الرئيسية / مقالات / سيرة النظام الأسدي: من تل الزعتر إلى اليرموك…

سيرة النظام الأسدي: من تل الزعتر إلى اليرموك…

ماجد كيالي - كاتب فلسطيني

ماجد كيالي
كاتب فلسطيني
https://daraj.com/51007/
يوليو 28, 2020م
ما يحصل اليوم وتحت ستار المخطط التنظيمي إنما هو محاولة لتصفية مخيم اليرموك، كشاهد على نكبة الشعب الفلسطيني، في إطار محاولات تصفية قضية اللاجئين، وتصفية حق العودة.

تزامنت زيارة وفد فلسطيني ترأسه زياد أبو عمرو، نائب رئيس الحكومة في السلطة الفلسطينية، والموفد الشخصي للرئيس محمود عباس، إلى دمشق راهناً، مع طرح النظام السوري مخططاً تنظيمياً يستهدف تغيير الطابع الديموغرافي لمخيم اليرموك، المخيم الأبرز، الذي يعتبر بمثابة عاصمة للاجئين الفلسطينيين، المنتشرين في شتى بلدان العالم. كأن النظام في خطوة كهذه، يستكمل مسيرته في تصفية مخيمات اللاجئين الفلسطينيين أو تسهيل هذه المسألة، التي بدأت مع تصفية مخيمي تل الزعتر والضبية (قرب بيروت- 1976)، وسط صمت فلسطيني رسمي (من المنظمة والسلطة والفصائل).

ويمكن التحقيب لسياسات النظام السوري وتحوّلاته في عهدي الأسد (الأب والوريث)، داخلياً أو خارجياً، من خلال مسارات عدة، تأتي ضمنها القضية الفلسطينية، التي كانت من أهم المسائل الإقليمية التي أصر النظام على إمساكها والتلاعب بها، إلى جانب المسألتين اللبنانية والعراقية، باعتبار كل منها مجرد ورقة يفترض أن يضعها في جيبه لتعزيز مكانته الإقليمية. 

ويجدر التنويه هنا إلى أن التركيز على ذلك التحقيب لا علاقة له بفكرة (أو بادعاء) أن قضية فلسطين هي القضية المركزية للأمة العربية، لأن أكثر من ابتذل واستهلك وتلاعب بهذا الادّعاء، الذي ينطوي على مخاتلة، هو النظام السوري تحديداً، الذي أراد عبره إضفاء شرعية على استبداده، وتغطية مصادرته حقوق وحريات السوريين لنصف قرن، وشرعنة تدخّلاته المضرّة في الشأن الداخلي الفلسطيني.

منذ البداية تمكن ملاحظة أن الأسد (الأب) أتى إلى سدّة السلطة في سوريا بواسطة انقلاب عسكري (أواخر عام 1970)، أي بعد خسارة الجولان إبان توليه وزارة الدفاع وقيادة القوى الجوية (في حرب 1967)، وأن ذلك حصل بالتزامن مع أحداث أيلول/ سبتمبر (1970)، المتمثلة بالتصادم بين النظام الأردني والحركة الوطنية الفلسطينية، آنذاك، وكان ذلك بمثابة التذكرة التي قدمها للنظامين العربي والدولي، لشرعنة وصوله إلى الحكم، ولشرعنة دوره الإقليمي. بعد ذلك، قام النظام السوري بوقف العمل العسكري للفصائل الفلسطينية من جبهة الجولان، نهائيا، منذ العام 1974 (أي بعد حرب تشرين 1973)، رغم تشدقه بمقاومة إسرائيل. لكن التصادم الأكبر بين النظام السوري والحركة الوطنية الفلسطينية حصل مع دخول الجيش السوري إلى لبنان (1976)، الذي استهدف الحركة الوطنية اللبنانية، أيضاً، آنذاك، وقد شهدنا حينها اغتيال شخصيات لبنانية، أهمها كمال جنبلاط. والمعنى أن النظام اشتغل بشكل متعاكس في الحالين الأردنية واللبنانية، لكن من الناحية الشكلية، فقط، في حين أن الهدف كان هو ذاته، ففي الأولى أتى الاستنكاف عن التدخل لإضعاف الحركة الوطنية الفلسطينية، وفي الثانية تم التدخل لإضعاف الحركتين الوطنيتين الفلسطينية واللبنانية (بغض النظر عن رأينا في تلك التطورات أو الصدامات أو تقييمنا لها من الجهة الفلسطينية).

وبشكل أكثر تحديداً، فقد دأب نظام الأسد على التلاعب بقضية فلسطين، وتوظيفها في خدمة سياساته، وضمن ذلك فقد دأب باستمرار على بذل الجهود للتدخل في الشأن الفلسطيني الداخلي، والسيطرة على القرار في منظمة التحرير، حتى أن الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات كان أشهر شعار: “القرار الفلسطيني المستقل” في وجه النظام السوري وضد محاولات حافظ الأسد تحويل منظمة التحرير إلى ورقة في جيبه يساوم عليها لتحسين مركزه إزاء الولايات المتحدة. 

