اخبار عاجلة
الرئيسية / home slide / سيرة آل الأتاسي… فصول من تاريخ مدينة حمص

سيرة آل الأتاسي… فصول من تاريخ مدينة حمص

 محمد تركي الربيعو
القدس العربي05022022

في السنوات الأخيرة، ومع استقرار أعداد كبيرة من اللاجئين السوريين في مدينة إسطنبول التركية، حاول عدد من الباحثين والمهتمين بتاريخ المدن السورية إعادة قراءة تاريخ هذه المدن، من خلال أوراق وسجلات الأرشيف العثماني. وعلى الرغم من أن القسم الأكبر من هذه المحاولات جاء من خارج الوسط الأكاديمي، وفي الغالب قام بها باحثون مستقلون، وأحيانا دون دعم واضح، أو عبر دعم بعض الجهات الأهلية، إلا أنّ ما يحسب لبعض هؤلاء الباحثين اجتهادهم في سنوات قصيرة في تعلم العثمانية والتركية، وأيضا في الكشف عن وثائق حول واقع المدن السورية، في فترة العثمانيين، وهي فترة مهمة على أكثر من صعيد، بسبب طول الفترة، وأيضا لأنّ شكل المدن القديمة وضبط السجلات، التي بقيت بعض أجزائها قائمة بُعيد خروج العثمانيين، كان قد تأسس في هذه الفترة، أو على الأقل القسم الأكبر من معالمها. وقد ساعدتنا هذه الجهود على الخروج أحيانا مما يراه بعض الباحثين هيمنة المدن التاريخية الكبرى، على صعيد كتابة تاريخ المدن في سوريا، وأذكر هنا بالأخص مدينتي حلب ودمشق، وهذا أمر مفهوم ومبرر في ظل الدور الذي لعبته هذه المدن، لكن بعد اندلاع الحرب في سوريا، ودمار أقسام كبيرة من المدن، كان هناك شعور بضرورة البحث في تواريخ المدن السورية الأخرى. وفي حالة إسطنبول، يلاحظ في هذا الصدد اهتمام بعض الباحثين بجمع أرشيف وصور ومعطيات عن واقع مدن مثل دير الزور وحمص في الفترة العثمانية.
ومن بين الكتب المهمة التي صدرت في هذا السياق كتاب الباحث السوري فارس الأتاسي «آل الأتاسي في العهد العثماني» الصادر عن جمعية الأتاسي الاجتماعية في تركيا، وهي جمعية تأسّست منذ عدة أشهر وتهتم بجمع وإقامة بعض النشاطات الثقافية والاجتماعية، مع التركيز على جمع تراث حمص. وأول ما يلفت النظر، أنّ الباحث ليس من أصول أكاديمية صرفة، وإنما هو مهندس، وله اهتمامات بنشر وثائق حمص في السجلات العثمانية، وتحقيق مذكرات ستصدر قريبا للشاعر والطبيب الحمصي عزت الجندي 1882 ـ1915، مع ذلك، بذل الأتاسي جهدا استثنائيا في هذا الكتاب، سواء على مستوى جمع وترجمة وإعادة قراءة مئات الوثائق والمخطوطات التي تتعلق بتاريخ العائلة في الأرشيف العثماني، وهو أمر لا نعثر عليه في ما كتب عن تاريخ هذه المدينة سابقا. ورغم أن فكرته تدور حول جمع تاريخ العائلة، التي ينتمي إليها الباحث، بيد أنّه تمكن من تجاوز هذا البعد الشخصي ووضع هذا التاريخ العائلي في سياق تاريخ محلي وإقليمي أوسع عرفته حمص على امتداد القرون الأربعة الأخيرة، ما مكّنه من تقديم سرد ممتع وغني حول التطورات الاجتماعية والسياسية التي عرفتها مدينة حمص خلال الفترة هذه. لكن ذلك لا يعني بالمقابل أن الباحث لم يقع في تأويلات عائلية متسرعة أحياناً، أو يهمل التراكم الجاري في حقل الدراسات العثمانية الذي يسير فيه، وبالأخص عندما ناقش موضوع المركزية واللامركزية العثمانية، لكن ذلك لم يقلل من جدية البحث في الأرشيف العثماني، الذي بذله الباحث وساهم من خلاله في تعريفنا بفصول عديدة من تاريخ حمص.

