الرئيسية / مقالات / سيطرة “حزب” وغياب القرار الواحد و”خطة دونكيشوتية”!

سيطرة “حزب” وغياب القرار الواحد و”خطة دونكيشوتية”!

استمرار الحديث في الاعلام ووسائل التواصل الاجتماعي عن المسؤولين عن انهيار العملة الوطنية، وعن تعثر المصارف وافتقارها الى السيولة وتفضيلها تحقيق أرباح ضخمة على القيام بدورها الطبيعي المنصوص عليه في القوانين، وعن حاكم مصرف لبنان رياض سلامة بعد “نجاحه” خلال ولايات أربع مدتها 24 سنة في تحقيق إنجازات، لم يعد مجدياً. إذ تبيّنت في النهاية وهمية الانجازات ومساهمتها في الحال الراهنة التعيسة التي يعيشها اللبنانيون. وقد جعله هذا العمى لا يرى حقيقة الأوضاع السياسية والطائفية والمذهبية والفساد بل النهب المنظّم للدولة من حكّامها الفعليين وغير الفعليين وشركائهم وأدواتهم. والرفض المطلق للحكّام الفعليين للبلاد منذ عقود التخلّي عن السلطة أو الإقلاع عن ممارسة الفساد بواسطتها، فوقع وأوقع معه الدولة وشعوبها وقطاعاتها وعملتها واقتصادها. سبب ذلك كله اقتناعه بأنه لا يُخطئ، وبأنه يمتلك حلولاً لكل مشكلة وطموحه السياسي الذي ظنّ أنه سيتحقّق في ولايته الخامسة.

