الرئيسية / home slide / سياسة الخارجية اللبنانية… “أسوَد مُخفّف” ولا تغييرات جوهريّة

سياسة الخارجية اللبنانية… “أسوَد مُخفّف” ولا تغييرات جوهريّة

05-01-2021 | 21:59 المصدر: “النهار”

مجد بو مجاهد

الثوار في وزارة الخارجية (أرشيفية – النهار).


لطالما دلّت أصابع القوى اللبنانية المعارضة على سياسة لبنان الخارجية الى جانب سلاح “حزب الله”، في تعداد أبرز العلل ومكامن الخلل والأفعال التي تقصّدت إلحاق البلاد شبه الكليّ بمحور إيران الاقليميّ خلال السنوات الماضية، وتبعات هذا الالتصاق من انسلاخ عن المجتمعين العربي والدولي، وصولاً إلى التوأمة في المسار والمصير مع محور “الممانعة” اقتصاديّاً واجتماعيّاً. وإذا كان فريق وزارة الخارجية لا يحمل بارودة على محاور القتال، إلا أن الطلقات المعنويّة الناجمة عن السياسية المنتهجة أثارت على مدى سنوات صميم علاقات لبنان العربية والدولية، حيث لا يذكر الأرشيف أنّ الخارجية اللبنانية استنكرت الاعتداءات التي تعرّضت لها دول عربية فغرّد لبنان بعيداً عن الاجماع العربيّ وافتُقد صوته حتى في أعنف الهجمات التي تعرّضت لها المملكة العربية السعودية ومنشآتها، فيما شكّلت واقعة أرامكو المثال الأكثر تجسيداً للغياب اللبناني في عهد وزير الخارجية جبران باسيل حينذاك، الذي اعتبر أن بلاده تلتزم مبدأ النأي بالنفس، في وقت كانت مواقفه السياسيّة مرتبطة بتحالف عريض مع “الممانعة” وحراكه ينصبّ في خانة تبني شعار إعادة النظام السوري الى جامعة الدول العربية.
حتّى اللون الرمادي الذي أرادت الخارجية كتابة مواقفها به، كان يميل الى الأسود الداكن، رغم كلّ المحاولات وتنوّع الخطوط وأشكال الحكومات التي ولدت واستقالت خلال السنين الماضية. بعد ولادة حكومة برئاسة حسان دياب، طرأ تعديلٌ في الخطاب وكتابة أحرف ما بين السطور، حيث حاول دياب أن يدقّ الباب العربيّ رغم أنّه شكّل حكومة مرتبطة بـ”حزب الله”، فيما دانت وزارة الخارجية اللبنانية الهجمات الصاروخية التي تعرّضت لها المنشآت المدنية في مدينتي الرياض وجيزان في السعودية في نيسان، ما أثار جملة تساؤلات حول حقيقة التغيّر في السياسة الديبلوماسية الرسمية من عدمها.
ما لبثت ضغوط “حزب الله” أن أثبتت ارتهان سياسة لبنان الخارجية للمحور الايراني، بعد قرار أصدره قاضي الأمور المستعجلة في صور محمد مازح أراد عبره منع السفيرة الأميركية دوروثي شيا من التصريح للإعلام، ما أثار استنكارات عارمة للقرار القمعي وغير القانوني والذي تقصّد تطويق وسائل الاعلام اللبنانيّة؛ لكنّ ردود فعل الدولة بقيت خجولة حيال قرار القاضي الذي تلاه لقاء في وزارة الخارجية مع السفيرة الأميركية في 28 حزيران، في وقت تضاعفت تساؤلات اللبنانيين حول الأسباب التي تمنع استدعاء السفير الايراني نتيجة تصاريح قيادات بلاده التي تعتبر بيروت عاصمة ايران العربية الرابعة. ولم يلبث “حزب الله” أن ضاعف ضغوطه على وزارة الخارجية في 13 تموز، مع تقديم نوابه عريضة موجّهة ضدّ السفيرة الأميركية.