 الأتاسيون.. عمامة وجلباب

عادة ما عرف آل الأتاسي في تاريخ سوريا المعاصر، من خلال دورهم السياسي، ولاسيما (هاشم الأتاسي، نور الدين الأتاسي، جمال الأتاسي) لكن من الأفكار الأساسية في الكتاب أنه يكشف أن تاريخ العائلة في الأساس هو تاريخ ديني، وإنه لبداية القرن العشرين تقريبا كانت العائلة تعرف من خلال دورها الديني، وبالأخص من القرن 16 ـ 19 قبل أن تأتي فترة التنظيمات، ليلتحق بعض أبنائها بالمدارس والأجهزة البيروقراطية الجديدة. وعلى صعيد البدايات، يرد اسم العائلة في عام 1450 من خلال الشيخ إبراهيم بن الشيخ أحمد الأطاسي (الأتاسي) إمام قلعة شيزر شمال غرب حماة، وهو أقدم فرد نعرفه، ويبدو أن العائلة ستنتقل لاحقا إلى مدينة حمص وستخصص لها بعض الأوقاف. ومع قدوم العثمانيين نعثر في سجلات هذه الفترة المبكرة على محلة باسم الشيخ أحمد الأتاسي حفيد الشيخ علي، وما زالت تلك المحلة قائمة إلى اليوم باسم حارة المفتي.
وفي هذه الفترة، يظهر العديد من السجلات أنّ العديد منهم عمل كرجال دين، كما يبدو أنّ بعض الأفراد عملوا في التدوين، وهذا ما يفسره الباحث بكونه تتمة لمفهوم الإرث العلمي، ولعل بعضهم جمع بين الإمامة والنسخ، لكن التطور الأهم سيكون مع تولي أبناء العائلة لمنصب مفتي المدينة، خاصة أن بعدهم المذهبي الحنفي، قد سهل من ذلك مع قرار العثمانيين تبني هذا المذهب. وقد بدأ هذا الظهور مع اللقاء الذي جمع بين السلطان سليمان في حلب، والشيخ شهاب الدين أحمد الأتاسي، إذ أعطاه السلطان منصب الإفتاء في حمص كأول مفتٍ في المدينة والعائلة.
في القرنين السابع عشر والثامن عشر، نرى في حمص، من خلال الدفاتر المهمة الموجودة في الأرشيف العثماني، وهي دفاتر نعثر فيها على نظرة الإدارة المركزية العثمانية تجاه المدن العثمانية، أنّ ثلاثة هموم بقيت تحكم رؤية المركز للمدينة؛ البدو ودور التركمان وطريق الحج. فقد أذاق البدو أهل المدينة الأمرين بعمليات القتل والنهب والتخريب، كما فرضوا الضرائب على القوافل، أما موضوع التركمان فقد تمثل في إسكانهم خارج سور حمص من جهة باب دمشق، الذي سمي لاحقا بباب التركمان، من أجل إعمار واستصلاح الأراضي ولحماية طريق الحج المار بحمص، وبالفعل تم إسكان 22 عشيرة تركمانية عام 1693 لكن هؤلاء كانوا يتمردون أحياناً على الدولة، كما حصل في عام 1711 عندما أعدم زعماؤهم بسبب فسادهم، حين خرج حاكم حماة وحمص إسماعيل الريحاوي لتأديب التركمان.


ومما يحسب للباحث في هذه الفترة أنه لم يعتمد على الأرشيف العثماني وحسب، بل سيعتمد أيضا على مصادر محلية، مثل يوميات السيد محمد المكي، الذي سجل حوادث مدينة حمص بشكل شبه يومي بين 1688-1723، إذ تبدو المدينة، وفقاً للمكي، مكونة من نخب عسكرية متعثمنة وممثلين مثل آل سويدان وزعيمهم إبراهيم آغا وبعض الآغاوات مثل، آل دندش ووجهاء محليون مثل رجال الدين ومشايخ الكار والتجار الكبار ومن العامة، وفي هذه الفترة ستبرز عائلة السباعي كمنافسة للأتاسيين على منصب الإفتاء الحنفي، وأهم رجالها كان الشيخ عبد الفتاح السباعي، ويلاحظ الباحث في هذه الفترة أنّ تقارباً حصل بين الأتاسيين (رجال الدين) وإبراهيم آغا (العسكر) عبر زواج الأخير من خديجة الأتاسي بنت المفتى، ما جعل هذا التحالف يستمر بشكل قوي بين النخب المحلية والعسكرية. لكن بعد عشر سنوات وأكثر قليلا، أي في بدايات القرن الثامن عشر، ستشهد المدينة خلافات بين الطرفين، لكن عامل القرابة لن يلعب دورا كافيا، إذ سيتحالف الشيخ علي الأتاسي هذه المرة مع فياض بك، ليذهب بعدها طالبا النجدة من والي طرابلس الشام، الذي هاجم إبراهيم آغا.

