الرئيسية / home slide / سياسة أنهكت الاقتصاد لثلاثة عقود… مهنا لـ”النهار”: تثبيت الليرة أكبر عبء على لبنان

سياسة أنهكت الاقتصاد لثلاثة عقود… مهنا لـ”النهار”: تثبيت الليرة أكبر عبء على لبنان

10-01-2021 | 06:25 المصدر: “النهار”فرح نصور

الدولار (مارك فياض).

مع إعلان حاكم #مصرف لبنان رياض سلامة انتهاء زمن تثبيت الليرة، تتبادر إلى أذهان الكثيرين أسئلة عديدة عن حقبة #تثبيت سعر الصرف، التي دامت لأكثر من ثلاثين عاماً، ولا بد من السؤال في هذا الإطار عن سبب تثبيت الليرة في لبنان وما هي الظروف والمستوجبات التي دفعت بالتوجه إلى هذا الخيار المكلف لناحية التداعيات.  يشرح الباحث الاقتصادي والمستشار السابق للبنك الدولي، البروفسور روك-أنطوان مهنا، تاريخ تثبيت سعر صرف الليرة وموجباته، لا سيما تداعياته على الاقتصاد اللبناني، ويفيد بأنّ بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، عُقدت اتفاقات عديدة من ضمنها تأسيس البنك الدولي والأمم المتحدة، وعُقد اتفاق “برتون وودز” الذي نصّ على السماح للدول بتقييم عملتها ربطاً بالذهب لتمكينها من معرفة أسعار العملات الخارجية في عمليات الاستيراد والتصدير وجميع الحركات التجارية الخارجية. ومع بداية السبعينيات، انتهى هذا الاتفاق، وبدأ نظام نقدي جديد وهو تثبيت سعر الصرف بعملات أساسية أخرى كالدولار الأميركي والين الياباني ومؤخراً اليورو الأوروبي وغيرها، كما أنّ هناك تثبيتاً بالوحدة التي يعتمدها صندوق النقد الدولي (أس دي آر). وظهرت ثلاثة أنظمة أساسية لسعر الصرف: الأول هو نظام تثبيت سعر الصرف، والثاني هو نظام تعويم سعر الصرف، والثالث هو نظام تعويم ضمن هامش محدّد.  وشهد لبنان تفلّتاً في سعر الصرف وانهياراً بالليرة اللبنانية جراء الحرب، ومنذ عام 1997 وبعد انتهاء الحرب واتفاق الطائف، جرت محاولات لاستقرار النظام المالي، واتبع مصرف لبنان في هذا الإطار نظام تثبيت سعر الصرف ولا زال يتبعه حتى يومنا هذا. لكن لماذا اختار لبنان تثبيت سعر الصرف حينها؟ يوضح مهنا أنّه “عادةً، تُعتمد سياسة تثبيت سعر الصرف في الدول الصغيرة والنامية ذات التجارة والاقتصاد الحر وهي سياسة سليمة، لكنّها تستوجب استقراراً أمنيا وسياسيا واحتياطياً من العملة الأجنبية لدعم العملة ونجاح هذه السياسة. وفي لبنان ومع تقلّبات سعر الصرف، تدخّل مصرف لبنان لشراء أو بيع العملة الصعبة لصالح العملة الوطنية ليتمّ تثبيتها وثُبّت سعر الصرف بعد الحرب اللبنانية واتفاق الطائف على 1507 ليرات كسعر وسطي مقابل الدولار، ولم يكن خيار اعتماد نظام التعويم ممكناً وقتها، فهذا يؤدي إلى عدم استقرار يومي بسعر الصرف في ظل المخاطر”.  