سين سين سيادة واستقلال

سمير عطاالله
النهار
22112018

في ما مضى، كان يوم الاستقلال عيداً، أهم ما فيه أنه يربط الجميع معاً. ليس عيد طائفة دون اخرى، وانما عيد وطني يبعث الفرح حتى في نفوس الذين يزدرونه ويعتبرونه عبئاً على الأمة، أو خرقاً لها: سواء كانت الأمة السورية أو العربية.

عاماً بعد عام لم يعد 22 تشرين الثاني مرتبطاً بالفرح، بل بمسحة غامضة من الحزن. لم يعد الاطفال يصطفون أمام المتحف ليحضروا عرض الدبابات والجنود واطقم الرجال البيضاء. ولم يعد لدى الآباء ما يخبرون عن الاستقلال. وذات يوم، افقنا، فإذا مكان العرض، هو “الخط الأخضر”. خط التماس، آخر بوابة بين اللبنانيين، ولكي تعبرها، يجب أن تترجل وتنتقل من سيارة الى سيارة، لأنك منتقل من عالم الى عالم: من دنيا الانعزال الى دنيا العروبة. أو بالعكس. ولكن، في الحالتين، ذليلاً على قدميك، خائفاً من وسيطك، مرتعداً من ان ينفجر جحيم المدافع، في مصادفة اسوأ من ميعاد.

صار 22 ت2 يوماً للترحم. مناسبة للوقوف على اطلال هند في برقة تهمد. صار مفرقاً لم نعد نثق بانه بوابة العودة الى الوراء أو بوابة الدخول الى المستقبل. أو حتى ان كان هناك مستقبل. وصار يوماً للشعور بمسحة غامضة من الحزن: حزن الفراق.

ليس الوداع النهائي، ولكن الفراق. وهو اقسى وأمضّ. كان كل شيء مفرحاً في العرض العسكري، خصوصاً للأطفال. عطلة، فلا معلمون ولا مساطرهم. عنزة الجيش تؤدي في ثوبها المذهب رقصة العسكر، والضباط يقبلون سيوفم البراقة، متقدمين، هبطة أقدامهم ع الأرض هدارة.

الدول باعيادها. يوم يعلم الكبار صغارهم بأن ثمة ما يفرحون به. وقد علمناهم أننا هزمنا فرنسا، وخدعنا الانكليز، وجعلنا قلعة بناها الاستعمار في راشيا قلعة الحرية. والفرح جميل، مهما كان تصوراً. اليست جميلة قصة ساندريلا؟ أليس مفرحاً ان تنجو ليلى من الذئب، وتُرضع الغنمة فلوَ الذئب الذي فقد أمه في انهيار الثلج الكبير؟

كان جميلاً الاقتناع، أو الشعور، بأننا مستقلون. فعلى الأقل، بدونا أننا نستحقه. دولة تولد فوراً على خريطة الدول المؤهلة: جامعات ومعاهد ومدارس، وقصر عدل، وميناء ومطار، ودستور وبرلمان، وصحافة. وكفاية شجاعة. فالذين هاجروا في الحرب الأولى بعيداً عن المجاعة، صاروا مع الحرب الثانية مصدر بقاء للذين بقوا.

هكذا كانت اعياد الاستقلال تعود وكأنها اعياد الشكر. ثمة ما يدعو الى الاحتفال. لكن احلام الدول الصغيرة سرعان ما تتقطع. يعدّد الدكتور بهيج طبارة سلسلة من الانقطاعات والفواصل المدمرة. بعد 15 عاماً من الاستقلال وقعت 1958. وبعد 11 عاما 1969. وبعد ستة أعوام 1975. وبعدها اصبح الاحتفال بالاستقلال مكابرة في الشكل والجوهر: أي من ارادة عبد الحميد غالب في ذروة المرحلة الناصرية، الى مرحلة الأبوات، فإلى الوصاية السورية التي اتخذت لنفسها “مركز استطلاع” في عنجر، يفضل اللبنانيون أن يذهبوا هم إليه من أن يأتي هو إليهم.

عندما خرج السوريون، انقسم اللبنانيون فريقين: واحداً يشكرهم على الرحيل، وآخر على السنوات التي امضوها بين ظهرانينا. وتجمعوا في ساحة واحدة لها مقلبان وخطابان وشعاران. كلاهما على نغم واحد: آن!

