الرئيسية / home slide / سينمائي يبيع كاميراته.. ويصير فلاحاً وصانع نبيذ بأرض أجداده

سينمائي يبيع كاميراته.. ويصير فلاحاً وصانع نبيذ بأرض أجداده

لوسي بارسخيان|الإثنين10/01/2022شارك المقال

سينمائي يبيع كاميراته.. ويصير فلاحاً وصانع نبيذ بأرض أجدادهالياس بطرس المعلوف: “اللبناني ينجح أينما حل، وحتى في لبنان”

(المدن)

تشكل بداية كل عام وقفة إلزامية يعيد فيها كل منا حساباته عن السنة السابقة، ليحدد إخفاقاته وخيباته، ويعد نفسه ببلوغ أحلامه وطموحاته. هذه نزعة “إنسانية” لا تعرف هوية ولا حدوداً. لكن لبنان يبدو كسفينة في بحر دائم الهيجان، تتقاذف الأمواج شعبه ولا تعطيهم سوى فرصة بسيطة لالتقاط أنفاسهم، قبل غرقهم في صراع آخر مع الأزمات المستمرة.  

نعم، نحن اللبنانيون “لسنا بخير”. فالخيبات تلاحقنا فردياً جماعياً. ومع ذلك، ثمة كثيرون يتمسكون بالمبادرة، ويلتقطون الفرص من بين الخيبات. ظروف البلد تعرقلنا، ولكن هناك رغبة دائمة لإيجاد واحة نثبت فيها. وقد يكون من نعم الله علينا أننا خلقنا مع تلك القدرة على التأقلم والتمسك بهذا البلد، مهما كانت إدارته سيئة.

التران ورياق والبقاع
وقبطان السفينة الذي نتحدث عنه في ما يلي، هو الياس بطرس المعلوف. القليلون ربما يذكرون اسمه كمؤسس جمعية “تران تران”. ولكن كثيرون يعرفون جيداً هذه الجمعية التي عكست شغفاً باستعادة مجد سكك الحديد والنقل المشترك، وانقاد إليه المعلوف في مشروع تخرج جامعي، عندما كان يصور فيلماً عن خروج الجيش السوري من لبنان. وتحديداً من منشآت سكك الحديد التي حولها ثكنات له.

عندما بدأ بتصوير الوثائقي صار جزءا من القصة. لم يستطع أن يتابع الوثائقي، لكنه تورط في محاولة إنقاذ إرث “التران” في لبنان منذ سنة 1895، عندما سُمح للبنان، الذي كان جزءاً من السلطنة العثمانية، بإنشاء أول سكة حديد، فكانت سكة رياق التي أقامتها “الشركة الفرنسيّة للسكك الحديد” و”الشركة العثمانية الاقتصادية”، لتنطلق رحلاتها بداية إلى بيروت ودمشق فحوران، قبل أن يتم وصلها منذ سنة 1912 بالعالم العربي وأوروبا وأفريقيا، ولتستعمل كوسيلة نقل أساسيّة، ووضعت رياق على خريطة شبكة السكك الحديدية العابرة للقارات، والتي كانت تنقل الناس والبضائع وحتى الملوك وجيوشهم.

لم يسمح المعلوف لاختصاصه أن يحدد له هويته. يقول “صعدت في السفينة وتركت الرياح تقودني من زاوية إلى زاوية. أعود إلى التصوير أحياناً، عندما يستفزني عمل ما. ولكن لا أحبس نفسي في مكان. ولذلك تنقلت من الإخراج إلى النشاط المدني إلى تأسيس عائلة، إلى منتج خمر، وبكل فخر أنا اليوم فلاح”.

بداية القصة من بلدة المعلوف، رياق، التي عرفت ازدهارها الاقتصادي في عصر “التران”. فكانت محطة رياق والمصنع الأكبر الذي قام بجوارها، الحلقة التي تدور حولهما الحياة الاقتصادية والاجتماعية في البقاع.

الزواج والأرض والنبيذ
من هذه المحطة حمل المعلوف القضية إلى أصقاع العالم، بحثا عن دعم لقضيته. وجد الدعم في الخارج، الأكثر حرصاً على الإرث المتبقي لإنطلاق سكك الحديد في لبنان.