وللتذكير فإن ذلك النظام كان شكّل فصائل فلسطينية موالية له، أو دعم تشكيلها، ضمنها الصاعقة والجبهة الشعبية القيادة العامة، يضاف لهما تلك الفصائل التي استمالها، أو نظم فيها انشقاقات لصالحه في ما بعد، وفي السياق ذاته، أتى طرد الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات من سوريا 1984، بعد انشقاق حركة “فتح الانتفاضة” (1983). ما نجم عنه اعتقال معظم كوادر “فتح”، بل إن هذا النظام لم يتوانى عن منع الرئيس الفلسطيني المحاصر، من قبل الجيش الإسرائيلي، في مقر المقاطعة في رام الله  من إلقاء كلمته الهاتفية لاجتماع القمة الذي عقد في بيروت (آذار/ مارس 2002)، في تواطؤ مع النظام اللبناني، وقتها. 

وربما يفيد أن نذكر في هذا السياق، أن ذلك النظام شّكل جهازاً استخباراتياً خاصاً أطلق عليه اسم: “الضابطة الفدائية”، للتعامل مع الفصائل الفلسطينية، وقد شهدت أقبية هذا الجهاز اعتقال كثر من خيرة كوادر تلك الفصائل، ناهيك بأن ذلك الجهاز كان هو المعني بأنشطة الفصائل في المخيمات السورية، وفي المعابر إلى لبنان، بل إن ترخيص إقامة حضانة أطفال، أو فريق رياضي، أو معرض أو ندوة أو حتى بيت تعزية كانت تحتاج لموافقة من ذلك الجهاز، من دون أن ننسى أن النظام سمى أحد أهم أجهزته الاستخباراتية المتعددة وأكثرها وحشية، “فرع فلسطين”، للإمعان في امتهان اسم فلسطين. 

لعل الدور الأبرز للنظام السوري تمثل أيضاً في تسهيله تصفية مخيمات فلسطينية.

هذا يحيلنا إلى التنويه بأن الكثير من أعضاء اللجنة المركزية الحالية لحركة “فتح”، كانوا اعتقلوا لفترات متفاوتة في سجون المخابرات السورية، وضمنهم: عزام الأحمد (1976)، وتوفيق الطيراوي وسمير الرفاعي (1984)، والأخير أمضى سنوات في السجن مع معظم كادر الحركة في سوريا. وللعلم فإن منزل الرئيس الفلسطيني محمود عباس في دمشق ومنزل جمال محيسن (عضو اللجنة المركزية لفتح) كان تم الاستيلاء عليهما مثل بيوت آخرين من قادة وكوادر “فتح”، في حين لقي كثر من قيادات إقليم فتح في سوريا مصرعهم في السجون السورية، أو بالاغتيال، أخيراً (موعد موعد وأبو أحمد طيروية وأيمن جودة مثلا)، علماً أن عشرات من كوادر فتح استشهدوا خلال الأحداث في المخيم، إبان قصفه وحصاره منذ أواخر عام 2012، ضمن قائمة تضم آلاف الشهداء والجرحى والمعتقلين من فلسطينيي سوريا (أبرزهم الكاتب الفلسطيني المعروف علي الشهابي). وفي الحقيقة ففي غضون السنوات القليلة الماضية لقي خيرة الشباب من فلسطينيي سوريا مصرعهم، سواء بالقتل أو الاغتيال أو الموت تحت التعذيب في المعتقلات (ثمة شخصيات لا أحد يعرف عن مصيرها، مثل علي الشهابي، وعلاء الدين يوسف، وفياض الشهابي، وسمير عبد الفتاح، ويزن عريشة، وصالح السهلي، ومحمد عمايري، ومهند عمر وصالح كيالي، إضافة إلى الشهداء أحمد الكوسى،، وحسان حسان، ونيراز سعيد، وايمن الصفدي وخالد بكراوي وغسان الشهابي وأبو إبراهيم الخطيب).

ولعل الدور الأبرز للنظام السوري تمثل أيضاً في تسهيله تصفية مخيمات فلسطينية، حصل ذلك مع تسهيل تصفية مخيمي تل الزعتر والضبية (قرب بيروت 1976)، ثم حصل ذلك في دفعه حركة “أمل” الموالية له لشن حرب المخيمات الوحشية والمدمرة (1985-1987)، ضد مخيمات بيروت (برج البراجنة وصبرا وشاتيلا)، وتحت أنظار “حزب الله”، ولم يكن هناك “داعش” ولا “جبهة نصرة”، ثم حصل ذلك في مخيم نهر البارد (قرب طرابلس 2007) عبر جماعة “فتح الإسلام”، التي ولّدها من جماعة “فتح الانتفاضة”، علماً أن زعيمها أو أميرها شاكر العبسي كان أخرج من المعتقل السوري، ليذهب الى لبنان ويشكل حركته. ثم بعد تدمير مخيم نهر البارد واعتقل من بقي من تلك الجماعة، وضمنهم شاكر العبسي، تم إخفاؤه، ولم يعرف أحد مصيره، ما يذكر بسيرة إفراج النظام عن إسلاميين متشددين بداية الثورة السورية (2011)، لدفعهم إلى تشكيل فصائل مسلحة ومتطرفة لتغطية بطش النظام، وإزاحة الثورة عن مقاصدها المشروعة والعادلة. هذا من دون أن ننسى صنيعته الداعية الجهادي أبو القعقاع زعيم حركة “غرباء الشام”، في حلب، بعد الغزو الأميركي للعراق، أو تحميله الوزير السابق ميشال سماحة للمتفجرات في سيارته، في مخطط لإجراء تفجيرات في لبنان وإشعال الفتنة في لبنان. 

