الرئيسية / home slide / سياسة فرنسا في لبنان لا تتوقف على الرئيس والمعارضة بل على شبكة مصالح اقتصادية أوسع

سياسة فرنسا في لبنان لا تتوقف على الرئيس والمعارضة بل على شبكة مصالح اقتصادية أوسع

ناصر الأمين
القدس العربي
26062022

لندن ـ «القدس العربي»:  أثار فقدان الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، الأغلبية المطلقة في البرلمان لصالح تكتل يساري بقيادة جان لوك ميلانشون، ويميني متطرف بقيادة مارين لوبان، مخاوف من انتقال فرنسا إلى حقبة من عدم استقرار سياسي، خاصة بحكم مواقف اليمين واليسار الناقدة لحلف الشمال الأطلسي واعتقاد بعض الشخصيات لدى كلا التكتلين بضرورة التقرب من روسيا. إلا انه يشير رئيس مركز الدراسات والأبحاث حول القرار السياسي «CERAP» نيكولاس تنزر، إلى أن السياسة الخارجية لم تكن من بين القضايا المحورية في الحملات الانتخابية التي ركزت أكثر على القضايا الاجتماعية والاقتصادية بحكم الركود الاقتصادي الذي يشهده العالم بشكل عام، وكون الإصلاحات التي يريد تمريرها ماكرون خلال ولايته الثانية هي محور الصراع السياسي الداخلي.

