الرئيسية / home slide / سندباد آسيا.. سيرةُ أوليفيه روا في عالم الشرق

سندباد آسيا.. سيرةُ أوليفيه روا في عالم الشرق

 محمد تركي الربيعو 
https://www.alquds.co.uk/
13082020

في عام 1996، كانت مجموعةٌ من كتب دار الساقي، ومقرها لندن، قد خرجت من إحدى مطبعات بيروت. في تلك الأثناء، بدت هذه المدينة وكأنها تستعيدُ بعضا من ألقها، بعد سنوات قليلة من انتهاء الحرب الأهلية، وبداية مشاريع إعادة الإعمار. ومع عودة الحياة العامة والثقافية، وإن ليس بوتيرة ما قبل الحرب، تحولت بيروت بالنسبة إلى قسم كبير من مثقفي المشرق العربي، لملاذ ومتنفس، وبالأخص للمثقف السوري، الذي كان يشعرُ في كل زيارة لهذه المدينة، وكأنه في عالم آخر، مختلف عن عالم القهر والخوف الذي كانت تعيشه البلاد.
ومع وصول شحنة الكتب الجديدة، أخذ العاملون في مكتبتها القابعة اليوم في محيط شارع الحمرا، الذي غدا في العقود الأخيرة موطنا لقسم كبير من المكتبات ودور النشر العربية، يفرّغون الشحنة لعرض الكتب الجديدة. يومها ضمت شحنةُ الكتب عناوين لأسماء بدت معروفة للقارئ العربي، مثل كتاب «صراع القبيلة والديمقراطية في الكويت» للسوسيولوجي الكويتي الراحل خلدون حسن النقيب، وآخر للمفكر محمد أركون حول العلمانية والدين، ورواية جديدة للوزير والروائي السعودي الراحل غازي القصيبي بعنوان «العصفورية» التي سيلجأ فيها إلى شخصية المجنون هذه المرة للتستر وراءه وهو ينتقدُ واقع الدولة العربية، وغياب الديمقراطية؛ فالمجانين عادة لا عتب عليهم، ولا يكترثُ لكلامهم سوى من يشبههم، كما حملت الشحنة استثناء تمثل في كتاب بعنوان «تجربة الإسلام السياسي»، لمؤلف فرنسي بدا أنه يظهر لأول مرة في عالمنا العربي و يُدعى أوليفييه روا؛ كان عنوانُ هذا الكتاب، الذي طُبع بالفرنسية عام 1992، يوحي بالكثير من الغموض، فما المقصودُ بتجربة الإسلام السياسي؟ ومن يمثل؟


