سوسيوغرافيا الانتفاضة (1): فئاتها وساحاتها

ملحم شاوول|الإثنين20/01/2020
Almodon.com

انتفاضة بوجه تسلط الرأسمالية المتفلتة والمافياوية (علي علّوش)أُطلقت جملة من التسميات والنعوت على الأحداث الجارية في لبنان منذ 17 تشرين الأول 2019 والمستمرّة حتى اليوم. سمعنا مصطلح “ثورة” إلى جانب مصطلح “حراك”، وقرأنا عبارة “هبّة استياء جماهيري واسعة”، وربما هي مترجمة للعبارة الفرنسية sursautindignationiste واستخدم أيضًا مصطلح “انتفاضة” وغيره.

نحن نرى أننا بصدد انتفاضة شعبية وطنية تنزع إلى التغيير الجذري، أي أنها من الممكن أن تفضي إلى “ثورة”. ونحدد مصطلح “انتفاضة” بأنه يدل على حركة احتجاجية لفئات واسعة من مجتمع، تحتشد في الأمكنة العامة من شوارع وساحات ومعابر، للضغط والتأثير على السلطات العامة من خلال عرض وجهات نظرها وتوجهاتها النقديّة الرافضة لسياسات هذه السلطات وممارساتها التي يعتبرها المنتفضون جائرة وفاسدة وغير قانونية.


وتكون الانتفاضة “شعبية” عندما تمثل مصالح وتطلعات السواد الأعظم من مكونات المجتمع، بدءًا من الفئات الأكثر نبذًا وتهميشًا، وصولًا إلى الفئات الطامحة إلى بناء مشروع سياسي – اقتصادي مستقبلي رؤيوي، يجمع الطبقات الوسطى وبعض مكونات الفئات الاجتماعية العليا التغييرية.

وتكون الانتفاضة “وطنية” عندما تتمكن من إطلاق أوسع مشاركة، ليس فقط على صعيد مكونات المجتمع فحسب، بل أيضًا على صعيد جغرافيا البلد ومناطقه ومُدنه وأريافه وجباله وسهوله.


هذه الميّزات الثلاث تنطبق على الحراك الاجتماعي السياسي العارم الذي يشهده لبنان منذ 17 تشرين الأول 2019 وحتى كتابة هذه السطور.

ولا تُعتبر “الانتفاضة الشعبية الوطنية” ثورة (حتى الآن…)، بل هي تحمل شعارات ثورية تطمح إلى جعلها وقائع سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية. تكون الثورة “ثورة” عندما يحصل التغيير الجذري في المؤسسات الدستورية – السياسية وفي العلاقات الاجتماعية والقيم المجتمعية الثقافية. لقد خبرت الأجيال الأولى من القرن العشرين – وما سبقها – نموذج الثورات الطبقية. وهي حسب لينين “حركة عنيفة تمكن طبقة اجتماعية معينة من الاستيلاء على السلطة، بعد هزيمة الطبقة السائدة وإرساء مشروعها العقائدي السياسي الشامل”. البورجوازية اقتلعت الاقطاع الأرسطوقراطي عام 1789 في فرنسا. والبروليتاريا أسقطت الحكم القيصري عام 1917 في روسيا، الخ.


لكن في النصف الثاني من القرن نفسه، خبرت الأجيال أنماطاً “ثورية” لم يكن يُحسب لها حساب “ثوري”: “ثورة القرنفل” في البرتغال بقيادة هيئة أركان الجيش سنة 1974! أو “الثورة الدينيّة” بقيادة رجال الدين وبمشروع سلطة دينيّة سنة 1979 في إيران! لذا استشعرت جماعة من علماء الاجتماع والسياسة، منذ ثمانينات القرن الماضي، ضرورة التخلي عن مفهوم الثورة الشاملة، التي حصلت في بداياتها، لأسباب أهمها انتهاء غالبية الثورات الطبقية وغير الطبقية، خصوصًا بعد سقوط حائط برلين وانهيار الاتحاد السوفياتي، إلى إرساء أنظمة ديكتاتورية، دموية، قمعية، إرهابية، ومتزمتة عقائديًا خارج أي مفهوم للتحرر والتقدم. واستولِدَ مفهوم “الحركات الاجتماعية”، والحِراكات القطاعية: المرأة، الشباب، الجندرة، البيئيون، العدالة والقضاء، حقوق الإنسان، إلخ. ولم يعد التغيير أو الثورة مفهومًا شاملًا، بل أصبح يعني “ثورات” متفاوتة الأساليب، ولكل منها منطقها ومطالبها وأصحاب المصلحة فيها، ومواردها البشرية والجماعات الناطقة باسمها.

