اخبار عاجلة
الرئيسية / home slide / سيرة ابن خلدون… من البداوة إلى اكتشافه في القرن التاسع عشر

سيرة ابن خلدون… من البداوة إلى اكتشافه في القرن التاسع عشر

 محمد تركي الربيعو
القدس العربي
12022022

بعيد الانتفاضات العربية، أعاد بعض القراء والمثقفين العرب الاهتمام بقراءة ابن خلدون وبعض أفكاره حول العصبية، لتفسير ما يجري في المنطقة، وبالأخص بعد الانتكاسات التي عاشتها، وربما تزامن هذا الاهتمام أو ترافق مع ترجمة بعض الكتب التي كانت تستخدم الخطاطة الخلدونية لفهم تواريخ بعض الدول وبالأخص سوريا، التي ستعرف ترجمة كتابين آثارا اهتماماً متفاوتاً.
الأول، كان للباحث السويسري ليون غولد سميث وتناول فترتي الأسد الأب والابن، من خلال أطوار ابن خلدون، فالأب جاء ليؤسس لعصبية العلويين في السلطة، بينما جاء الابن بعده ليفكك هذه العصبية (2000-2010) ويقطع مع إرثه البدوي (الريفي) ويؤسّس لجيل مترف آخر في السلطة (النيوليبرالية) قبل أن تأتي مرحلة الانحدار التي عرفتها سوريا بعد عام 2011، ليؤكد سميث أنّ ما يسير في البلاد عن صوابية ما تحدّث به ابن خلدون من انهيار السلالات بعد تمدّنها. وهو بذلك كان يفرض نوعاً من القراءة والسوسيولوجيا الكسولة أو التنبؤية على القراء والباحثين، الذين عليهم انتظار تحقق النبوءة، وتتمثّل في سقوط الأسد (صدر كتابه في 2015).
أما الكتاب الثاني الذي أعاد الحديث عن ضرورة الاستعانة بابن خلدون، فهو كتاب ميشيل سورا (الذي سبق سميث) بعد ترجمته للعربية والذي تناول فيه رؤية ابن خلدون (وبالأدق نسخة مطورة من ابن خلدون شكلها أرنست غلنر) لفهم بدايات تأسيس النظام السوري في الثمانينيات واستمراره بوصفه نظاما سلطانيا قامت به عصبية مارست العنف لاستمرار الحكم. وقد دفع هذا اللجوء لعبارات ابن خلدون ببعض الباحثين والمثقفين العرب والغربيين إلى ضرورة مراجعة التحليل الخلدوني هذا، لفهم ما حدث في سوريا أو غيرها مع البلدان العربية مع عودة العسكر. واذكر هنا مثالا كتاب الفرنسي جوليان لوازو «المماليك» الذي كشف فيه عن صورة أخرى لهؤلاء المقاتلين، لا تقوم فقط على العسكرة، وفرض العنف وعدم الاستقرار (الانقلابات) وإنما تظهر المدينة معهم وهي تعيش في فترة ازدهار معرفي وثقافي. كما نرى هذا القلق من التحليل الخلدوني للواقع العربي المعاصر في كتاب عزمي بشارة «الطوائف المتخيلة» الذي خصص فيه فصلا لنقاش أفكار سميث وسورا، إذ يرى بشارة أنّ الدولة الحديثة ليست سلالة حاكمة ترتكز على عصبية متغلبة، بل هي كيان سياسي، وإنّ ما وقع فيه كلا الباحثين إهمالهما دراسة مؤسسات حديثة مثل الجيش والمنظمات والقوى الحزبية والاجتماعية، التي سيطرت على الدولة، وهي من أعادت إنتاج العصبية وليست العصبية من جاء بها، وهذا ما نراه في حالة حافظ الأسد، الذي استفاد من عدم طائفية حزب البعث وهيمنة الفكر العروبي مع التوجه اليساري، وليس من خلال وجود مجموعة علوية تآمرت وفعلت ذلك، وبالتالي جاء بناء العصبية الطائفية بعد وصوله للسلطة، من باب إدارة عملية بقائه وهو ما يخالف الرؤية الخلدونية التقليدية.
وفي السياق ذاته المهتم بإعادة قراءة أفكار ابن ومدى انطباقها على واقعنا، نعثر على كتاب ترجم قبل أيام للعربية بعنوان «ابن خلدون.. سيرة فكرية» مركز دراسات الوحدة العربية، ترجمة عبد الله العمري، للبريطاني روبرت أروين (صدر بالإنكليزية عام 2019 عن جامعة برنستن) والمؤلف هو مؤرخ متخصص بالتاريخ المملوكي في سوريا ومصر، وله دراسات أيضا حول مخطوطات ألف ليلة وليلة في هذه الفترة. ويحاول في هذا الكتاب السيرَ بنا نحو دراسة الظروف التي كانت تحيط بابن خلدون أثناء إعداده للمقدمة، وكيف أثّرت في صياغته لأفكاره العامة، كما يحاول اكتشاف إلى أي حد كانت أفكار ابن خلدون وسرده التاريخي يعكس الواقع الذي كان يعيش فيه هذا الرجل، ويخصّص الفصل الأخير لدراسة إعادة اكتشاف ابن خلدون في القرنين الأخيرين، وكيف ظهر بوصفه مؤسس علم الاجتماع، والشخص الذي سبق ماكس فيبر وماركس في اكتشاف بعض القوانين الاجتماعية والاقتصادية، وهذا ما يراه المؤلف أمرا مبالغا فيه، فابن خلدون، لا يمكن فهم أفكاره إلا من خلال العودة للإحاطة بزمنه والأفكار التي كانت سائدة آنذاك، كما أنّ المجتمعات المعاصرة قد تبدو متشابهة للوهلة الأولى، ونحن نقرأ تاريخها، لكن هذا التشابه مضلل بعض الشيء، فلا يمكننا فهمها دون نسيان الزمن المعاصر، والتفكير بتبعات غيابه، وفي حالة أفكار ابن خلدون يبدو أحيانا لبعض المتحمسين لتطبيق نظريته، وكأنّ هذه البقعة من العالم لم تتغير منذ سبعة قرون وأكثر، وأن الفضاء السياسي لم يعرف ولادات أشكال أخرى من المؤسسات الاقتصادية والسياسية.

