الرئيسية / مقالات / سننتصر في هذه الحرب يا أبي

سننتصر في هذه الحرب يا أبي

ساحة الشهداء بعد انتهاء الحرب (تصوير نبيل اسماعيل)

ليس سهلاً أن تكتب في ذكرى 13 نيسان المشؤومة التي دمرت وطننا وخسرنا فيها آلاف الشهداء والأبرياء. في كل زاوية من مناطقنا قصة بطولة يفتخر فيها أحفاد الأحفاد، وفي المكان نفسه خيبات مغمّسة بدماء الاشقاء ورفاق الصف الواحد. طبعاً ليست قصة بوسطة، ولا يساريّة أو يمينيّة، ولا مسيحيّة أو مسلمة، لأن الشظايا طالت الجميع من دون استثناء. لست من الجيل الذي عايش أيام الحرب الأولى، ولم أكن من حملة السلاح للدفاع عن لبنان، لكن عايشت لحظات ومآسي كغيري من اللبنانيين في كل المناطق، اصوات المدافع ما زالت في وجداني والحواجز، صور الشهداء الذين سقطوا ورفعت الى السماء، حواجز وسواتر ترابية، وغرباء حلموا بسرقة ارضنا وحلمنا، ورحلوا وبقي الحلم والوطن. مشاهد مطبوعة في ذهني، تذكرني بمرارة ما عشناه، ونرفض أن نعيشه مجدداً.

اليوم نخوض حرباً مع فيروس #كورونا، عدو يمنعنا الخروج من المنازل، يهددنا في كل مكان، لا تعرف من أين ينقض عليك، لا خطوط حمراً له، ولا خطوط تماس. “حتى في عزّ الحرب لم نتوقف يوماً عن حضور القداديس والاحتفال بالأعياد”، يقول والدي الذي كان يحمل السلاح في النهار، ويعمل في الليل كي يؤمّن قوت عائلته في بداية الحرب. زرته اليوم بعد شهر ونصف الشهر من غياب التواصل المباشر. تفاصيل وجهه مع اللحية التي لم أرها عليه حتى في أصعب أيام الحرب، تراه كالنسر الهامد ينتظر جرس العودة إلى الحياة والطيران. قلت له: “منيح سمعت مني وبقيت بالبيت”، جاء الجواب بكلمات تختصر مشهداً من مشاهد الحرب التي تبقى في الأذهان، قائلا: “يلي كان يمشي تحت القذائف مسلماً أمره لله لا يخاف شيئاً، لكن ما بدي زعّلك، رضخت وقبلت أن أشاهد الأحفاد على التلفون”. وكم هم كثر الذين يشبهون أبي والذين لم يبخلوا يوماً بشيء في سبيل الوطن والأبناء. حملوا حياتهم على أكفّهم، بعضهم استشهد، بعضهم الآخر خسر قريباً أو حبيباً، والبعض خرج سالماً مع جروح داخلية. في الماضي كانت البطولة مواجهة العدو وجهاً لوجه، لكن اليوم البطولة هي أن تحمي نفسك منه وتتجنبه. إستراتيجية الأمس كانت الصمود والتصدي، اليوم الصمود والحماية هما الإستراتيجية الأمثل لنخرج بأقل أضرار ممكنة. في الحرب، ربحنا جولات وخسرنا جولات، اليوم الانتصار حتمي، لكن المطلوب هو الصبر وعدم الاستهتار. في الحرب كان المقاتلون في الطليعة والجسم الطبي ملحق بهم، اليوم الجسم الطبي في الطليعة، ونحن الملحقون به، وعلينا الالتزام بتوجيهاتهم كي لا نخسر مجدداً من نحبهم في حرب بيولوجية هذه المرة.

قلت لوالدي بعدما تمعّنت في ملامحه: “سننتصر في هذه الحرب يا أبي”. فردَّ بابتسامة واثقة.

اضف رد