نلاحظ كيف كان الصراع على النفوذ في المدينة، يظهر من خلال مخططات العمران الحضري الحديثة.. لاحقا مع رحيل العثمانيين سيبقى للعائلة دور ديني، كما نرى من خلال سيرة طاهر الأتاسي، مع ذلك نلاحظ أنّ القسم البيروقراطي من العائلة هو من سيتقدم المشهد لاحقاً ليلعب دورا في تاريخ سوريا المعاصرة.

ويمكن القول إنّ فترة القرن السابع عشر تميزت بثلاث نقاط على صعيد العائلة وحمص؛ الأولى استمرار دورهم الديني، والثاني دخولهم على خط الصراعات على إدارة المدينة، والثالثة أنّ حمص تبدو في هذه الفترة أقرب إلى طرابلس الشام، وهذا الأمر سيتغير في القرن الثامن عشر مع قدوم آل العظم في حمص، ولاحقا دمشق، والذين جاؤوا بآل الجندي إلى المدينة، وهم في الأساس آغاوات من المعرة، موطن آل العظم، وكان أول ظهور لهم من خلال زعيمهم السيد محمد بن أحمد الجندي، الذي تسلم حكم قلعة تلبيسة، وتولى لاحقا حكم حمص في ظل حاكمية آل العظم، ويبدو أن هذه التطورات، انعكست سلبيا على دور عائلة الأتاسي، وهذا ما بدا من خلال الصراع الذي نشب بين أسعد باشا العظم خلال توليه حكم حمص وحماة، والشيخ إبراهيم بن علي الأتاسي (1710ـ 1782) الذي أدى إلى عزل الأخير من منصبه ليستقر به الحال مفتياً لطرابلس، فشغل ذلك المنصب حتى وفاته. وقد استمر إرث العائلة في طرابلس، من خلال ابنه الشيخ ياسين الأتاسي، وعاد أحفاده ليسكنوا في حي باب الدريب بخلاف بقية آل الأتاسي الذين سكنوا في الغالب ضمن حارة المفتي.
ومع النصف الثاني من القرن الثامن عشر، ستشهد ولاية سوريا تطورات عديدة، تمثلت في حركة الظاهر العمر، ولاحقا الاجتياح النابليوني لمصر في عام 1798، ويرى الباحث إننا كنا أمام إعادة مركزة عثمانية، وهذا ما بدا من خلال تجنيد الأهالي؛ وفي هذه الفترة سيعود الأتاسيون للعب دور في حمص (مع بدايات القرن التاسع عشر) من خلال عبد الستار بن إبراهيم، الذي سيعود من طرابلس إلى حمص ليتولى منصب الإفتاء في بدايات هذه الفترة، وهنا سيلعب دورا في قيادة بعض الأحداث في المدينة وأهمها مقتل متصرف حمص محمد آغا بن خير الله، بعد أن أفتى بذلك للعامة الذين اعترضوا على زيادة فرضهم للضرائب عام 1826.
ومع قدوم إبراهيم باشا لولاية سوريا، نشب صراع بين آل الجندي وآل الأتاسي على المستوى العسكري والديني، لكن الأتاسيين حافظوا على منصب المفتي العام، ومما يلفت نظر الباحث هنا إنّ هذه الفترة ستشهد تزايد أعداد العائلة ـ ويبدو أنه نجم عن أريحية مادية وقوة اقتصادية وعدم القبول بتقسيم الثروة، وهنا نرى مثلا أنه رغم الخلفية الدينية للعائلة، فإنها اعتمدت في موضوع الثروة أحيانا على العرف، بدلا من الشرع، وهذا ما نراه في وصية المفتي عبد الستار على حق بناته في الميراث وملكيتهم جميع ما بين أيديهم من حلي وذهب، وأحقيتهم في واردات الوقفيات، لكن لا حق لأبناء الأنثى فيها.