تنقّل ابن خلدون في فترة شبابه من مدينة إلى أخرى، ومن حاكم إلى آخر، وتبوأ عدة مناصب إدارية، كما عمل كاتبا وكتب في المقدمة بإسهاب عن الصفات التي ينبغي أن تتوافر في الكاتب، إذ ينبغي أن يكون أسلوبه الأدبي جيدا، وعلى اطلاع معرفي واسع، وخلال فترة شبابه عمل بالقرب من السلطات في تونس، حتى انتقل سنة 1354 إلى مدينة فاس الإمبريالية، حيث عمل بحماسة في البلاد وكان وزيرا للسلطان لبضع سنوات. تبدو حياة ابن خلدون في هذه الفترة غير مستقرة، وربما تمثّل التطور المهم في حياته خلال هذه الفترة، في التعرف على لسان الدين محمد ابن الخطيب 1313-1374، الذي كان معروفا في زمنه أكثر من ابن خلدون، كما كان أكثر إنتاجا وشهرة، وقد اعتقد ابن الخطيب أنّ التاريخ مصدر للأمثلة الجيدة وقال إنه لولا التاريخ لماتت الفضيلة مع أصحابها، وكتب التاريخ بأسلوب شيق وجميل، وكان يستشهد بالشعر في كتاباته التاريخية، خلافاً لابن خلدون، الذي بدا مهتما بالقوانين العامة التي تحكم مجرى التاريخ. وقد وجد ابن الخطيب أنّ جميع السلالات الحاكمة تقع في الفساد والجشع والطموح على المدى البعيد، فالتاريخ حلقة مفرغة من الصراع على الحكم، ونظر ابن الخطيب، الذي كان ارستقراطيا متشائما ومتعجرفا إلى الجماهير باشمئزاز. وفي عام 1362 وعلى الرغم من عودته لاحقا لتونس وحصوله على منصب في البلاد، لكن ابن خلدون، كما يذكر، حاول التعافي من إغراء العمل السياسي والتفرغ للقراءة والتدريس، لكنه وجد نفسه منجذبا للسياسة مجددا، فحاول التوسط بين الحفصيين وبعض القبائل من العرب والبربر. وقد قُتِل صديقه ابن الخطيب لاحقا في المغرب، ولاقى أخاه الأصغر مصيرا مشابها سنة 1378، وفي هذه الفترة نرى أنّ حكاية التقلبات والصراع والنفي والاغتيال هي التي طغت على حياة الرجل، وستبدو السلطة بالنسبة له، كما تلاحظ باتريسا كرون، مجرد حكومة ضعيفة وظالمة لا يمكنها إنجاز الكثير، وهي ظالمة لأنها تضحي بسهولة بحياة مرؤوسيها وأملاكهم، من أجل البقاء في السلطة، ومما يبدو أنّ هذا الإخفاق دفعه إلى كتابة المقدمة، كي يفهم سبب إخفاقه السياسي، ويمكننا مقابلته من هذه الزاوية بمكيافيلي الذي لعب دوراً فاعلاً في السياسة، وكتب في التاريخ بعد إخفاقه في عالم السياسة، وقد خصص بضع صفحات من المقدمة لشرح أسباب عدم نجاح العلماء في عالم السياسة، فيقول إنّ ميولهم نحو التفكير المجرد والتعميم والبحث عن التشابهات قد عزلهم عن الحقائق التفصيلية للأوضاع السياسية.

