الرئيسية / أبحاث / أبحاث تاريخية / سوق القيشاني في دمشق ووجه الفرح الذي غيرته الحرب

سوق القيشاني في دمشق ووجه الفرح الذي غيرته الحرب

 

 

زينة شهلا
القدس العربي
20112018

تسير أم هادي مع ابنتها مرام بتأنٍ بين محال قديمة متلاصقة في أحد أسواق دمشق القديمة التقليدية، وهو سوق القيشاني، وتستعرضان ما تحتويه واجهات تلك المحال من أثواب وتجهيزات مخصصة للزواج وحفلات الزفاف، لتقع خياراتهما على ما تحتاجه الفتاة العشرينية، التي تستعد لهذا الحدث بعد حوالي شهر.
لم تتردد أم هادي، ولها من العمر خمسون عاما، في اصطحاب ابنتها إلى السوق الذي اشتهر منذ عشرات السنين بأنه سوق العرائس في العاصمة السورية، وتقول في حديث لـ«القدس العربي»: «أنا ووالدتي تجهزنا للزواج من هذا المكان، ومن الطبيعي أن تستمر ابنتي في اتباع هذا التقليد الذي يميز طقوس الزفاف لمعظم العائلات الدمشقية». ولا يبدو الأمر غريبا بالنسبة لمرام التي تستمتع بانتقاء ما ترغبه من ملابس وأكسسوارات ولوازم منزلية من السوق، فالاستعداد للزفاف اليوم في سوريا مكلف للغاية بالنسبة لكثير من السوريين، الذين شهد اقتصاد بلادهم تراجعا غير مسبوق خلال سنوات الحرب السبع؛ وجولة سوق القيشاني، بالإضافة لكونها تقليدا عائليا، هي الخيار الأكثر ملاءمة لتجهيز العروس بأقل قدر ممكن من التكاليف.

سوق عمره  مئة عام

في النصف الثاني من القرن السادس عشر شيد الوالي العثماني درويش باشا رستم حماما شعبيا قرب الجامع الأموي في دمشق، تألف من طابقين وباحة تعلوها قبة مزخرفة بالرسوم، وجدران مليئة بالرخام والمرمر، وأيضا ألواح الخزف المزخرفة التي تعرف باسم «القيشاني». بذلك أطلق على هذا البناء الجديد اسم «حمام القيشاني».

لم تكن كل البيوت الدمشقية تحتوي على حمامات، نظرا لعدم إمكانية توفير الوقود لتسخين المياه. وبذلك أصبحت الحمامات الشعبية بما تحتويه من غرف فسيحة مقصدا لمعظم أهالي المدينة.