كانت قناعة جمعية “تران تران” أن لبنان لن يكون بخير إلا إذا كان نقله العام بخير. فزحمة السير اليومية التي تثبط عزيمة اللبنانيين على طرقنا وتقتل إنتاجية الفرد، جعلت اللبناني مواطناً جباراً قبل أزمتنا الاقتصادية المستفحلة. والمبادرة الفردية أقوى من إرادة الدولة، التي -رغم توفر ظروف تشغيلها ولو جزءاً من السكة- لم تبادر إلى ذلك، وأهملت النقل المشترك، وصولاً إلى زمن يطلب فيه  وزير بالدولة ممن ليس بمقدروهم تعبئة البنزين “غير المدعوم” أن يختاروا وسيلة انتقال ثانية، من دون أن تكون لديه أدنى فكرة عما يمكن أن يشكل وسيلة أخرى في بلد يفتقد كل شيء.  

لم ينجح المعلوف خلال ترؤسه جمعية “تران تران” في حمل الدولة على تشغيل ولو جزء من القطار، “لأنها لا تريد. ولكننا أعدنا الحلم بالقطار وحافظنا على إرث سكة التران حتى لا تباع حديداً”، كما يقول. وعلى خلاف من يتولون شأناً عاماً، نقل المعلوف المهمة إلى غيره. فالقضية هي المهمة وليس الشخص. وهكذا جيّر الحلم لخلفه مبتعداً عن الصعوبات التي واجهته، وحتى التهديدات التي كان يتلقاها ممن اعتدوا على سكك الحديد في كل مكان. ويقول: “كانت الرياح تسير بالمركب في اتجاه تأسيس عائلتي. فصارت هي أولويتي”. وخلافاً لمن انتظروا الوضع الاقتصادي حتى ينفجر، انتقل إلى أرض أجداده بإرادته. فبرأيه “الأرض التي نهملها نخسرها”. وهو كان على مشارف هذه الخسارة حين باتت أرضه مهددة من شركاء يستسهلون الاستيلاء على المقدرات الخاصة والعامة، ويخاف وزير المالية السابق من تطبيق اللامركزية المالية عليهم.

عاد معلوف إلى الأرض فجعلها ملجأه في زمن القحط. عام بسفينته على بحر المعرفة التي اكتسبها من جده الحاضر في كل خطواته اللاحقة، مستعيداً بعضاً من حرفيته في صناعة العرق والنبيذ. ويقول المعلوف: “تزوجت في مرحلة اقترنت بالإحباط الذي يعيشه لبنان. وبالتالي، ليس سهلاً أن يقرر أحدهم ترك كل ما حققه على الصعيد المهني والشخصي لينطلق من الصفر”. وتوفر له الشريك بزوجته التي صعدت على متن السفينة، وتركت عملها في جامعة ومستشفى، لتشارك زوجها في إنشاء خمارة ومطعم صغير “بنص الضيعة”، يمكن الوصول إليه عبر زاروب سيراً على الأقدام.

صناعة العرق والنبيذ


وباع معداته التي كان يستخدمها في الإخراج والتصوير، وضمت زوجته تعويض تقاعدها المبكر، وسارا معاً بحلمهما الموحد. واكتسبت خمارة RAYAK الشغف نفسه بقطار رياق، لتكتسب سمعة طيبة بين متذوقي منتجاتها من العرق والنبيذ. وكانت الصعوبات هذه المرة بدخول الانتاج إلى الأسواق التجارية. لم تكن المواجهة سهلة مع لعبة الدولار، السوبرماركت، والتاجر الذي يأكل الأرباح. لكن المعلوف لم يستسلم، فقرر أن يحول المشروع من توزيع الانتاج على المحلات والحانات، إلى استضافة الناس في معمله. وتحول المشروع من معمل “أرتيزانا” يعصر العنب بشغف، إلى مكان للسياحة البيئية مع مطعم يقدم الخدمة “القروية”. وصار محطة يتوقف فيها الزوار في تنقلهم بين بعلبك وزحلة. ونجح بإحياء “ثقافة” عائلته وقريته. فأعاد ولو جزءاً من الحيوية التي عرفتها يوماً بلدته. 

عودة إلى الزراعة
البحر الهائج الذي أغلق الطرق، فرض صعوبات جديدة. ورغم الجهود التي سمحت لانتاجه بأن يطير إلى الخارج، عرقلت البيروقراطية الطموحات بالتوسع،  وخصوصاً عندما تعطلت مؤسسات دولة وتراجعت إنتاجيتها إلى الحدود القصوى.