أثناء اعتزاله في قلعة بني سلامة بعيدا عن المكتبات لأربع سنوات، كان عمره خمسة وأربعين عاما، وخلال هذه الفترة يبدو أنّ مشاهدة قبيلة عريف وهي تدير شؤونها وترعى قطيعها وماشيتها، أعطت بديلا محفزا لقراءة مزيد من الكتب. ومما لا شك فيه أنّ رجال القبائل وتأثيرهم في نشأة أنظمة الحكم في شمال افريقيا، وسقوطها له دور مركزي في نظرة ابن خلدون إلى التاريخ، وعلى الرغم من نشأته في بيئة مدنية، اكتسب خبرة عملية في المناطق النائية، وأصبح خبيرا في التفاوض مع رجال القبائل العربية والبربرية، ولذلك عندما كتب عن البدو لم يكن بعيدا عن الواقع اليومي لهم، بل كتب بعد أن خبرهم وعاشرهم جيدا. لكن هذا لا يعني أن استنتاجاته حول البدو يمكن تطبيقها في كل زمان ومكان، إذ يذكر مثلاً أنه على الرغم من نقص القمح لدى سكان الصحراء، كانوا يتمتعون بصحة أفضل وشخصية متكاملة أكثر من سكان المرتفعات، الذين يتوافر لديهم كل شيء، فبشرة وجوههم أنقى وأجسامهم أنظف ويتمتعون برشاقة، بينما لاحظت بعض الدراسات الأنثروبولوجية المعاصرة، دونالد كول مثلا في قراءته لبعض القبائل العربية، أنّ البدو يعانون من سوى التغذية وفقر الدم، وأنّ أجسامهم لم تكن بصحة جيدة.

لم يؤسس ابن خلدون لمدرسة تاريخ من مؤرخين خلدونيين، ونسي الناس عمله في العالم العربي، وحاول ليون الافريقي بعد أن سجنه القراصنة وتنصر في إيطاليا تقديم ابن خلدون، لكنه أخفق في هذه المهمة.

عصبية ابن خلدون

تقول الفكرة الأساسية في مقدمة ابن خلدون إنّ المجموعات القبلية تكوّن نوعا من التضامن الجماعي، وهذا ما أعطى القبائل التي تمتلك ذلك ميزة عسكرية تتيح لها الحصول على السلطة، لكن رجال القبائل وبعد ثلاثة أجيال يفقدون عصبيتهم ويصبحون متحضرين، ما يستوجب على القائد فرض ضرائب باهظة من أجل أن يدفع لجنود آخرين، وهذا يؤدي إلى مزيد من المشاكل، وظهور قبائل أخرى. ويحلل الأنثروبولوجي أرنست غلنر هذه الدورة الأبدية كما يلي: «إن القبيلة بديل للدولة وصورة لها أيضا.. هي حدها وبذرة دولة جديدة». وهنا يجري آرون مقارنة بين ابن خلدون مع إدوار غبن، الذي بين في كتابه «تاريخ سقوط الامبراطورية الرومانية وانهيارها» أنّ الهمجية والدين هما سبب سقوطها، بينما يرى ابن خلدون أنّ الهجمية والدين هما أساس قيام الامبراطورية (الدين يدعم العصبية) وبالتالي نكتشف وفق ما يراه المؤلف، أن نظرية ابن خلدون تنطبق على الفترة الإسلامية المبكرة، فقد بدا معجبا بلباس عمر بن الخطاب المتقشف (البدوي) إضافة إلى تاريخ شمال افريقيا في العصر الوسط.
يبدو أنّ التشاؤم من صفات النظريات الدورية للتاريخ، وقد تأكد في حال ابن خلدون، عبر ما رآه في الإخفاقات المتتالية لعدة سلالات حاكمة لتوحيد بلاد المغرب، إضافة إلى اغتيال أخيه وصديقه ابن الخطيب وربما من ذكرياته عن الطاعون.