حمص والتنظيمات العثمانية

 يرى الباحث أنّ قرن الإصلاحات العثمانية تميز بالمركزية، وهنا ربما يسجل على ما يدونه أنه بقي يسير في ثنائية المركزية واللامركزية، من خلال كتابات كارل بوبير وفيليب خوري وحوراني، وهي ثنائية شهدت إعادة تقويم ومراجعات عديدة (مثلا مع دينا خوري وجين هاثاواي وبروس ماسترز) لكن في حال تجنبنا الخوض في هذا الجانب حاليا، فإنّ فترة التنظيمات تكشف في حمص عن ظهور قوي لأعيان الطوائف المسيحية، وأخذ نفوذ المسيحيين يتصاعد، حتى بلغوا ثلث سكان المدينة، بينما انخفضت نسبتهم لاحقاً بسبب الهجرة إلى أمريكا. وعلى صعيد الإفتاء، جاءت الإصلاحات الجديدة لتقنن هذا الدور فأصبح المفتي يتقاضى راتباً، وبالتالي أصبح جزءاً من الجهاز البيروقراطي، ومما يلاحظه الباحث هنا أنّ عائلة الأتاسي لم تلعب دورا معرقلا لهذا الجانب، بل ستصبح جزءا من الجهاز الجديد، وهذا ما نراه من خلال تعيين حسن أفندي الأتاسي ابن المفتي سعيد في منصب رئاسة البلدية في عام 1870. كما سيلعب أفراد العائلة في هذه الفترة دورا على صعيد المطالبة بفصل حمص عن حماة وجعلها لواء مستقلا، وهنا برز دور المحامي يحيى أفندي الأتاسي المحامي في إرسال عريضة للمطالبة بذلك، ويبدو أنّ هذه المطالبة جاءت جراء تضخم عمران المدينة، وأيضا تطور نشاطها الاقتصادي، إذ يلاحظ مثلا أنه في هذه الفترة كان في المدينة وحدها 4900 عامل في مجال النسيج والحياكة، أي ضعف عدد عمال دمشق تقريبا، ومما يحسب للباحث هنا كشفه عن هذه الوثائق. وفي عام 1914 عاد ابنه عمر الأتاسي ليتولى رئاسة بلدية حمص وليرسل عريضة أخرى مع أعيان المدينة تطالب بضرورة استقلال المدينة إداريا، ما يساهم في «تواجد أوسع لقوات الجيش والدرك، وبالتالي ردعهم البدو وانتشال العربان من حالة البدائية إلى التمدن وإعادة مدينة تدمر التاريخية إلى حالتها القديمة المتألقة» لكن يبدو أنّ الحرب العالمية الأولى حالت دون ذلك، وبالإضافة إلى التحاق أفراد العائلة بالجهاز البيروقراطي المحلي أو الدراسة في إسطنبول (كما سنرى مع هاشم الأتاسي) إلا أن هذه الفترة ستشهد أيضا صراعا بين العائلة وعائلة آل الدروبي، التي برزت في هذه الفترة ممثلة لظهور النخب البيروقراطية الإصلاحية، ويبدو أن الصراع لم يتوقف فقط على المناصب، بل شمل هذه المرة صراعا على شكل المدينة وإعادة تخطيطها، إذ أعلن عبد الحميد باشا الدروبي (رئيس البلدية) مع قدوم الاتحاد والترقي في عام 1912، عن حزمة مشاريع إصلاحية وعمرانية، وقد لاقت هذه الخطة اعتراضات عديدة، ويبدو أن آل الأتاسي هم من قاد هذا الموقف، من خلال إرسال عرائض ترفض هذا المشروع. لكن أكثر ما يلفت النظر في هذه العرائض والعرائض المضادة النقاش الذي دار حول كيفية تخطيط المدينة، إذ تقول واحدة من العرائض التي صدرت بعنوان «برقية رفيق الأتاسي ورفقائه» إن «الساحات العمومية توجد في كل المدن حسب مساحتها، وهو من أهم شرائط العمران والتحضر.. إن محو الآثار التي تركها لنا آباؤنا وأجدادنا لهو من الجرائم غير المتصورة، ولذلك فإنّ إنشاء الأبنية في الساحات المذكورة سيؤدي إلى محوها بالكامل، وهو ما لا يقبله أي صاحب وجدان». في حين تظهر عريضة أخرى ميالة لرأي الدروبي، أنّ سبب الاعتراض ناجم عن أن التغيير سيؤدي إلى تدمير مقهى آل الأتاسي. وبالتالي نلاحظ كيف كان الصراع على النفوذ في المدينة، يظهر من خلال مخططات العمران الحضري الحديثة.. لاحقا مع رحيل العثمانيين سيبقى للعائلة دور ديني، كما نرى من خلال سيرة طاهر الأتاسي، مع ذلك نلاحظ أنّ القسم البيروقراطي من العائلة هو من سيتقدم المشهد لاحقاً ليلعب دورا في تاريخ سوريا المعاصرة.

كاتب سوري

كلمات مفتاحية

تاريخ حمصسوريامحمد تركي الربيعو