استقال الوزير ناصيف حتي مطلع أب منتقداً عدم القدرة على التغيير وتحقيق الاصلاحات، وعيّن الوزير شربل وهبة قبل أيام قليلة على استقالة حكومة دياب الذي أقدم على استدعاء السفيرة الاميركية بعد عقوبات قانون “ماغنتسكي” التي طالت باسيل. يستخدم وهبة في تصريحاته خطاب إطراء ومديح لـ”حزب الله”، وفي الوقت نفسه أصدرت وزارة الخارجية بياناً في 14 كانون الأول دانت فيه “الاعتداء الارهابي الذي طال ناقلة نفط في ميناء جدّة”، شاجبةً “استهداف المنشآت المدنية والأعمال التخريبيّة التي تطال حريّة الملاحة الدولية”. وبعد التصريح الايراني الذي صوّر لبنان جبهة أمامية لايران قبل أيام، اكتفت الخارجية باستشارة سفير لبنان في طهران من دون التجرّؤ على استدعاء السفير الايراني.
يرى وهبة في سياسته المتّبعة أنّه “لا يمكن للدول العربية ألا تتفهّم خصوصية لبنان”، حيث أشارت تصريحاته السابقة الى أنّ “اللامبالاة والتدخل خطآن ارتكبا بحقّنا من قبل بعض الأطراف العربية ونحن كنّا نريد من البعض ألا يتدخّل لكن ألا يكون غير مبالٍ”، معتبراً أنه “حصلت أخطاء بحق السعودية… وهناك أخطاء من الطرفين”.
ماذا في محصلّة استعادة هذه المحطات التي لخّصت نمط عمل وزارة الخارجية اللبنانية في السنوات الأخيرة؟ تشير المعلومات الى أنّه اذا كان لا بدّ من الانطلاق من بيانات الخارجية المتضامنة، فإنّ النقطة التي تلخّص أسباب العتب العربي هنا، تكمن في أن هذه البيانات غير واضحة ولا تعمد الى تسمية الجهة المعتدية والداعمة للاعتداءات.
لكنّ، المسألة أبعد من مجرّد اصدار بيانات في تأكيد مصادر سياسية لبنانية معارضة ومقرّبة من الجو العربي، في اشارتها  لـ”النهار” الى أنّ “حالة القطيعة التي وصل اليها لبنان مع الدول العربية والمجتمع الدولي غير مسبوقة فيما كانت العلاقة مع الدول العربية سابقاً من ثوابت السياسة الخارجية اللبنانية ولكن الأداء الذي طبع مرحلة تولي باسيل والالتحام التام بين سياسة الوزارة وحزب الله أسقط الهوامش التي كانت تتمتّع بها الدولة اللبنانية حيث كان الموقف الرسمي يعكس موقف الدولة اللبنانية، الى أن تماهى مع موقف حزب الله، فيما انحياز السياسة الرسمية الى محور دون آخر يناقض المقاربة التاريخية لناحية الحياد عن الصراعات والحفاظ على العمق العربي”.
وتؤكّد المصادر أنّ “بناء السياسة الخارجية لا يقوم على عناصر شكلية وتقنية وعلى اصدار بيانات، بل على عناصر محدّدة والموضوع ليس تقنيّاً بل يتطلّب مقاربة أوسع، حيث المطلوب بناء سياسة خارجية واضحة تقوم على ثوابت أوّلها أن لبنان بلد عربي والعمل على إعادة الوصل مع العمقين العربي والدولي وعدم الانخراط في المحاور الاقليمية المتصارعة. ثم محاولة اعادة بناء العلاقات الخارجية التي تدمّرت مع الدول العربية والالتزام بالقرارات الدولية”، لافتةً الى أنّه “من الواضح أن محور الممانعة يقبض على السلطة وعلى القرار السياسي في لبنان، ما أدى الى نتائج كارثية من دون تقديم بدائل. فإلى أين وصل شعار التوجه شرقاً الذي دفع بلبنان الى اللامكان في غياب الحلول الاقتصادية والقدرة على وقف الانهيار؟”.
majed.boumoujahed@annahar.com.lb