الرئيسية / home slide / سيرة القدّيسين في ديوان الزجل اللبنانيّ لنجيب بولس كرم

سيرة القدّيسين في ديوان الزجل اللبنانيّ لنجيب بولس كرم

19-06-2022 | 13:17 المصدر: “النهار”

أيقونة للقديس مارون.

يوسف طراد

صحيحٌ أنّ الكتاب الصّالح، يُحيل عقل القارئ إلى البّرّ النّقيِّ. فيا لها من نِعَمٍ! قلادة الإبداع وُهبت للشعراء، فكيف إذا كان بوح الشاعر زجلًا لبنانيًّا، وقد ترجم عن سنكسار الطقس المارونيّ، بلغة الروح، سيرة حياة أربعمئة واثنين وثمانين قدّيسًا؟

“السنكسار ب#الزجل اللبنانيّ سيرة حياة القدّيسين” ديوانٌ ل#نجيب بولس كرم، كتبه بالزجل اللّبناني، فجاء فيضًا من الأشعار. لكلّ يوم من أيام السنة قصائد بعدد تذكارات أعياد القدّيسين فيه، بدءاً بتذكار ختانة ربنا يسوع المسيح في الأوّل من شهر كانون الثاني، وانتهاءً بتذكار القدّيس (زوتيكس) الشهيد في الحادي والثلاثين من شهر كانون الأوّل. وقد أضاف الشاعر في نهاية الديوان، ستّ قصائد لحياة قدّيسين غير مذكورين في السنكسار التابع للطقس المارونيّ، وهذه أسماء عناوينها كما وردت: “القدّيسة الأم تريزيا، معجزة القرن العشرين القدّيس بادري بيو، القدّيس البار إسطفان نعمة، القدّيس اللّبنانيّ شربل مخلوف، القدّيس الأب أغناطيوس داغر والقدّيس يعقوب الكبّوشي”

محالٌ، أن يصدر عن الشعر الذي يترجم المحبّة غير أفعال حبٍّ، فمن أدرك قصيَّ الإيمان، تلَت قصائده، صلاةً وشكرًا للربِّ على نعمة عطائه التي تجلّت في قدّيسيه. فكان بوح نجيب كرم توق عابدٍ متصوِّفٍ، سامر وجه ربّه، في فضاء عجائب القدِّيسين الّذين زرعوا ربيع الأمل في صحارى العقول.

وأنت تقرأ الدّيوان، تساورك نفسك بالعودة إلى النّصوص النّثريّة في سنكسار الطقس المارونيّ. ليس بهدف معرفة مدى تطابق القصائد مع روح النّصوص، بل من أجل الاغتناء الإضافيّ من ضيائها. فتجد روح القصائد مطابقة لروحية حياة كلّ قدّيس، تمّ وصفها في قصيدة، فيتأكّد لك أنّ هذا الديوان كافٍ ووافٍ، وخاصًة إذا كان القارئ محبًّا للزجل الروحانيّ. وعلى سبيل المثال لا الحصر: مطلع المقال المخصّص ليوم التاسع من شهر شباط تذكار القدّيس مارون حسب وروده في سنكسار الطقس المارونيّ: “اليوم التاسع، تذكار ابينا المعظّم القديس مارون: أشرقت أنواره على جبال قورش شمال سورية، فهدَت النفوس إلى الحقّ، يوم كانت البدع تعيث فساداً في تلك الأنحاء.

أبو الطائفة المارونيّة ورافع لواء إيمانها مدى الأجيال”، تجده مطابقًا لما ورد في الديوان (الصفحة ٤٢): “اليوم التاسع: تذكار أبينا المعظّم مارون

من جبال سوريا سطع بدر الكمال/ بإيام أهل الشرّ فيها سيطروا

الله بعت قدّيسنا وكان المثال/ للطايفة اللي بتتبعو وبتقدّرو

للتقشّف، للتقى، لأفضل خصال/ واعظ قدير ومين قادر ينكرو

ناسك حكيم تخصّص بمطلق مجال/ يشفي الجسد، أعمى البصيرة ينوّرو

هوّي شفيع الطايفي وحامي العيال/ رافع لوانا، بكل ديره، بنشكرو”.