وبدت الانتفاضة اللبنانية متأرجحة بين “الشمول” (كلن يعني كلن) – وهذا يتطلب تنظيمًا واحدًا وقيادة واحدة وبرنامجًا واحدًا – وبين “القطاعية” (الفساد، سوء الإدارة). وهذا يتطلب هيئات تنسيق صلبة ومشروعية. وسوف نقيّم لاحقًا هذه الحالة.

فئات الانتفاضة
بعد مرور ثلاثة أشهر ونيف على اندلاع الانتفاضة اللبنانية، نحاول أن نظهر التركيبة السوسيولوجية لمكونات هذا الحَراك، وكيفية توزعه من منظار سكوني إحصائي statique في البنى والفضاءات. تابعنا الحراك من الإعلام المرئي والمسموع والصحافة، خصوصًا الربورتاجات والاستقصاءات الميدانية، وما تناقلته وسائل التواصل الاجتماعي من مواد موضوعية، مقنِعة، غير التحريضية المعتمدة على البروبغندا، والتي لا تمت إلى الواقع بأي صلة.


ونورد هنا الملاحظات التالية:

– شاركت في الانتفاضة منذ يومها الأول جماعات واسعة من الفئات الأكثر عوزًا وفقرًا في المجتمع اللبناني الراهن. وهي الشرائح الدنيا من الطبقات الوسطى، ومعها الطبقات الدنيا من عمّال ومزارعين وصغار الحرفيين والكَسَبة. تلامس هذه الفئات خط الفقر وتنحدر دونه ويزداد فقرها يومًا بعد يوم وتتفشى داخلها البطالة.

– وشاهدنا في هذه الانتفاضة جماعات الشباب، وخصوصا الجامعيين. ويتمتع هؤلاء باختصاصات أكاديمية رفيعة المستوى وبمهارات مهنية عالية. وتميّزت هذه الفئة بطرح سياسي اجتماعي اقتصادي متماسك، وبخطاب واضح، ومعرفة واسعة بالملفات الإدارية الحكومية وطرق معالجتها.

– شرائح واسعة من أصحاب المهن الحرّة والكادرات العليا في المؤسسات الخاصة والأساتذة الجامعيين، شاركت في التحركات أيضًا. وهي ظهرت في الصور والنقاشات في “خيم” الاعتصامات الحوارية، وعلى شاشات التلفزيون. وهذه الجماعات تعيش في حال قصوى من الإحباط، خصوصًا في ما يتعلق بحق ممارسة عملها بحرّية ضمن القانون والقواعد المهنية المتعارف عليها. ولم تكن انتخابات نقابة المحامين ونجاح اللائحة المستقلة في مقابل الأحزاب المسيطرة، إلّا دليلًا على ما تطمح إليه هذه الفئات الهامة والقيادية في المجتمع اللبناني. وما تطمح إليه هو ممارسة تخصصها وعملها ومهنها بشكل حرّ، قانوني، وبحماية الدولة من دون تعرضها للترهيب والتهديد.

– كان من اللافت مشاركة جماعات من البورجوازية الرأسمالية التي تسمى “البورجوازية المقننة” bourgeoisie legaliste، أي المنضبطة بالأطر والقواعد الاقتصادية التي وضعت منذ تأسيس لبنان. والجماعات هذه منبثقة من ثقافة اقتصادية متراكمة منذ ثلاثة أجيال أو أربعة من رجال أعمال وفاعليات اقتصادية لبنانية. وعانت هذه الفئة من البورجوازية اللبنانية – التقليدية – ما عانته من تسلط الرأسمالية المتفلتة والمافياوية، التي تعود أصولها إلى سيطرة ميليشيات الحرب (1975-1990) على أجهزة الدولة، وإنشائها قطاعات اقتصادية موازية للنهب والاستئثار. وهذا ما أدى إلى شيوع مفهومين جديدين لتعيين هذه الفئة السوسيو – اقتصادية المستجدّة التي نشأت في رحم الحرب، ونمت في كنف الوصاية السورية: الأول، مفهوم “الكلبتوقراطية” kleptocratie، أي التسلط اللصوصي. وهو من ابداع علماء اجتماع من جمهورية لاتفيا في منطقة البلطيق، لتوصيف نظام الرئيس الروسي بوتين. والثاني، هو ما أسماه أحمد بيضون “المناهبة”، وهو يُضفي بعدًا “تفاعليًا” على اللصوصية.