هكذا، تلك المسيرة كلها أوصلت النظام إلى حد تصفية مخيمات في سوريا وتدميرها، وأهمها مخيم اليرموك، الذي يعتبر بمثابة عاصمة للاجئين الفلسطينيين، وهو ما حصل بالتدريج عبر تشريد معظم سكانه (أواخر 2012)، ثم فرض حصار شديد عليه منذ ذلك التاريخ، ثم تدمير أجزاء كبيرة منه ( بين 2015- 2018). وها هو يصل إلى حد فرض مخطط تنظيمي للمخيم لتصفيته نهائياً، ليس عبر تغيير معالمه العمرانية، فقط، وإنما بتغيير طابعه الديموغرافي، وعدم تمكين سكانه من العودة إليه.

وربما يجدر بنا هنا لفت الانتباه إلى أن نظام الأسد سعى منذ اندلاع الثورة السورية، (آذار/ مارس 2011)، وهي ما زالت في طورها الشعبي– السلمي، إلى إنكار مطالب الشعب السوري، بادعاء أن ثمة مؤامرة على سوريا. وكان أول اتهام وجّهه للفلسطينيين في مخيمي اللاذقية ودرعا، جاء على لسان بثينة شعبان وغيرها من المسؤولين وقتذاك، وبرز في ذلك الوقت كلامُ رامي مخلوف (ابن خال رئيس النظام) الذي وجهه إلى “إسرائيل”، مستجدياً إياها الحفاظ على نظام الأسد، بقوله: “إن عدم الاستقرار في سوريا يعني عدم الاستقرار في إسرائيل”.

المسيرة كلها أوصلت النظام إلى حد تصفية مخيمات في سوريا وتدميرها، وأهمها مخيم اليرموك، الذي يعتبر بمثابة عاصمة للاجئين الفلسطينيين.

بعد ذلك، حاول النظام تجنيد الفلسطينيين لمصلحته ضد الشعب السوري، من خلال إثارته النعرة بين مخيمات وجوارها، من خلال أزلامه الذين راحوا يبثون روح الكراهية والعصبية، بين أهالي المخيمات والمناطق المجاورة. وعندما فشل ذلك، في مخيم اليرموك مثلاً، حاول توظيف القضية الفلسطينية على جاري عهده، كورقة ابتزاز ومساومة، من خلال تشجيع الشباب على الذهاب إلى الحدود مع هضبة الجولان (في ذكرى 5 حزيران/ يونيو 2011)، التي ظل يمنع السوريين من الذهاب إليها، حتى بعد استعادة مدينة القنيطرة (1973)، وذلك لاقتحام الحدود بدعوى “مسيرة العودة”، في محاولة لتوظيف مسيرة العودة التي جرت في ذكرى يوم النكبة (أيار/ مايو 2011)، حيث تمّ التضحية بـ21 شاباً فلسطينياً وجرح المئات، وهو ما أثار غضب الفلسطينيين، لا سيما في مخيم اليرموك، وأدى إلى اندلاع هبّة شعبية في المخيم في اليوم التالي، إبّان التشييع، ضد النظام وضد أعوانه في الفصائل الفلسطينية الموالية. 

بناء على ذلك، فإن ما يحصل اليوم وتحت ستار المخطط التنظيمي إنما هو محاولة لتصفية مخيم اليرموك، كشاهد على نكبة الشعب الفلسطيني، في إطار محاولات تصفية قضية اللاجئين، وتصفية حق العودة، بعد تفريغه من سكانه، وتدمير أجزاء كبيرة منه، وهو الأمر الذي حصل بعد خروج المسلحين منه، وهي قصة يعرفها الفلسطينيون أصحاب المخيم. هذا ما يفعله حتى اليوم النظام الذي يتشدق بالمقاومة والممانعة، وبالقضية الفلسطينية، التي هي بالنسبة إليه مجرد مطية يريد الاستمرار في ركوبها لإضفاء شرعية على سياساته، وللحفاظ على سلطته، وتسلطه على السوريين. 

*ملاحظة: هنا موقف قديم للقيادة الفلسطينية (3/8/2012) تحيل فيه المسؤولية عن أحداث مخيم اليرموك إلى النظام السوري، والجبهة الشعبية، القيادة العامة (زعيمها أحمد جبريل).