الرئيسية / home slide / سوريا بين “قيصرين”

سوريا بين “قيصرين”

لا تزال سوريا محوراً مركزياً في الصراع الإقليمي والدولي في الشرق الأوسط. هكذا كانت قبل الحرب، وهي مرجحة للاستمرار هكذا. ولا تنم أي إشارة إلى أن الصراع الدائر إلى تراجع أو أنه في طريقه إلى أن يهدأ أو يخبو.

بعد أيام، يدخل “قانون قيصر” الأميركي حيز التنفيذ. وعصارة القانون الذي أصدره الكونغرس بحزبيه، هو تشديد الخناق الاقتصادي على الحكومة السورية ومنعها من أي فرصة قد تجد فيها متنفساً من العقوبات المشددة. ولهذه الغاية ستعمد إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى مطاردة كل الشركات الإقليمية والدولية التي لا تزال تقيم أي نوع من العلاقات مع سوريا. وتالياً، المستهدف بالقانون الأميركي الشركات الروسية والصينية بالدرجة الأولى، باعتبار أن الشركات الإيرانية خاضعة أصلاً لكل صنوف العقوبات الأميركية، ولا حاجة لمستزيد.

وبعد روسيا والصين، المستهدف أيضاً دول الجوار السوري، ولا سيما العراق والأردن ولبنان. فالعين الأميركية ستركز أكثر على منع أي نشاط اقتصادي أو سياسي انطلاقاً من هذه الدول نحو دمشق. وقد لاقت دول الاتحاد الأوروبي القانون الأميركي، بتجديد العقوبات على سوريا الخميس لسنة جديدة على قاعدة “استخدام كل وسيلة متاحة بغية المضي نحو تسوية سياسية ستصب في مصلحة جميع السوريين، وستضع حداً لعمليات القمع المستمرة”. هذا ما جاء على لسان الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية جوزيب بوريل، خلال تبريره تجديد العقوبات.

إذن، سوريا أمام مرحلة جديدة من العقوبات القاسية، من دون التفات إلى المخاطر التي ستترتب على ذلك، من جراء احتمال تفشي أوسع لفيروس كورونا في بلد يخضع للحصار منذ نحو عشرة أعوام. على أن الضغط الأميركي والأوروبي المتصاعد على سوريا، ليس من شأنه سوى دفع حكومتها نحو الاعتماد أكثر على إيران وروسيا والصين. وليس تفصيلاً أن الوجود العسكري في سوريا آخذ في التمدد منذ سنة على نحوٍ لافت، بحيث بلغ قبل أيام أقصى المثلث الحدودي السوري-العراقي-التركي، وبات على تماس أكبر مع القوات الأميركية، سواء تلك التي تحتل أجزاء من سوريا أو تلك الموجودة في الأراضي العراقية.

ومن منظور استراتيجي أوسع، توفر سوريا لروسيا قاعدة عسكرية لتوسيع نفوذها على كامل منطقة الشرق الأوسط. والدور العسكري الذي تلعبه موسكو في ليبيا انطلاقاً من قاعدة حميميم باللاذقية، يعطي فكرة عن الحسابات العسكرية والسياسية بعيدة المدى التي انطلق منها “قيصر” روسيا فلاديمير بوتين، عندما قرر أن لا يسمح للغرب في عام 2015 باسقاط سوريا على غرار ليبيا عام 2011، بعدما ارتكبت موسكو في ظل رئاسة ديميتري ميدفيدفيف خطأ استراتيجياً بسماحها لمجلس الأمن بتمرير القرار 1973، الذي اتخذ منه حلف شمال الأطلسي غطاء “شرعياً” للتدخل وقلب نظام معمر القذافي، وتالياً تصفية النفوذ الروسي في هذا البلد.

مجدداً، لا يظهر بوتين اشارات على التراجع في سوريا. وبين الحسابات الأميركية والأوروبية من جهة والحسابات الروسية، تبقى سوريا ساحة صراع إقليمي ودولي متحرك لا يشي بنهاية قريبة.

samih.saab@annahar.com.lb