الرئيسية / مقالات / “سوريا خلصت” وعلى الأسد أن “يُوسِّع صدره”

“سوريا خلصت” وعلى الأسد أن “يُوسِّع صدره”

الفساد مشكلة طبيعيّة موجودة في دول العالم كلّها. لكنّه في العالم الأول يُواجه محاسبة قانونيّة رسميّة ويلقى مُمارسوه عقاباً عادلاًولذلك فإنّ نسبته لا تكون مرتفعة. أمّا في العالم الثالث والشرق الأوسط بعربه وأتراكه والعجم كما يُقال فإنّ نسبته طاغية، ويشترك فيه مسؤولون في السلطات الرسميّة على تنوّعها ورجال مال وأعمال وأناس عاديّون وكذلك مافيات مُتخصّصة “عندها ضهر” كما يُقال في لبنان. والجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة تقع في العالم الثالث هذا رغم تقدّمها على الكثير من دوله الكبيرة والمتوسّطة والصغيرة في مجالات عدّة الأمر الذي جعل انتقالها منه إلى آخر أفضل وأرقى ممكناً، ولا سيّما إذا انتهت الحروب الدائرة بينها وبين قوى كبرى في العالم والمنطقة سواء كانت مباشرة أو بالواسطة. هذا الموضوع يتطرّق إليه كل زائر لطهران يُتاح له التواصل مع مسؤولين كبار فيها ومعاونين لهم كما مع نخب متنوّعة المجالات والاختصاصات. طبعاً لا ينفي أحد منهم وجود الفساد لكنّهم يحرصون على الإشارة إلى أنّ دعوات المُحتجّين في تظاهراتهم الحاشدة إلى عدم “صرف أموال بلادهم” على لبنان وسوريا والحركات “الثوريّة والمقاومة” التي تتبنّى السياسة الإقليميّة والدوليّة لنظامها الإسلامي لا تعكس عدم موافقة على السياسة المُشار إليها، بقدر ما تعكس كلفتها المالية التي تُصبح باهظة وغير محتملة في ظل الفساد الذي لا تمكن محاسبته في ظروف الحروب على نحو ثابت ونهائي. وربّما تكون الاحتجاجات المُشار إليها دفعت ومنذ سنوات قليلة إلى بدء محاسبة جديّة لممارسي الفساد وحماته ورُعاته على تفاوت مستوياتهم وأسفرت عن اعتقالات وأحكام بالسجن والإعدام. في أثناء الخوض في هذا الموضوع سُئِل أحد المسؤولين عن دور التفاوت الطبقي في تغذية الاحتجاجات والتذمّر وخصوصاً من الطبقات الفقيرة. وجرى نقاش حول هذا الموضوع قال فيه السائل أن إزالة التفاوت الطبقي قد تكون هي أفضل الحلول لمشكلتي الفقر ثمّ الفساد. وقال فيه زائر آخر إن الإسلام لا يعترف على العموم بنظريّة الطبقات الماركسيّة الأصل التي تعتبر أن إزالة التفاوت بينها هو الحل، وأشار إلى أنّ الحل لهذه المشكلة يحتاج إلى تحوّل الثورة الحاكمة بلداً دولة. إذ إن مقتضيات الثورة وخصوصاً إذا كانت لا تزال تواجه تحدّيات داخليّة وخارجيّة تفسح في المجال أمام نشوء فساد وارتكابات لا يمكن البحث عنها وفيها ومساءلة المسؤولين عنها لأنّ حاجة البلاد إليهم كما إلى غيرهم كبيرة ومستمرّة. والسؤال هنا هو: هل يشعر الإيرانيّون أن ثورتهم حقّقت كل أهدافها ولا تستطيع أن تستمرّ في حال ثورة دائمة؟

طبعاً لا يحصل الزوّار على أجوبة نهائيّة عن هذه الأسئلة كلّها. لكن المسؤولين عن إعطائها يُشدِّدون على أنّ إيران الثورة لا تزال حاجة بدليل تعرّضها ومنذ تأسيسها عام 1979 إلى حرب عسكريّة نظاميّة دامت 8 سنوات وإلى حصارات وعقوبات دوليّة، ثم انخرطت في حروب إقليميّة بالواسطة مع جهات مُعادية لها وتسعى بكل قوّة إلى حصرها إذا لم يكن في إمكانها القضاء عليها. علماً أن هذه الحال لا تلغي حقيقة قيام إيران الثورة – الدولة بواجباتها تجاه الفقراء والعمّال والفلّاحين بالاستمرار في دعم الكثير من السلع الحياتيّة وفي توفير الكهرباء ومياه الشفة والري والانترنت للجميع وفي المناطق كلّها. إذ أن الطبقات في المجتمع ضروريّة شرط توفير حاجات كل واحدة منها وإعطاء المتوسّطة منها والفقيرة حقوقها وكذلك فرصها في التعليم والعمل وفي الانتقال من مستوى إلى آخر.