فالمجدي الآن صار البحث المعمّق في خطة الاصلاح المالي التي أقرتها الحكومة، بعدما وقّعها رئيسها حسان دياب وأرسلها الى صندوق النقد الدولي طالباً من رئيسته والمسؤولين الكبار فيه بدء البحث مع لبنان عن طريقة لمساعدته. وصار أيضاً محاولة تأمين العوامل الضرورية كي تصبح هذه المساعدة ممكنة. والعوامل كثيرة أولها الوضع السياسي اللبناني بل النظام اللبناني المتآكل وسيطرة أصحاب الاستراتيجيات المرفوضة من المنظمة الدولية المذكورة على البلاد والحكم والمؤسسات، وعجز هؤلاء كلهم عن الموافقة على شروطها قبل الحصول على المساعدة المالية، واستعصاء الممسكين بالحكم منذ عقود ولا سيما منذ انتهاء الحروب على أي إصلاح ورفضهم الاقلاع عن استغلال البلاد لتكديس الثروات ولترسيخ النفوذ ورفض الإفساح في المجال أمام الأجيال الجديدة المتعلّمة والمثقفة لتسلّم السلطة والقيام بالإصلاحات التي كان يجب القيام بها منذ عقود، وأيضاً لتغيير الصيغة أو العقد الاجتماعي – السياسي القائم إذا كان ذلك الطريقة الوحيدة للتخلص من هؤلاء كلهم. وثاني العوامل هو الشروط الصعبة أو بالأحرى المطالب الصعبة التطبيق والمرفوضة في آن التي يفرضها عادة صندوق النقد الدولي لإعادة تعويم مالية الدول التي تطلب مساعدته بعد وقوعها في الانهيار والافلاس. وصعوبتها ناجمة ليس فقط عن ضرورة الاصطفاف سياسياً مع الولايات المتحدة صاحبة التأثير الأول في الصندوق، بل أيضاً من صعوبة تقبّل المواطنين له نظراً الى الأعباء التي ترتبها عليهم إجراءاته من زيادات في الرسوم والضرائب، ومن مطالبة بالخصخصة وفتح البلاد أمام الاستثمارات الأجنبية على تنوّعها، ومن دون التدقيق في أهدافها السياسية المحلية والإقليمية إذا كانت لها أهداف كهذه. وثالث العوامل الإصرار الكبير على لبنان للقيام بإصلاحات أو على الأقل للبدء بها قبل تقديم ما يمكن اعتباره “عربون المساعدة”. أما رابع العوامل فهو انقسام الشعب اللبناني طوائف ومذاهب صارت شعوباً ورفض قادتها وحكّامها التضحية لبناء وحدة حقيقية تحميها. طبعاً هذه العوامل الأربعة غير متوافرة إلّا في الكلام وطبعاً أيضاً لا يبدو أن الأطراف الذين شكّلوا الحكومة ويدعمونها موحّدو المواقف من الخطة المالية لأسباب عدّة لا يُمكن الخوض فيها أو بالأحرى الغوص فيها بسلامة. إذ ينتظر كل منهم الوقت المناسب لأظهار موقفه السلبي. وهم قادرون على ذلك لأن البحث مع صندوق النقد الدولي قد يستمر أشهراً وربما أكثر. وكي لا يبقى الكلام عاماً، يقول متابعون للعمل الحكومي – السياسي – الطائفي – المذهبي – المصرفي – الشعبي للخطة المالية التي أُرسلت الى صندوق النقد، أن فيها سواء على نحو واضح أو ضمني أمراً يخصّ المصارف ويلاقي معارضة شديدة منها، كما من جهة سياسية نافذة وقادرة على التعطيل أو أكثر. أحد هذه الأمور هو عدم سداد الأموال التي “ديّنتها” المصارف للدولة بالليرة اللبنانية. وهذا أمرٌ يرفضه كثيرون ويقولون أنه غير منطقي ولا قانوني، ويشيرون الى إمكان معالجة ذلك بإرجاء تسديد هذه الديون أو بتقسيطها. كما أنه يحتاج مثل أمور أخرى الى قانون من مجلس النواب. ويستبعد كثيرون مرور قانون كهذا فيه لأسباب معروفة لا داعي للخوض فيها، قد يكون أبرزها رغبة كبار المجلس في إنقاذ القطاع المصرفي ورفضهم ضربه وإحلال نظام بديل منه مختصر إذا جاز التعبير على هذا النحو، أي يقوم على خمسة مصارف. ويعني ذلك في لبنان إعطاء كل طائفة مصرفاً. ومن يضمن، في ظل عدم وجود أمل في تغيير لبناني “سياسي” – اقتصادي – إصلاحي يؤدي الى دولة مؤسسات ويقضي على الفساد ويعاقب الفاسدين ويستعيد الأموال المنهوبة منهم كما في ظل عدم تغيير لبنان سياساته المرفوضة أميركياً، من يضمن عدم استئناف فرض العقوبات ولا سيما على المصرف الذي قد يكون عملياً لفئة تتهمها واشنطن بالإرهاب. وهذا أمرٌ محتمل إذ أن الاتصالات الأميركية مع قيادات لبنانية مهمة والمباحثات التي جرت حتى الآن خلالها أشارت الى أمرٍ مهم هو الآتي: “بعد البحث والتعمّق لم يجد ديبلوماسيو أميركا في لبنان وغيرهم كثيرون أن الحكومة بعيدة من تأثير “حزب الله”، وأنها واقعة بكليتها تحت تأثيره”. كما أشارت الى تجربة مماثلة للبنان قامت بها “مصر السيسي مع صندوق النقد الدولي وحقّقت النجاح بسبب عوامل عدّة غير متوافرة في لبنان، أبرزها أن قرار مصر واحد وهو في يد رئيسها وأن دولتها واحدة لا دولاً متنازعة ومتقاتلة سياسياً وطائفياً ومذهبياً ومتشاركة في الوقت نفسه في الفساد. كما أن مصر دولة جدّية وغنية فيها صناعة كبيرة وزراعة مهمّة في حين أن لبنان ليس عنده أي شيء من ذلك”. وتؤكد هذه الحقيقة شخصيات مصرية إذ تقول أن مصر لجأت الى صندوق النقد واستفادت منه ونفّذت طلبات أو شروطاً عدّة له، لكنها وبعدما حقّقت إنجازات وإصلاحات عدّة بسبب وحدة قيادتها وتصميمها وبُعد نظرها، أوقفت الدفعة الأخيرة من القرض بعدما وجدت أنها لم تعد في حاجة إليها. فأين لبنان من مصر؟

في اختصار يستبعد لبنانيون حريصون على بلادهم وراغبون في خروجه من الانهيار الذي أوقعها فيه حكّامها الكثيرون وشعوبها نجاح لبنان مع صندوق النقد ويعتبرون أن حكومته و”حكّامها” يتصرفون مثل دون كيشوت.

اضف رد