وكانت للحمامات الشعبية، أو ما يعرف باسم حمام السوق، أهمية كبيرة في تلك الفترة، فلم تكن كل البيوت الدمشقية تحتوي على حمامات، نظرا لعدم إمكانية توفير الوقود لتسخين المياه. وبذلك أصبحت الحمامات الشعبية بما تحتويه من غرف فسيحة مقصدا لمعظم أهالي المدينة. لكن وبمرور السنوات واختلاف نمط الحياة، لم تعد هناك حاجة لوجود الكثير من حمامات السوق، فتم تغيير عدد منها لتصبح لها استخدامات أخرى، ومنها حمام القيشاني، الذي تحوّل منذ بداية القرن العشرين إلى سوق القيشاني المتخصص ببيع مستلزمات العرائس، ليُعرف أيضا باسم «سوق العرائس». أحد أسباب هذا التحول هو أن حمام القيشاني كان بمثابة مقصد للنساء الدمشقيات بشكل خاص، حيث اعتدن على اللقاء والتعارف فيه أثناء طقوس الحمام، وأيضا البحث عن الفتيات اللواتي بلغن سن الزواج وأصبحن مؤهلات للخطبة.
ولسنوات طويلة اشتُهر سوق القيشاني، ومعظم بضائعه مصنعة بشكل محلي، بأنه مقصد الكثير من العائلات الدمشقية والسورية، وأيضا القادمة من بعض البلدان المجاورة، نظرا لتنوّع ما تعرضه محال السوق، وانخفاض الأسعار فيه مقارنة بأسواق أخرى.
ألبسة وأثواب زفاف مصنعة بشكل آلي أو يدوي، أكسسوارات، باقات ورد أبيض اصطناعية، أدوات تجميل، مستلزمات للعروس، وتجهيزات لمرحلة ما بعد الزفاف، تتفنن عشرات المحال في هذا السوق بابتكارها وعرضها على العروس التي تحضر عادة رفقة والدتها وصديقاتها، وربما نساء من عائلة زوجها المستقبلي، في طقس احتفالي يسبق عادة حفل الزفاف. واستفادت تلك المحال من كونها مؤلفة من طابقين، فحافظت على طابعها العمراني القديم، وفي الوقت ذاته حوّلت الطابق السفلي إلى مكان لعرض البضائع، ومن خلال درج حجري قديم يمكن الوصول للطابق العلوي الرحب، وهو مكان تستطيع فيه العروس تجربة الملابس والأثواب. ولم تقتصر محال سوق القيشاني على غرف الحمام فقط، حيث بادر العديد من التجار إلى ترميم واستثمار عدد من الغرف في البيوت العربية التقليدية المجاورة للحمام، وتحويلها أيضا إلى محال يعرضون فيها بضائعهم ومنتجاتهم على رواد السوق، ومعظمهم من النساء. ولاجتذاب المزيد من الزبائن، عمدوا إلى طرح إمكانية الحصول على أثواب ومستلزمات مفصّلة بشكل خاص تبعا للطلب، وهو خيار مكلف أكثر، وبالتالي متاح على الأغلب فقط للعائلات الأكثر ثراء.

الحرب أيضا مرّت من هنا

ليس غريبا أن يتعرض سوق القيشاني، أسوة بالكثير من الأسواق السورية والدمشقية، لتراجع كبير في حركة البيع منذ اندلاع الحرب في سوريا، وهي حرب دمّرت معظم جوانب الاقتصاد في البلاد. لكن لهذا السوق خصوصية أخرى، فعادات الزواج بحد ذاتها اختلفت وأثّرت بدورها على ارتياد السوق، وما يمكن للعروس أن تشتريه.
منذ عام 2011 وصولا لليوم، تراجعت قيمة الليرة السورية بمقدار 9 أضعاف تقريبا، حيث كان سعر صرف الدولار الأمريكي مقابل الليرة حوالي 50 ليرة عام 2011، وارتفع هذا السعر ليبلغ 450 ليرة هذا العام. يُفصح هذا الرقم عن تراجع القيمة الشرائية لليرة، التي اقترنت مع ارتفاع غير مسبوق في أسعار كافة البضائع داخل سوريا، بدون أن ترافقها زيادة مكافئة في دخل السوريين، لا بل مع فقدان الآلاف من فرص العمل.
وفي نهاية العام المنصرم، قدّرت الأمم المتحدة بأن ما لا يقل عن 70٪ من السوريين يعيشون في فقر مدقع. ومن جهة أخرى، فقدت سوريا عشرات الآلاف من شبابها ورجالها في الحرب، بين قتيل ومفقود، ومقاتل على الجبهات. وتشير أرقام سورية رسمية إلى أن أكثر من 80٪ من القتلى في سوريا هم من الذكور، وإلى ارتفاع نسبة الإناث مقابل الذكور لتصل حتى 60٪، في حين لم تتجاوز هذه النسبة 50٪ قبل عام 2011.
«من يجرؤ اليوم على الزواج؟» يقول بسام الملوحي الذي يدير محل أزياء ملوحي في سوق القيشاني ضاحكا، وهو يشير إلى الزقاق الضيق خارج محله. «يندر أن نرى رجالا اليوم في معظم أسواق دمشق القديمة وفي كافة أنحاء المدينة أيضا، ومن يقرر الدخول في قفص الزوجية لا بد أن يكون رجلا شجاعا للغاية، والفتاة التي تجد رجلا يرغب بالزواج تكتفي به وتقرر الاستغناء عن الكثير من التفاصيل الأخرى».