وكان لتثبيت سعر الصرف إيجابيات وحاجة حينذاك، وفق مهنا، إذ “ساهم في  جذب الاستثمارات، وكان أسهل طريقة للتعامل الخارجي، كما أعطى الثقة بالنظام المالي الذي فقدها لبنان في بداية التسعينيات، بعد دخول البلاد في أزمة مالية ومصرفية ونقدية”. لكن في المقابل، “تثبيت سعر الصرف مكلف لأنّه يستوجب ضخ عملة صعبة في الاحتياطي لدعم العملة المحلية، يزيد من صلاحيات المصرف المركزي للتدخل في السوق عوضاً من تركيز الدولة على سياسات اقتصادية داخلية منتِجة، واستقرار نسب النمو، وتخفيض البطالة، وخلق فرص عمل، واعتماد سياسة مالية سليمة، وتعزيز القطاعات المنتِجة”. ويكمل مهنا أنّ “سياسة تثبيت سعر الصرف نجحت في الأعوام الأولى من اعتمادها، وجذب لبنان بموجبها رؤوس أموال واستثمارات خارجية، إلى أن أصبحت السياسة النقدية في خدمة السياسة المالية للحكومات المتعاقِبة خلال أكثر من ثلاثين عاماً، ومن سيئ إلى أسوأ”. ويوضح أنّ “ذلك يعني أنّ هذه الحكومات والسلطة السياسية، استغلّت تثبيت سعر الصرف بتضخيم القطاع العام لمصالحها الشخصية والسياسية والحزبية (فهذا القطاع في لبنان يساوي أكثر من ثلاثة أضعاف حجمه الطبيعي في اقتصاد كالاقتصاد اللبناني) على حساب القطاع الخاص. وأظهرت هذه العملية فشلاً وعبئاً كبيرين دون أي إنتاجية، بالإضافة إلى الفساد والهدر المستشريين في قطاع الكهرباء والاتصالات والمرفأ وسواها”. وبعد الحرب  السورية عام 2011، تأثّرت أيضاً الصادرات لدينا، وكان ذلك الوقت المناسب ليكون لبنان جاهزاً للانتقال من الاقتصاد الريعي إلى الاقتصاد المنتِج. ومنذ عامي 2016 و2017، جرت تجاوزات وفساد وهدر بشكلٍ مفرط في القطاع العام، وتفاقمت الأمور أكثر مع إقرار سلسلة الرتب والرواتب وكان هذا الإقرار بمثابة رصاصة الرحمة على الاقتصاد. فضلاً عن أنّ لبنان كان يتلقّى تحويلات خارجية تُقدَّر بحوالي 8 مليارات دولار من المغتربين اللبنانيين، وكان يسدّ بذلك العجز في الميزانية. لكن في المقابل، اعتمد اللبنانيون على الاستيراد بأكثر من 24 مليار دولار سنوياً، بينما كان التصدير بحوالي 3 مليارات. وعاش القطاع العام ببحبوحة جراء الفساد والهدر، وأصبح بالتالي تثبيت سعر صرف الليرة مكلفاً جداً، وفي الخمس سنوات الأخيرة، قمنا بعملية انتحار ذاتي في القطاع العام في قطاعات عديدة، ولم يتوقّف الفساد، وتفاقم في العشر سنوات الماضية وتضاعف في الخمس سنوات الأخيرة وأصبح على العلن، وفق مهنا. ويلفت إلى أنّ “السياسيين لم يستغلوا فرصة تثبيت سعر الصرف لرفع الإنتاجية وخلق قطاع زراعي وصناعي وتكنولوجي، بالإضافة إلى أنّ لبنان يشهد خضات أمنية وسياسية بشكل دائم، ما يؤثر على إدخال العملة الصعبة عبر السياح والاستثمارات المباشرة في ظل عدم وجود صادرات لتعويض العجز. وبحسب البروفسور مهنا، “يتم في العادة تثبيت سعر الصرف لفترة محددة ريثما يتم تفعيل القطاعات المنتِجة لتعزيز التصدير وإدخال العملة الصعبة، لكنّ السلطة النقدية وتلبيةً لرغبة السلطة السياسية وبمشاركتها، أمّنت لها هذا التمويل الدائم، وأصبح تثبيت  سعر الصرف مكلفاً جداً، وغدا أكبر عبء على لبنان، وشكّل واحداّ من المسببات الأساسية للانهيار وللنزيف الحاصل في الاحتياطي الأجنبي اليوم والذي سينفد قريباً”.