– وأخيرًا لا بد من التأكيد بخط عريض على بروز “العنصر النسائي” بشكل واضح، شكّل مفاجأة في الانتفاضة وتكوينها الإنساني البشري. وهو لا يقارب كعنصر مستقل فحسب، بل كعنصر عابر لجميع الفئات الاجتماعية ومتفاعل معها. وقد لاحظنا في بعض اللقطات التلفزيونية والمشاهد المصورة عند تدخل قوى الأمن وبعض الممارسات القمعية، دورًا مقاومًا للنساء في الصفوف الأمامية.

ساحات الانتفاضة
لقد تابعنا توزع الانتفاضة على “ساحات”. وهذه عبارة عن أمكنة وفضاءات مرتبطة بالفضاءات المدينية خصوصاً، بصفتها مراكز استقطاب لسكانها ولجماعات أطرافها المحيطة. وقد لاحظنا مشاركة القرى والأرياف داخل الفضاء المديني، لكن من دون إخفاء خصوصيتها على صعيد المطالب والآراء. وتبين أن كل ساحة من الساحات تضم جميع الفئات المشاركة في الانتفاضة من جهة، مع وجود فئة مسيطرة أو غالبة من جهة ثانية، حسب الخصوصية الاجتماعية الثقافية لكل ساحة.


طرابلس
: شكلت طرابلس بصفتها حاضنة مدينية للانتفاضة، مفاجأة بحجم “نسويتها” على صعيد مواردها البشرية. لماذا طرابلس؟ الأبرز في طرابلس مشاركة الفئات الأكثر فقرًا وتهميشًا. ساحة طرابلس “ميكروكوزم” يمثل الأرياف المحيطة من عكّار والضنية، إلى جانب أهالي المدينة. نزح أهالي الأرياف إلى المدينة، عاصمة لبنان الشمالي، وعجزت هذه الأخيرة عن استيعابهم ودمجهم. فهم يعيشون تهميشًا مزدوجًا: الانسلاخ عن القرى، موطنهم الأصلي الذي لم يعد يؤمّن لهم العيش الكريم من جهة، والعجز عن الانتماء إلى المدينة من خلال العمل والعلم وسيرورة الترقي الاجتماعي من جهة أخرى.


بيروت
: الأبرز في بيروت – من ساحة رياض الصلح إلى ساحة الشهداء، إلى جسر فؤاد شهاب (الرينغ) – هو تصدّرالشباب الجامعي والنساء الانتفاضة. وهذا ما دفع، في بدايات الانتفاضة، القيّمين على الجامعتين الأكثر عراقة في بيروت، الأميركية والقديس يوسف، إلى تبّني مطالب المنتفضين وتأمين غطاء معنوي وأكاديمي للشبّان الطامحين إلى غدٍ أفضل. وفي الأسابيع الأربعة الأولى للانتفاضة في بيروت، لاحظنا فئات اجتماعية تبدو ظاهرًا وكأنها فئات ميسورة، لكنها الأكثر تضررًا من الأزمة الاقتصادية، وهي مجتمعات أفراد في حالة متقدمة من “الفردنة” individuation الاجتماعية، ويعيش أفرادها حالاً من الهلع من تدني مراتبهم في السُلّم الاجتماعي. ويغلب عليهم عنصر النساء والرجال المتقدّمين في السنّ، الذين ينظرون إلى الانتفاضة كخشبة خلاص قصوى لهم.


صور/النبطية/بعلبك
: شكلت هذه الفضاءات الثلاثة المفاجأة الثالثة لمتابعي الانتفاضة. فهي جمعت المعترضين الشيعة على تسلط “الثنائي الشيعي” على أبناء هذه الطائفة وسكان هذه المدن الثلاث. وأثارت الانتفاضة شرارة تفكيك عناصر السيطرة القسرية على المكون الرئيسي للنسيج الاجتماعي اللبناني. فتجلت “مقاومة المقاومة” و”ممانعة الممانعة”، بعدما تحول المشروع المقاوم – على ما يحصل في الكثير من حالات المقاومة المسلحة بعد انتصارها – إلى آلة قمع وترهيب ونبذ وتخوين. ولا بد من الإشارة إلى أن المنتفضين الشيعة لم يحضروا في لحظة انطلاق الانتفاضة، بل هم سليلو أجيال من المنتفضين والمقاومين لكل أشكال الجور والقهر والتسلط. وليست هذه الظاهرة بجديدة بقدر ما هي استئناف تموضع المواطنين والمواطنات المنسوبين إلى الطائفة الشيعية في الخريطة الطبيعية لالتزامهم السياسي الاجتماعي بتاريخ لبنان الحديث.
(يتبع)

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*