الرئيسية / home slide / … سيظلّ يفشل في قتلنا وفي قتل لبنان

… سيظلّ يفشل في قتلنا وفي قتل لبنان

30-10-2021 | 00:00 المصدر: “النهار”

عقل العويط

لوحة عن بيروت – لبنان، للرسّامة زينة عاصي.

A+A-شيءٌ ما يحاول كلّ يومٍ (في #لبنان) أنْ يقتلني، لكنّه يفشل في قتلي.

هذا القولُ الذهبُ ليس لي، ولا علاقة له بلبنان، ومَواجع أهله، لكنّي أتبنّاه، بل “أسرقه” من الشاعرة الأميركيّة لوسيل كليفتون، ليكون من بنات أفكاري، وليعبّر عنّي، ولأدور به، متفقّدًا القتلى والناس والأمكنة والبيوت، شرفاتها وغرف جلوسها ونومها، المنسحبة إلى الظلّ، إلى العتمة؛ منصتًا فيها إلى الصمت المأسويّ، الأخرس الأصمّ، مبلِّلًا دموعها اليابسة، حيث تهجع القلوب المفطورة والعيون المكسورة والأفكار المجرّحة بالقلق والهجس.

لقد “ضاقت الأرض”، صرخ يومًا الملفان العلّامة الأب ميشال الحايك، في ديوانه الذي يحمل العنوان نفسه، وتنمو صفحاته وقصائده يومًا بعد يوم في جوارح قلبي، وفي إشكال المصير البشريّ. 

كان ذلك قبل عقودٍ وعشراتٍ من السنين، وكانت الدنيا، وكان الوجود، بألف خير. لكنْ، في هذا اليوم، في هذه الساعة، في هذا الموت الفادح، تحت هذا الشوك المضني، لو كنتَ يا ميشا لا تزال في ظهرانينا، وبيننا، ماذا كنتَ لتصرخ في “وادي الدموع” اللبنانيّ هذا، في الصحراء هذه، في مقبرتنا الجماعيّة، التي لم يعد فيها مكانٌ لرغيف، لوردة، لحبّة زيتون، ولا لغرابٍ جاثمٍ على غصن شجرة سرو، ولا حتّى لـ”هيشةٍ”، ولا أيضًا لعوسجةٍ ملتهبة؟

مَن – وحيدًا أو غفيرًا – يقف ها هنا، فوق هذا الجبل المألوم، على امتداد هذه السهول النازفة، في نواحي هذه الأراضي والمدن والقرى والدساكر الأرملة، وأمام هذا المرفأ (البحر) القتيل، ليردّد بحكمة، بشجاعة، بنبل، بفروسيّة، بمكابرة، بكِبَر، ولِمَ لا بتحدٍّ (شكسبيريٍّ لا دونكيشوتيّ): “شيءٌ ما يحاول كلّ يوم (في لبنان) أنْ يقتلني، لكنّه يفشل في قتلي”. على أنْ يضيف قائلًا، وعلى رؤوس الأشهاد، ولأجل الضرورة الوجوديّة القصوى والمطلقة: “وهذا الشيء الذي يظلّ يحاول أنْ يقتلني، سيظلّ يفشل في أنْ يقتلني، إلى أنْ ييأس من شرّه، فيرضح لي، لوجعي الكيانيّ المكابِر، لعزيمتي، لإرادتي، لجرحي، ويستسلم على صورة استسلام هذا الوحش الهمجيّ الأعظم، المغرغر بالظلام، بالقتل، بالحقد، بالعنف، بالاستيلاء، الراكع على مضض، مطأطئًا، متمرّغًا، معفّرًا، ومضرَّجًا بسحره الأسوَد، بالديدان، وبأسنان الحقّ والعدالة المنتقِمة؟

مَن يقف ها هنا؟ مَن – وحيدًا أو غفيرًا – يقف ليقول: لقد ضاقت الأرض، لكنّها تتّسع، وستظلّ تتّسع للحياة، للحلم، للأمل، للحبّ، للغبطة، للتمرّد، وللشعر. وإذا كانت تضيق حقًّا (ولا بدّ)، فثمّة مَن، مِن تحت الركام، من وراء المرفأ المهيض، يريد بمعجزة اللّا- يأس، أنْ يوسّعها، ويريد أنْ يفتح أبوابها وشبابيكها، لتطلّ على حبق النسيم، على الندى، على الغيوم، على الآفاق، على الشرفات، على الضوء، على الحقيقة، وعلى الصباح. وسيكون في مقدوره أنْ يوسّع الأرضَ، وهي ستتّسع، وستتوسّع، من أجل هؤلاء الموتى والأشعار والأطفال والشبّان والشابّات الأغرار، ومن أجل حبّة زيتون، ورغيف خبز، ومن أجل – قبل الرغيف والزيتون – من أجل كرامة العيش والحرّيّة وضرورات الوجود؟ 

لقد ضُيِّقَت الأرضُ حقًّا، يا أبتاه، لكنّها لم تَضِق. شيءٌ ما، شرٌّ ما، يا ميشا، يا أبتاه، جعلها تضيق، وجعل الكيل يطفح. ويجب – أكرّر – يجب الحؤول دون أنْ يطفح هذا الكيل الطافح، ولو كان على الواحد منّا أنْ يشربه حتّي الثمالة – حتّى الثمالة، عارفًا ومدركًا أنّه ليس أقلّ من سمٍّ زعاف.

وفي الغمرة العدميّة هذه، أسمعُ أنطونان أرتو يرثي ويحشرج قائلًا: بالنسبة إليَّ، ثمّة هذا الوجع المستديم، وهذا الظلّ، وثمّة ليل الروح هذا، لكنْ، على رغم ذلك، لا يخرج صوتٌ من حنجرتي ليصرخ.

معكَ حقّ، يا أنطونان، معكَ حقّ. لكنّ هذا الوجع المستديم، هذا الظلّ، ليل الروح هذا، هو الشيء نفسه، هو الوحش الهمجيّ نفسه، الذي يحاول قتلكَ كلّ يومٍ، غير أنّه – صدِّق أو لا تصدِّق – سيظلّ يفشل، أيّها الشاعر، في قتلكَ. سيظلّ يفشل.

… وها ثمّة مَن – وحيدًا أو غفيرًا – هنا، والآن، سينبري ليهتف معكَ، ومع الشاعرة الأميركيّة الآنف ذكرها أعلاه، سينبري ليهتف من “وادي الدموع” اللبنانيّ هذا، قائلًا: إنّ هذا الشيء القاتل، هذا الوحش الهمجيّ، سيظلّ، هنا والآن، وبعد بعد غد، سيظلّ يفشل في قتلنا، وفي قتل لبنان.

akl.awit@annahar.com.lb
الكلمات الدالةلبنانالفساد