في أرض المماليك

في عام 1382 أجبر ابن خلدون على مغادرة تونس واتجه إلى القاهرة، ما مثل مرحلة انتقال من حالة ركود ثقافي إلى مدينة كانت تعرف بكونها العاصمة الثقافية للعالم الإسلامي. وكان للقاهرة سحر جذاب خاص للعلماء، حيث المدارس والأوقاف، وفي العبر سيصف ابن خلدون المماليك بوصفهم هدية من الله لخلاص الإسلام فقد دخلوا الإسلام بعزائم إيمانية لم تدنسها عوارض الحضارة والترف، وهي قراءة تتوافق مع أفكاره عن العصبية القبلية، وقد عينه السلطان برقوق سنة 1387 مديرا للخانقات الظاهرية الجديدة، كما طلب السلطان من حاكم تونس إرسال عائلته إلى القاهرة، لكن زوجته وبناته الخمس سيغرقن مع السفينة التي كانت تقلهن إلى الإسكندرية. وفي هذه الفترة سيكتب في المقدمة (التي تضاعفت صفحاتها بعد قدومه من تونس) إنّ مصر وسوريا المملوكيتين خاليتان من الشعور القبلي والعصبي، وهذا كلام يبدو، كما يرى مؤلف الكتاب، غير دقيق وبالأخص مع الدور القيادي، الذي أدته القبائل العربية والتركمانية والكردية في الحرب الأهلية، التي اندلعت سنة 1389 مثل دور قبيلة بني فضل التي وقفت إلى جانب الأمير يلبغا ضد برقوق، قبل أن يقوم الأخير لاحقا باستدعاء قبيلة هوارا البربرية المستعربة من أعالي مصر، مع ذلك نراه يتجاهل هذا الجانب. وعن لقائه بالغازي تيمورلنك، يفسر المؤلف سبب إصرار ابن خلدون على هذا اللقاء من باب اهتماماته في عالم البداوة، ودور البدو في تشكيل الدول الجديدة، ولذلك شكل له وجود تيمورلنك فرصة ومختبرا جيدا لدعم والتأكد من نظريته.
مما يلفت النظر في سيرته أنّ ابن خلدون لم يحظ بشعبية ومحبة لدى النخبة المدنية المصرية، وكان لديه مريدان فقط أولهم المقريزي، الذي لم يتمكن من الحصول على رعاية السلاطين اللاحقين، ما جعله يقدم في كتاباته اللاحقة صورة ساخطة عن حكم المماليك، فوصفهم بالشهوانية التي تزيد عن شهوانية الحمير، والثاني هو محمد بن عمار 1367-1441 وهو أستاذ الفقه المالكي في القاهرة، بينما نرى أنّ ابن حجر العسقلاني اتخذ موقفا أكثر نقدا 1372-1449 فرغم أنه اعترف بأنّ محاضراته جيدة، لكنه يشبه الجاحظ لدرجة أنّه يحول الأكاذيب إلى حقائق، كما اتهمه بجهله في تاريخ بلاد المشرق الإسلامي، كما يبدو أنه كان ميالا إلى الغضب السريع، وعندما عين قاضيا لم يكن يقبل المجاملة والحلول الوسط لدرجة أنّ الناس لقبوه برأس الحربة، كما رفض ارتداء اللباس الرسمي للقاضي المصري واستمر بارتداء البرنس المغربي ..

اكتشاف ابن خلدون

لم يؤسس ابن خلدون لمدرسة تاريخ من مؤرخين خلدونيين، ونسي الناس عمله في العالم العربي، وحاول ليون الافريقي بعد أن سجنه القراصنة وتنصر في إيطاليا تقديم ابن خلدون، لكنه أخفق في هذه المهمة. وكان الأتراك العثمانيون قد أبدوا اهتماما بمقدمته، وبالأخص بعيد القرن السادس عشر، إذ نشأت شكوك حول استمرار حكمهم، ووضع حاجي جلبي في القرن السابع عشر مذكرة وضعت الخطوط العريضة لحياة الأنظمة الحاكمة وصعودها وركودها وسقوطها على النمط الخلدوني، لكن التطور أو اعادة اكتشافه ستجري في القرن التاسع عشر مع الأوروبيين. وهنا يدرس المؤلف كل ما كتب تقريبا عن ابن خلدون في القرنين الأخيرين لدى الألمان والبريطانيين والفرنسيين وكيف أعيد تأويل كلامه، ولذلك فهو فصل يستحق أن تخصص له مقالة أخرى لفهم كيف أعيد اكتشاف كتاباته، وكيف وظفت في فهم ما يجري في العالم العربي في القرن التاسع عشر إلى يومنا هذا.

كاتب سوري