لجأت السوريات لحلول بديلة، كالتقليل من كمية المستلزمات التي يشترينها والاقتصار على الضروريات، أو اختيار نوعيات أقل جودة وبالتالي أدنى سعرا.

فوفق حديث الملوحي لـ«القدس العربي»، تحتاج العروس اليوم ما لا يقل عن 500 ألف ليرة سورية (ما يزيد عن 1000 دولار أمريكي) لتتجهز للزفاف بأبسط طريقة ممكنة، وهو مبلغ ليس في متناول معظم العائلات السورية اليوم، فمنها من نزح من مدينته وعليه أن يدفع إيجار منزل آخر موقت بشكل شهري، ومنها من فقد معيله الأساسي ليضطر أفراد آخرون من العائلة للبحث عن عمل وهو ليس بالأمر السهل.
وبذلك لجأت الفتيات لحلول بديلة، كالتقليل من كمية المستلزمات التي يشترينها والاقتصار على الضروريات، أو اختيار نوعيات أقل جودة وبالتالي أدنى سعرا. وفي بعض الأحيان، قد تقرر الفتاة إلغاء حفل الزفاف بشكل كلي، وهي بالتالي لن تحتاج لثوب الزفاف وكل الأكسسوارات المرافقة له، وستكتفي بشراء بعض الأغراض الشخصية ولوازم المنزل لا أكثر. ودفع ذلك بالملوحي للتوقف عن عرض الكثير من المنتجات كأدوات التجميل ولوازم الأسرّة، والاكتفاء ببيع أثواب الزفاف وفساتين السهرة لضمان استمرار العمل، «في انتظار الفرج» على حد تعبيره.
ويشير المتحدث أيضا إلى اعتماد سوق القيشاني بشكل كبير قبل الحرب على العائلات المقيمة في الأرياف المحيطة بدمشق، وهي العائلات التي فقدت بأغلبها ممتلكاتها وأعمالها واضطرت للنزوح إلى دمشق، أو إلى محافظات أخرى، وبالتالي خسر السوق، الذي يسميه الملوحي «سوق الدراويش» كثيرا من زبائنه. وفي محل مجاور وهو محل «دانيال»، يجلس البائع ويدعى سعيد على كرسيه بين مجموعة من الفساتين والملابس، وينتظر قدوم سيدة ما ليرحب بها بحرارة، ويجيب على أسئلتها بما يتعلق بتجهيزات العرس بكل دقة وبراعة. يعمل سعيد ـ الذي فضل الحديث لـ«القدس العربي» باسمه الأول فقط- في سوق القيشاني منذ أكثر من عشرين عاما، ويتفق بالرأي مع الباعة الآخرين المجاورين له حول انخفاض حركة البيع بشكل كبير في السوق بعد الحرب، لكنه يتحدث عن أسباب أخرى لذلك.
«سوق القيشاني هو سوق على مستوى سوريا وأيضا الدول المجاورة وبعض الدول العربية، وليس مخصصا فقط لدمشق وريفها»، يشرح البائع ويضيف: «كنا نعتمد بشكل كبير على الزبائن القادمين من محافظات أخرى، كما أن البيع بالجملة للأسواق العربية، وعلى رأسها لبنان والعراق وحتى الجزائر وتونس وليبيا، كان مصدر دخل مهم لنا، لكننا فقدنا كل ذلك بشكل شبه كلي خلال السنوات الفائتة».
وفي فترة الظهيرة، ومع ندرة مرور الزبائن، يقف سعيد إلى جانب باب محله، يتبادل أطراف الحديث مع باعة آخرين، ويقول بأنه لم ييأس بعد، «لا نعرف عملا آخر سوى هذا، ولا نملك سوى أن ننتظر لعل حالنا وحال سوقنا، وحال الزواج في سوريا تعود لسابق عهدها كما كانت قبل الحرب».

٭ كاتبة من سوريا

اضف رد