وفي الواقع، تنضم فرنسا، بعد هذه الانتخابات إلى معظم الدول الأوروبية «الديمقراطية» حيث تشكل الائتلافات ضرورة لتشكيل حكومات، وتمرير قوانين في المجالس التشريعية. وقال ماكرون الجمعة إنه «يثق تماما» بقدرته على التوصل إلى حلول وسط في البرلمان. وفي خطاب بثه التلفزيون، سعى ماكرون في وقت سابق من الأسبوع الجاري إلى مد يده مرة أخرى إلى معارضيه السياسيين طالبا منهم التفكير في الكيفية التي يصدر بها البرلمان المفتت القوانين. إلا أن ماكرون أقر بأن الأزمة السياسية الحالية سيكون معناها العمل بطريقة مختلفة عن السابق.
ومع أن المعارضة البرلمانية رفضت فكرة حكومة ائتلافية، وحملت، الخميس، ماكرون مسؤولية إيجاد غالبية، إلا أن الأحزاب اليسارية كذلك رفضت، اقتراح ميلانشون بتشكيل ائتلاف موحد يساري في البرلمان، بحكم أن ذلك لن يكون له «مغزى سياسي» كما قال سيري هواري، المتحدث باسم الحزب الاشتراكي.
وفي جميع الأحوال، تبقى السياسة الخارجية، إلى حد بعيد بيد رئيس البلاد، ولذلك ليس من المتوقع أن يطرأ عليها تحولات كبيرة نتيجة الانتخابات. ففي حين أن الجمعية الوطنية ومجلس الشيوخ يقومان بمراقبة الخطوط العامة لسياسة الخارجية، إلا أنهما لا يملكان سلطة تعطيلها. وتبقى المهمة الرئيسية المعطلة حالياً هي عملية تشكيل حكومة وسط مع رفض عام لدى المعارضة لفكرة تشكيل حكومة ائتلافية مع تكتل ماكرون.
وحصل الائتلاف الوسطي الليبرالي الذي كان يملك الغالبية المطلقة في الجمعية الوطنية السابقة والذي استند إليه الرئيس ماكرون طوال ولايته الاولى من خمس سنوات، على 245 مقعدا من أصل 577 علما أن الغالبية المطلقة محددة بـ289 نائبا. وتوزعت المقاعد الأخرى في الجمعية الوطنية بشكل أساسي بين تحالف اليسار 150 مقعدا تقريبا واليمين المتطرف 89 واليمين61 .
ونشرت في الأيام الماضية، تقارير تتساءل حول الأثر الذي ستتركه هذه الانتخابات على «المشروع» الفرنسي في لبنان. ويرى الأستاذ في العلاقات الدولية في جامعة باريس عيسى الأيوبي، لا يبدو أنه يوجد خلاف جذري بين المعارضة وماكرون في الملف اللبناني. إلا أنه يشير على اهتمامها بتحرير السياسة الفرنسية في لبنان من «العلاقات الشخصية» بحسب ما نقله عنه موقع «لبنان24». وأشار الأيوبي إلى أن البعض في الوسط المعارض يعتقد أن فريق ماكرون يولي أهمية كبيرة للعلاقات الشخصية مع السياسيين في لبنان في تعاطيه مع الملف اللبناني.
وفي الواقع، أظهرت فرنسا، في السنوات الماضية، خاصة في مرحلة ما بعد انفجار مرفأ بيروت، صيف 2020 مدى عجزها عن التأثير على المسار السياسي في لبنان، إذ تحول سريعاً الدور الفرنسي في لبنان بعد انتهاء الحماس المرتبط بزيارات ماكرون بعيد الانفجار والتي لم تترجم على المستوى العملي بأي شكل من الأشكال، من الراعي الدولي لمرحلة إعادة بناء النظام إلى انحسار دورها بالتدخل عبر إبداء النصائح، إذ كانوا قد اشترطوا، عام 2020 تشكيل حكومة تكنوقراطية تعزل الطبقة السياسية عن مراكز القرار، إلى جانب تهديدهم بفرض عقوبات. وبطبيعة الحال لم تؤت أي من هذه الخطوات ثمارها.
هذه «العلاقات الشخصية» التي ذكرها الأيوبي، هي في الواقع، شبكة مصالح تربط القطاع المصرفي في فرنسا في سلطة المال بلبنان. ويشير كتاب «الانحدار الفرنسي» للصحافيين الفرنسيين جورج مالبرونو وكريستيان شينو، رفض التيار المصرفي في فرنسا لإقالة حاكم مصرف لبنان، رياض سلامة، لكونه مسؤول، على جانب المصرفيين اللبنانيين عن تمرير عمليات مالية كبيرة استفادت منها مؤسسات مالية ومصرفية فرنسية. ويشير الكتاب على أنه «بذلت خلية الإليزيه الدبلوماسية ووزارة الخارجية ما بوسعهما لقتل فكرة العقوبات، وتحايل التكنوقراطيون على ماكرون لإحباط مساعيه. ذلك أن لبنان ونظامه المصرفي أسديا خدمات كثيرة للشركات الفرنسية. الدولة العميقة، وزارة المالية، المصرف المركزي الفرنسي، وزارة الخارجية لا تجهل ذلك».
يشير «أحد الشهود» الذي عمل لسنوات في إحدى الشركات المستفيدة، للكاتبين، إلى أن القطاع المصرفي في لبنان يقبل «بالتحويلات المكتوبة يدوياً» والتي لا تترك أثراً في البيانات المصرفية الإلكترونية. ويتابع: «كنا نفرم في باريس أوراق التحويلات من بيروت، كي لا يتسنّى لأحد الادّعاء بأننا قمنا بالتحويل» ما يمنع مخابرات وزارة المالية من اكتشافها أو تتبعها. وتابع: «لقد استفدت من هذا النظام سنوات عديدة وسمح لي بدفع مليارَي دولار لعملاء من أصل رقم أعمال بلغ 80 مليار دولار، ولست الوحيد الذي فعل ذلك».
ويشير الكتاب إلى أن ماكرون يتخوف من الارتدادات التي قد تنجم عن معاقبة أي مسؤولين لبنانيين. كل ذلك يشير إلى أن محدودية تأثير السياسة الفرنسية في لبنان لا تتوقف على ماكرون وسياسته، وقد لا تتوقف على الموقف المغاير للأحزاب المعارضة، بل هو مرتبط بمصالح الشركات والقطاع المصرفي الفرنسيين وعلاقاتها بالقطاع المصرفي اللبناني والسياسيين اللبنانيين الذين يديرون هذه العلاقات.

ناصر الأمين