يَسوع بزعمائنا لو قرَّر زيارَة رعيَّتِه؟ أَما كانَ ليَقولَ لَهم:  “هذا بيتُ أبي وَقَد حَوَّلتموه مَغارَة لصوص؟”  ماذا كان فعلَ الرّسولُ الأكرَمُ لو رأى صاحبَ طَعامٍ أصابَه المَطر؟ أما كان ليقول له  “أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَي يَرَاهُ النَّاسُ؟ مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي”؟  عَبَثاً. كلُّنا مَحسوبون بينَ عِداد الموتى. محنَّطونَ بالصّمت، محاصرون باليأس ومهددون بِجرثومَة. مواطِنون صناعَة تارسو. معلَّبونَ ومَكتوبٌ على عبواتِنا : “أُنظُر تاريخ إنتِهاء الصلاحيَّة”. الأجدى أن نُرمى في جُوَر الخِردة أو الكَسِر  وأن نُترَك ليأكلَنا الجنزار!  حَوَّلَنا السياسيون مثلهم إلى كَذَبَة بِمناخير ممغوطَة أينَ منها منخارُ بينوكيو. كائِنات مُطيعَة أينَ منها كلاب مواكَبَةِ الضَّرير. أَصبَحنا من المَحاسيب ولكن بِدون حِسابات مَصرفيَّة في جنيف وناطِحين ولَكِن بِدون ناطِحات سَحاب. شَحَنونا بِبَطاريّات الحِقد. أشعَلونا بِبِنزين الطّوائِف. فَجّرونا عند كلّ نَشرَة أَخبار. تبادُلُ نيرانِنا الصَّديقَة وَصَلَ مَداها إلى مَسامِع العالَم. نَشرُ غَسيلِنا الوَطَني انتَشَى بِه كلّ الجيران. كلّنا قتلى. ليسَ هناكَ مَقبَرَة جَماعيَّة تتَّسِعُ لِدَفن كلّ فَضائِحِنا. نُشِرَت على صنَوبَر بَيروت وتشظَّت على كل مَقاعِد الأمم المتحِّدَة. دَولَتُنا مَعجونَة بالتّفاهَة. تعيشُ على فُتات البنك الدَولي والأنروا وصندوق النّقد ومبادَرات المُحسِنين. تَسرقُ الفقراء لتوزِّع على الزعماء. لَم يَزُرها يَوماً روبن هود. كلُّ “غيڤارا” فيها “كاسترو” يشرَبُ الفودكا عَلى قبرِ الشّهيد. دولَة غير مَوجودَة. حتّى صائِدو الجَوائِز ومنتهزو الفرص لا يهتمون بِزيارَتِها. ميناؤها رماد مَصارِفُها متاحِف للزمنِ الجميل تَحتَوي عَلى نواويس المودِعين. مؤسَّساتُها مقفِرَة. طرقاتُها مقابر للمارّة. دَولَةٌ لا تَمونُ عَلى لَمبَة بلديَّة. عمود إنارة أقوى منها. بئر أرتوازي يذلّها. جَريمَة شَرَف أقوَى مِن قَضائِها. أوكسيجينُها التّهريب. تُجّارُها يَحتَكِرون. كلّ أجهِزَة مخابَرات العالَم تتباهَى بِفضِّ غِشاءِ بَكارَتِها. نحُنُ مواطِنونَ مُستَعمَلون “سَكِندْ هانْد”. مَعروضون في شَهرِ التسَوّق للبيَع  بأسعار مَحروقَة. فزنا بِالجائِزَة الأولى للجيَف الوَطَنيَّة سابِقينَ بأشواط المرشَّحينَ من جمهوريَّات أقراط المَوز وَشَحّاطات النايلون. ليس في السجّلات ما ينبِئُ أننا شَعبٌ حَيّ فَسُبحانَ الحَيّ الباقي وسُبحان الباقي بالحَيّ!