ومن صناعة النبيذ التي يعتبرها المعلوف “غزلاً” بالرزق، وتخليداً لعناقيد العنب الذي يخمر في عبوات تعيش أحياناً سنوات طويلة، ولد شغف أكبر بالزراعة والاهتمام بالأرض. ويشرح المعلوف: “نحن ملاك في هذه المنطقة. ولكن أرضنا كانت بيد الغير. وكان علي أن أزرعها وأهتم بها لأستردها”. وهكذا عاد المعلوف إلى الزراعة. ويقول: “ولدت في مدينة الإكوادور بمنزل مقابل القصر الجمهوري، حيث كان والدي تاجر قماش كبير. ولكنه اكتشف أن الأرض وحدها الضمانة”. وبعدما خسر والده الذي جاهد في الخارج  ثروته في المصارف التي تآمرت مع الدولة على سرقتها، قرر استعادة إرث جده الذي كان فلاحاً، “لا بل معازا” يقول ويتابع: “كنا خلال زيارتنا لبنان نستيقظ على قرون العنزة تضرب الشباك وتكسره. وكنا نلصق الفجوات كي لا يدخل البرغش ويأذينا. بين والدي التاجر الذي كان دائما يلبس بذلة، وجدي المعاز الذي كان يقطف العنقود ويضعه في جيبه ليأكله أثناء تنقله في أرضه، انزرع في داخلي هذا الحب العفوي للأرض وإنتاجها”.

الجدّ الذي تعلّم منه كيف يكون فلاحاً ومعّازاً



حلم التراكتور واليونيفيل

عاد إلى الأرض مع كل ما تفرضه المسألة من مشقة. من مدخرات عرسه اشترى بعض احتياجاته. وبعدما كان حلمه تشغيل التران، صار حلمه أن يشتري تراكتوراً. وبواسطته حفر سكة صداقة فتحت لنبيذه طرقاً جديدة. ويقول: “الضيقة جعلتنا نطمح إلى تحسن حياتنا. من مبيعات النبيذ أدخرنا لشراء التراكتور. ولأننا توقفنا أنا وزوجتي عن متابعة الأخبار، غدرنا الوقت، واكتشفنا أن مبلغ عشرة آلاف دولار الذي ادخرناه بالليرة اللبنانية لشرائه، لم يعد يوازي نصف قيمته بالعملة الأجنبية”.   

وظل مصراً على شراء التراكتور: “عندما كنت أعمل في مجال الإخراج كان حلمي أن أقتني أجمل كاميرا. في مجال المجتمع المدني صار حلمي أن يسير التران. اليوم صار حلمي أن يكون لدي تراكتور”. وتمكن من شرائه من شخص في بلدة رميش الجنوبية، وأمن تصريف إنتاج كان يحتاج خمسة أشهر لبيعه. وارتفعت معنوياته عندما اكتسب صديقاً جديداً في بلدة رميش، وفتح له سوقاً مع القوات الدولية في الجنوب.

يكمل معلوف قصته مع اكتمال هويته فلاحاً. في حديثه عن مزرعة الماعز والخواريف التي أسسها، قال إنها وليدة حاجة أولاده للحليب، عندما أخفى الاحتكار الكميات المدعومة منه. سأل جدته عما كانت تفعله لتطعم أولادها عندما ينضب الحليب، فاخبرته أنها كانت “تضعه على صدر المعزاية”. أي كانت تطعمهم حليباً طازجاً. استهولت زوجته الفكرة، وكان عليه أن يغافلها. فأمن “الإكتفاء الذاتي” من الأرض له ولعائلته. وهذا برأيه الرأسمال الجيد.

سياحة بيئية


التمسك بالأرض صار جزءاً من “وطنية” المعلوف. هنا يشعر أنه في وطنه الذي رسمه على طريقته. لكنه يبحث عن إنسانيته قبل وطنيته. فاكتشف أن هذه الإنسانية تتحقق في قريته. ويقول: “هنا عاطفتي عائلتي، وأولادي رزقي”. ولذلك يبقى قلقه من أن تفقد هذه الإنسانية متى استفحلت العصبيات. حينها يصبح التهديد الأمني سبباً لتركه البلد حماية لأولاده.

وينهي المعلوف كلامه بالتأكيد على أن لكل لبناني صفة لهويته اللبنانية. ولكننا “جميعاً يمكن أن نكون مبادرين. والمهم أن لا نيأس. فلبنان قد لا ينجح كبلد. ولكن اللبناني ينجح أينما حل، وحتى في لبنان”.