يجهد الفرد منذ وعيه الى أن يصبح”مستقلاً”. الاستقلال هنا بمعنى الاستغناء عن الحاجة الى الآخر والتحرر من عبودية الاتكال. وليس الاستقلال عملاً هيناً، أو حتى ممكناً في الحياة. فالعالم حلقات موصولة في عقد مترابط وهش معاً. وقد جرب ديغول أن يجعل فرنسا مستقلة عن الاميركيين والسوفيات، فحاربته واشنطن مثل عدو. ويحاول ايمانويل ماكرون ذلك الآن بالاتفاق مع أوروبا، فشن عليه دونالد ترامب رشقاً من التغريدات المليئة، كالعادة، باخطاء التهجئة. والمعروف أن الآلة الطابعة لا تقبل على نفسها مثل هذه الاغلاط، إذا اخذ رأيها في الأمر. لكن زعيم “العالم الحر” الذي أقال في أشهر نحو 20 من كبار مساعديه، بينهم وزير العدل ووزير الخارجية ومستشار الأمن القومي، لن يسمح لنفسه باستشارة آلة طابعة في قدرته الاملائية.

خلال العهد السوري في لبنان، كان عدد كبير من الموالين يتولى على الدوام ابلاغ جهلة السياسة الدولية أن السيادة شيء رومانسي من الماضي لم يعد له وجود، وتالياً، من السخف، أو السوء، الحرص عليه. وتولى فريق آخر التذكير بأن لبنان ولِد بلا سيادة ـ مثل اي مولود بلا اطراف. وإنه اعتاد الخضوع لقرار خارجي منذ أيام الانكليز والفرنسيين، وبعدهم الاميركيّين.

وكان من يتولى شرح هذه الدروس التاريخية وزراء في مقارهم، أو في حقائبهم. اين المشكلة؟ هي في ان القول صحيح، لكنه لا يقال. بعض الوقائع ذل، والذل لا يُعلن. قبل فترة جاءت تزورنا دوقة اللوكسمبور الكبرى ماريا دو باتيستا. لم يسخر أحد من حجم الدوقية الذي لا يزيد على الف ميل. ولم يعترض أحد على انها أحد ثلاثة مراكز للوحدة الاوروبية. السيادة مسألة يتقاسمها الكبار والصغار. والدوقية تتمتع بمستويات من الرقي والحياة، بعيدة جداً عن متناول ثلاثة ارباع الدول الاعضاء في الأمم المتحدة. على الأقل. وفوق ذلك كله، ففي هذا العالم المتنوع، عزيزتنا ماريا دو باتيستا من مواليد كوبا. هنيئاً للذين كانوا في لجنة الاستقبال.

استقلت اللوكسمبور عن فرنسا (مثلنا) العام 1835. فيها أربع إثنيات وتتحدث ثلاث لغات وتتمتع باستقلال يشبه الاستقلال البريطاني. عندما قامت الحرب العالمية الثانية، كادت لندن تخسرها لولا مساعدة اميركا. عامل الاميركيون عدوتهم المانيا (واليابان) مثل عدو مهزوم، لكنهم لم يجردوا حلفاءهم من السيادة. وفي هذه الوحدة الاوروبية المذهلة، على رغم نكسة “البريكست”، ليست سيادة الدول هي المسألة، فهذا امر تقني محض، لكن المسألة الأولى والأخيرة، منذ ايام الدوقيات وفرسان الطاولة المستديرة، هي الكرامة. خارج الوحدة أو داخلها. قبل اعوام كان ضيف الشرف في احتفالات 14 تموز، ابن الماريشال غورينغ.

ليس لدينا الكثير نحتفل به. فرحة صغيرة وعابرة كانت زيارة ماريا دو باتيستا، هي وما بقي من جمال وجاذبية مرت عليها 62 عاماً. وما لبثنا أن عدنا الى العبث بجميع اشكال السيادة والكرامة والاستقلال. لا يمر علينا عيد من غير كمد ووجوم. أي استقلال إذا كان الخوف حاضراً، وأي احتفال إذا كان الفراق مطبقاً. هل تعرفون ما هو عنوان النشيد الوطني في البلد الذي اصبحت سيدة كوبية دوقته الكبرى؟ “وطني”. وشعار ذلك البلد اكثر بساطة “لا نريد أن نكون سوى ما نحن”… تحية طيبة، صاحبة السمو.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*