في أي حال لا ضرورة للخوض أكثر في هذا الموضوع. إذ انه يحتاج إلى معرفة أكثر واتصالات أوسع ومناقشات أكثر عمقاً، وذلك غير متاح. والأفضل هو الخوض في القضايا السياسيّة التي تشغل المنطقة وقواها الكبرى كما الدول العظمى والكبرى في العالم وفي مقدّمها أميركا وروسيا والصين. وقبل البدء بذلك لا بُدّ من الإشارة إلى رغبة المسؤولين الإيرانيّين في المعرفة والإطلاع والاستطلاع عند خوضهم في هذه المسائل، وإلى ابتعادهم رغم الكلام العالي حيال “اعدائهم” عن إطلاق مواقف غير محسوبة أو غير ممكنة أو غير مرغوب فيها.

في الموضوع السوري يشعر زوّار طهران أو بالأحرى يلمسون الآتي: “سوريا ستبقى واحدة جغرافيّاً أي لا تقسيم. لكنّها تحتاج إلى نظام جديد. لا يمكن أن تُحكم بالطريقة السابقة أي قبل عام 2011، على الرئيس بشّار الأسد أن “يوسِّع صدره”. لم يتم التوصّل حتّى الآن إلى حل سياسي للمسألة السوريّة وذلك يحتاج إلى وقت. لكن سوريا “خلصت” بمعنى أنها نَجَت. وأميركا لا يبدو أنّها تريد التدخّل الكبير فيها ربّما لأنّها أساساً لم تتأذ منها أو لم تتضرَّر. إيران وروسيا لهما دور في سوريا. وهما لن تتخاصما فيها أو عليها بل تتعاونان وتتكاملان الآن وفي المستقبل. هناك أيضاً تركيا والعرب مثل السعوديّة والإمارات ودول أخرى. تركيا ضعف دورها داخل المعارضة السوريّة. تصوّروا أن حامد خوجا الذي كان من زعمائها صار حاملاً جنسيّتها ومُنتمياً إلى أحد أحزابها. والسعوديّة لا تريد “الاخوان المسلمين” في سوريا وكذلك رئيس الأخيرة بشّار الأسد. وصار دورها في المعارضة السورية أقوى. الأكراد السوريون موجودون وعندهم قوّتهم لكنّهم “جزر ثلاث” بمعنى من المعاني أي لا اتصال جغرافي بين مناطقهم. لكن حجمهم الديموغرافي ليس بضخامة حجم أكراد العراق وطبعاً تركيا، فضلاً عن أن لا مصلحة للدول الأخرى التي فيها أكراد أي تركيا والعراق وإيران في حصولهم على دولة داخل سوريا أو على حكم ذاتي يجعلهم شبه دولة كما حصل في كردستان العراقيّة. تحتاج سوريا إلى إطار جديد يختلف عن الإطار القديم”. وعندما يسأل الزوّار عن المقصود بالإطار الجديد لسوريا، وعندما يتساءلون إذا كان لامركزيّة موسَّعة جدّاً أو فيديراليّة لأن ما حصل في سوريا منذ 2011 لم يعد يسمح باستعادة النظام الحالي كامل مقوّماته القديمة في السلطة الجديدة يسمعون الآتي: “الفيديراليّة أو الكونفيديراليّة ستعني عمليّاً تقسيماً مُقنّعاً، لكن على السوريّين أن يجدوا الإطار الجديد بأنفسهم وأن يُحدّدوه. والمقصود بذلك إطار جديد يسمح لمكوّنات الشعب السوري بأن يكون لها دور في حكم بلادها. هناك مسلمون سُنّة ودورز واسماعيليّون وأرمن ومسيحيّون وعلويّون. يمكن السماح بأحزاب لهؤلاء أو بالأحرى تسمح بأن يتمثّل هؤلاء من خلالها في مجلس النوّاب بنسب متنوّعة. طبعاً نعود إلى القول حزب “إخوان” ما في، لكن يمكن السماح بحزب يمثّل الاعتدال الإسلامي ويكون له اسم آخر فيه “تنمية” و”عدالة” و… وطبعاً لا بُدّ من التفاهم على كثير من القضايا المُتعلّقة بالانتخابات. التقسيم لا أحد يريده من مكوّنات سوريا أو لها مُقنّعاً كان أو غير مُقنّع. لأنّها كلّها تريد النفط والمياه والزراعة وذلك موجود في مناطق شرق الفرات. النفط في مناطق الأكراد. لا أحد له مصلحة في تقسيم سوريا”. هل الرئيس الأسد مهيّأ لذلك؟ يتساءل الزوّار فيأتيهم الجواب: “ربّما لا يزال غير مُهيّئٍ أو بالأحرى قد يكون في حاجة إلى تهيئة لذا عليه أن “يوسِّع صدره”.

اضف رد