كانت أيام، وكنّا نجلس في صغرنا أمام (قرّاية) الكنيسة، وفي كلّ يومٍ خلال القدّاس، كان أحد كبار السنّ ممّن يتقنون الحرف السريانيّ، يتلو على مسامع المؤمنين فصلًا من كتاب السنكسار، وكان ينطق باللغة العربيّة. فالمعلوم أنّ نصوص السنكسار القديم كانت عربيّة، لكنّها مكتوبة بالحرف السريانيّ، وتدعى هذه الحالة “الكرشوني”. وقد لجأ الرهبان التابعون للرهبانيّة اللبنانيّة المارونيّة إلى حالة الكتابة هذه في أيّام الحكم العثمانيّ، لأنّ العثمانيين أرادوا تتريك المجتمع، فكان للرهبان الفضل الكبير في نسخ النّصوص العربيّة بالحرف السريانيّ، وحفظها وإعادة كتابتها بالحرف العربيّ عند زوال الحكم العثمانيّ. وقد كُتب السنكسار مؤخّرًا بحرف لغة الضادّ. وها أنّ نجيب كرم كتبه بالزجل اللبنانيّ. فأصبح للسنكسار ثلاثة أشكال: الكرشونيّ، والعربيّ الفصيح، والزجل العامّيّ.

للشاعر كرم ديوانٌ بعنوان “سفر التكوين وإنجيل ربّنا يسوع المسيح للقدّيس متّى بالزجل اللبنانيّ” وقد صدر في العام ٢٠٠٦، وقدّم له في حينه المطران فرنسيس البيسري، النائب البطريركيّ العام على منطقة الجبّة. لكنّ ديوان “السنكسار بالزجل اللبنانيّ” الذي أنهى كتابته كرم بتاريخ ٢٥/ ١٢/ ٢٠١٢ لم يُطبع بعد، في انتظار دار نشر يتبنّى طباعته. المشترك بين الديوانين، هو حضور فكر الشّاعر المتّقد، وتحويله النثر شطور محبّة حبرها حفيف روح، وزهو إيمان منثور على وجنات الأيّام المترامية عبر الزمان، فأصبح اللّاهوت رحيق قداسة في فسحة فكر خضراء.

إذا كان المطران جبرائيل بن القلاعي (١٤٤٧- ١٥١٦) قد فصّل حقبة من تاريخ الموارنة بقصائد زجليّة، وكان له مؤلّفات عديدة في هذا المضمار، عالجها بمزجه النثر بالشعر نذكر منها: “كتاب الإيمان، كتاب علم الإلهيّات، كتاب الناموس، وكتاب مجاميع قول من الأحبار قدّوسين” وغيرها من المؤلّفات العديدة. وقد خصّ الواقعة التي جرت عام ١٣٠٢م، والتي انكسر فيها المماليك أمام المقدّمين الموارنة بقصيدة طويلة، ذكر فيها حيثيّات المعركة، وجميع المقدّمين الذين شاركوا فيها، وأحصى جميع الغنائم وكيفيّة توزيعها، وكانت مؤلّفاته مرجعًا للباحثين عن حقبة مفقودة من تاريخ لبنان، فنجيب كرم دوّن سفر التكوين وإنجيل ربّنا يسوع المسيح للقدّيس متّى شعرًا زجليًّا فلسفيًّا عميقًا في ديوان حوى ٢٨٦ صفحة، وأتبعه بديوان آخر بعنوان “السنكسار بالزجل اللبناني سيرة حياة القدّيسين”، فكان هذان الديوانان عصارة إيمان قلب صافٍ ومرجع لكلّ من يحبّ الخلطة السحريّة بين الإيمان والقداسة والتاريخ والزجل.

على مدى ٤٦٢ صفحة -هي عدد صفحات الديوان- تتتابع الأيّام، وتتأنّق القصائد برداء الفرح المتورّد بملامح القداسة، كأنّها ترسم أقدارنا الحائرة على صفحات بؤس الأيّام، وتقودنا بعد ضلال إلى فردوس الموعودين.