الرئيسية / مقالات / سيداتي…

سيداتي…

أوائل الستينات خرج المسرح اللبناني من التمثيلية الشعبية وأعمال الهواة المتقطعة، إلى نهضته الأولى. وصار له مؤسسون وأساتذة ومتكرسون، لا عمل آخر لهم: لطيفة وأنطوان ملتقى، منير أبو دبس، أنطوان كرباج. رضا خوري، وسائر الكوكبة التي لا تُنسى، بدل الإطلالة بتجربة غير مضمونة النتائج، على جمهور غير موحّد الثقافة، لجأوا جميعاً إلى مسرح الإغريق، يقتبسون درامياته التي لا يزول زمنها الإنساني. لا أذكر من قدّم يومها “أندروماك” كما وضعها راسين، لكنني لا أنسى مشهد زوجها هكتور يقول لها: “عودي إلى المنزل الآن، إلى النول والمغزل، وانصرفي إلى عملك، وقولي للخادمات الانصراف إلى عملهن أيضاً. الحرب ليست شغل نساء”.

من شاهد جويس عقيقي أو رنين إدريس تواجه مفترياً متوحشاً في “الرينغ” أو ساحة الشهداء، أدرك كم تغيّر الزمن من زمن الإلياذة إلى زمن الثورة في لبنان: الجبهة الأمامية للنساء. الدور العملي الأول للمرأة. من طرابلس بالحجاب الأبيض، إلى صيدا بالحجاب المنتور، نزلت المرأة اللبنانية تخوض حروبها جميعاً: الحرب على فساد الرجال، والحرب على عالمهم الفاشل، وحرب الأمّ من أجل حضانة الرحم، وحربها صاحبة حق لإعطاء أطفالها الجنسية.

نصف الثورات، على الأقل، تصنعها النساء. ونصف الأحكام أيضاً. ليست سانا مارين فقط أول امرأة ترأس حكومة فنلندا بل الأصغر سنّاً في العالم. وحتى الآن كانت نيوزيلندا في خريطة العالم جنّة المراعي وفردوس الأجبان. بعد مجزرة المسجدَين في كرايستشرتش، وضعتها جاسيندا أردرن على خريطة الدول الأكثر نبلاً وشجاعة وشعوراً بالسكينة العالمية.

المرأة هي الشجاعة، كما رأينا جويس عقيقي ورنين إدريس في مواجهة قليلي الأدب. والجينز هو أناقة الليل والنهار. تعبت الكاميرات ولم تتعب المراسلات في زمن الصخب والغضب. آلاء الصالح في السودان. هل تتذكر صورة آلاء الصالح في الخرطوم، بالثوب السوداني الأبيض، نصفه ثوب وأعلاه حجاب، وابنة الثانية والعشرين سنة تخطب في الثوار معتليةً سقف سيارة أمام مقر وزارة الدفاع، تهاجم الديكتاتور الفظ والفاسد والمهرج الذي حوّل منزله إلى خزنة مصرف من العملات الصعبة والجنيه السهل. آلاء كانت نصف الثورة التي أنهت 30 سنة من الديكتاتور الذي يرقص بالعصا ويقتل دارفور، ويخسر جنوب السودان ويقرر التمديد للرقص فوق صدور الجيل الطالع أيضاً. إنه المشير الذي تزوّج أرملة وزير دفاعه الذي قضى في حادث هليكوبتر غامض، ثم وجّه الدعوة إلى عشرة آلاف شخص. بيضاء أعين السياسيين العرب. لكن جيل آلاء الصالح لن يسمح لهم بعد اليوم بهذا الفسق في ازدراء الناس.

ولن يبقى شيء كما هو في سياسات لبنان بعد 17 تشرين. صحيح أن الثورة طغى عليها بعض الابتذال في الأيام الأخيرة وخرج منها أصحاب الوجوه الأصلية، لكن الثورة العميقة باقية من أجل أن تصبح ذات يوم، هي جذور الحكم وغربال العمل السياسي. وليس مهماً إلى متى يتأخر ذلك. على الأقل سوف يكون لأحفادنا وطن به يوعدون.

ساء شكل الثورة في الأيام الأخيرة، وتدهور خطابها وبرزت وجوه وأصوات لا تشبه إطلاقاً، صورة لبنان المستعاد، معلقةً على الصدور. صورة سليم المعوشي، أحد كبار محامي لبنان، ومعه “محاميته” نورما، ومعهما علامتا لبنان المبهر النجاح، يعتصمون في ساحة الشهداء، إلى جانب آلاف المحامين والأطباء وأساتذة الجامعات والطلاب والفنانين الشجعان والمعانين العاديين المباركين. هذه الأيقونات سوف تظلّ معلّقة في الذاكرة الوطنية. إنّ لبنان الذي يموت بين أيدي السياسيين، سوف يعود إلى الحياة بعد هذه الأمثولة التي تركتها الثورة خلفها في الساحات، في العقول، في الأفئدة.

كيف يمكن امرأة في الرابعة والثلاثين أن تحكم بلداً أوروبياً متطوّراً؟ ببساطة فائقة. لقد أعدّ لها خمسة ملايين فنلندي أحد أفضل الأنظمة في العالم. وأحد أكثر التواريخ شجاعة. قالت للدبّ الروسي الجار: لا تجربنا، لا في الصداقة ولا في العداء. وقد حاول. ولم يعاود.

نصيحة، للمناسبة، لا تجربوا لحم الأيائل في فنلندا، ولا البحث عن موطن بابا نويل. أي فضول آخر، أو رغبة أخرى، تستحق التجربة. ولكثرة ما هي ثلج على ثلج، لا تشرق الشمس عليها كثيراً. لذلك عوّضت بظهور الأقمار، مثل سانا ميريللا مارين.

“فتش عن المرأة” تجدها في كل مكان. كلما حدث تطوّر بشري أو إنساني أو علمي أو سياسي أو اجتماعي، يبان ذلك في دور المرأة. كانت صورة حزب “الكتلة الوطنية” أنه حزب أريستوقراطي مسيحي يعطي نيابة الرئاسة لسياسي شيعي من جبيل لدرء الشبهة الطائفية. وهذا الحزب عاش طويلاً بصورة رجل واحد هو ريمون إده، المعروف حياً وغائباً بـ”العميد”. لأسباب كثيرة، لم تدم بعده العمدة لـ”كارلوس”. غير أن الكتلة الوطنية، في صورتها الجديدة، قدّمت للسياسة اللبنانية المعتلّة أفضل ما حدث لها في زمن الثورة الطيّبة: المسلمة السنّية الدكتورة زكية يموت، عميدة في كرسي ريمون إميل إده. وأهمية ذلك ليست في أن الكتلة الجديدة اختارت سيدة سنّية لرئاستها، بل في أن سيدة سنّية قبلت المذهب والمهمّة. لقد عبروه، جسر الروبيكون. زوجة رئيس حزب الكتائب مسلمة وكذلك زوجة طوني فرنجية وريث “سيف النصارى”. نزعت الأحزاب المسيحية عن هويتها بند المذهب وتركته لأصحاب عقدة الذنب والرواسب الملوّثة. قالت الثورة في الساحات: هويّة لبنانية دينها الله ومذهبها التواضع.

ذات سنة من أوائل القرن الماضي سافرت فاطمة اليوسف من طرابلس إلى البرازيل بطريق الإسكندرية. ترجّلت في مدينة الإسكندر وتركت الباخرة تمضي من دونها. اختارت ابنة الرابعة عشرة المسرح، وأصبحت سيّدته، وصارت تسمّى سارة برنار الشرق. لكنها لم تكتف بأن تهزّ مصر الفنيّة. نزلت عن المسرح وأصدرت صحيفة تحمل اسمها الفنّي، “روز اليوسف”. وأصبحت “روزا”، كما تناديها مصر، سيدة الصحافة أيضاً. وضمّت مجلتها ألمع الأقلام وأكثرها ألقاً: محمد التابعي، سيد الأسلوب، وعباس محمود العقاد، سيد المعارف، وأحمد بهاء الدين، سيد التجديد.

تكررت تجربة “روز اليوسف” هذه السنة على نطاق أكثر عالمية: رولى عباس خلف رئيسة تحرير “الفايننشال تايمس”، جريدة العالم الاقتصادية التي يقرأها مليون مشترك كل يوم، ولها 27 طبعة حول العالم. وفيها يعمل أهمّ صحافيي الأرض. خلال عملي الصحافي سألني رئيس وزراء دولة كبرى، إن كنت أعرف أمين معلوف، لأنه يريد التعرف إليه، وسألني رئيس عربي إن كان في الإمكان أن أقدّمه إلى رولى خلف وأدعوها باسمه.

رويت له ما حدث لرولى مع الملك عبد الله بن عبد العزيز. وكانت تجري معه مقابلة في الرياض إلى مائدة غداء ولاحظ الملك أنها خجولة خفيضة الصوت، فسحب قلمه من جيب ثوبه قائلاً، اقبلي منّي قلماً تكتبين به رسائلك الممتازة والموضوعية. وقالت له ضاحكة: كل ما أستطيع قبوله في تقاليد جريدتي هو هذا الغداء. كل شيء آخر يُعتبر رشوة.

عام السيدات العربيات هذه السنة. وفي فنلندا بلد الوعول، وفي نيوزيلندا، بلد رئيسة الوزراء التي أبلغت شعبها كم فرصة عمل أوجدت وما هي نسبة النمو ومكان بلدها على مؤشر السعادة في الأمم المتحدة. لا تعلك، المسز أردرن، ولا تكذب على شعبها. ولا تكذّبه، هو صاحب الأرض والقرار، والولاة إما أمانات وإما خيانات.

اضف رد