وعلى الرغم من أن روا كان معروفا للبعض ممن يُتقنون الفرنسية، بيد أنه ظل شخصا مجهولا لغالبية أولاد جمهوريات «ساطع الحصري»، التي، في سبيل أساطيرها العروبية، أجبرت جيلا كاملا على ترديد قصائد الجاهليين، على حساب تعلم لغات العالم الآخر. لم يكن هذا الكتابُ أول عنوان يصدرُ للمؤلف بلغته الأم، فقد أصدر كتابا وهو في مرحلة الماجستير عن رسائل الفيلسوف الألماني جوتفريد لايبنيتس (1646/1716) مع اليسوعيين حول الصين، إذ كان لايبنيتس يجري مراسلاته مع عدد من اليسوعيين الإيطاليين آنذاك باللغة الفرنسية. وبعد أربعين عاما من صدوره لا يزال الكتابُ موجودا على رفوف دار نشر (فرن)، في ساحة السوربون، ويُباع منه سنويا نحو ثمانية نسخ. كما أصدر كتابا آخر، تناول علاقة الإسلام بالحداثة السياسية في أفغانستان، إلا أن حظ هذا الكتاب لم يكن كسابقه؛ إذ سرعان ما تُرجم للإنكليزية وكذلك للروسية، ليغدو مرجعا لطلبة الكليات الحربية السوفييتية خلال حربهم على البشتون والطاجيك وقندهار. مع ذلك فقد بدت قصةُ أول كتاب يترجم له للعربية طريفة بعض الشيء، فقبل صدوره بالعربية، كان روا قد دخل أفغانستان في فترة الثمانينيات، لإعداد عدد من المقالات والأبحاث عن الإسلام المحلي، وفي ظل ظروف الحرب غالبا ما كان يضطرُ إلى تغيير اسمه وهويته، لكن ذلك لم يُقلل من أهمية ما كتبه حول شبكات الفاعلين الأفغان خلال الحرب، وبعد ذلك بسنوات، وفي وقت كان الاتحاد السوفييتي على حافة الانهيار، تلقى دعوة من نعومي فيتالكي، المستشرق الروسي المعروف، وأحد وسطاء بوتين اليوم في الأزمة السورية، لزيارة آسيا الوسطى، بعد أن اعترف له بعجز السوفييت عن فهم هذا العالم؛ وفي هذه الرحلة، اضطر مرة أخرى إلى تزوير صفته، بعد أن رفضت شركةُ الطيران حجز مقعد له، لأن ثمن البطاقة كان سيُدفع بالروبل، الذي كان يهوي؛ يومها سينجحُ صديقه الجديد فيتالي في حل هذه المعضلة، عبر إخبار شركة الطيران بأن روا هو رجلُ دين سني! وأنه في زيارة للبلاد برفقة وفد سعودي، ما يعني دفع ثمن التذكرة بالدولار. وكما حدث في المرة الأولى والثانية، كان عنوان كتاب روا يدخل العالم العربي بالطريقة ذاتها، فبدلا من اعتماد العنوان الأصلي لكتابه «فشل الإسلام السياسي»، كان المترجم/الخائن برفقة دار النشر، يُدخلان كتاب روا تحت عنوان مضلل، وربما كان الخوفُ من ردة فعل بعض الإسلاميين الخمينيين ما دفعهم لذلك، خاصة أن روا يُخصصُ قسما كبيرا منه للحديث عن مرارة مشروعهم. لن يقف القراءُ كثيرا عند هذه النقطة، لا لاعتيادهم عمليات التضليل هذه، التي ربما ستزدادُ في أيامنا هذه أكثر من السابق، بل ربما لأن مضمون الكتاب بدا مفاجئا على صعيد خلاصاته وأدواته، كان روا منذ دخوله لأفغانستان قد وصل لقناعة بأن دراسة الإسلاميين تتطلبُ قطيعة مع الرؤية التقليدية، التي تُفرطُ في تقدير دور النصوص الدينية في تفسير سلوكيات هؤلاء الأشخاص، وبذلك كان يخالفُ باحثين غربيين كثرا، من أمثال برنارد لويس، الذي ظل يعتقدُ في كتابه «لغة الإسلام السياسي» أن فهم هذه الجماعات تتطلبُ البحث في جينالوجيا مفرداتهم وعباراتهم، عبر العودة بها للإسلام المبكر.
وربما ما بدا أكثر غرابة يومها في هذا الكتاب أيضا، أن روا وصل إلى قناعة أو استنتاج مفاده، أن الإسلام الشعبي المقبل هو الإسلامُ السلفي، إذ لاحظ مثلا ذلك التباين بين مرشد الإخوان المسلمين عمر التلمساني، الذي التُقطت له صورة عام 1962 ببذلة وربطة عنق، وزعيم الجبهة الإسلامية للإنقاذ عباس مدني، الذي كان يرتدي الجلباب والبنطال الفضفاض، ويغطي رأسه بشاشية بيضاء. ربما يومها، لم يتوقع أكثر المتحمسين لرؤية هذا الضيف الجديد، أن يتحول هذا الإحساسُ/التكهنُ إلى واقع، أو أن يظهر حازم صلاح أبو إسماعيل بوصفه مرشحا محتملا، وذا قاعدة شعبية كبيرة في قاهرة أم كلثوم، وسينما عادل إمام.. بعد كتابه الأول بعقد تقريبا، سيعودُ القارئ العربي للتعرف على سلسلة جديدة من كتب روا حول الإسلام اليومي وعلاقته بالعولمة، وخلافا لبعض الباحثين الذين وجدوا في هذه العلاقة فرصة لصناعة «إسلام سوق»، وفق تعبير باتريك هايني، بدا روا أكثر تشاؤما؛ فبالنسبة له الإسلام المعولم، هو إسلامٌ بلا تربة، وهذا ما حاول توضيحه في كتابه الأهم «الجهل المقدس»، الذي تطرق فيه لفكرة السوق الدينية، التي حولت الأديان إلى بضاعة، يأخذُ منها المتدينُ ما يشتهي، بدون أن يولي أهمية بسياقات النصوص. وقد غدت رؤية روا هذه مدخلا لعدد كبير من الباحثين، قبل أن يتحول إلى نجم بُعيد أحداث الربيع العربي وتفجيرات باريس، وظهور تنظيم الدولة الإسلامية؛ ومما يذكره روا عن هذه الفترة، أنه خلال جولاته في أفغانستان وآسيا الوسطى، كان يُطلبُ منه إجراء مقابلتين في الشهر، بينما أخذ هاتفه في الأعوام الأخيرة يرنُ كل ربع ساعة.

بدا له أن الثورة في طهران لن تستمر إلا بالموت، أو بالانتحار، الذي يبقى الأسلوب الوحيد للحفاظ على النقاء والخروج من استعصاء الإسلام السياسي. ومع نهاية الحرب، قرر أن يدون ما تعلمه في السنوات التي أمضاها في إيران، وأفغانستان، وباكستان، من خلال إصدار كتابه «فشل الإسلام السياسي».

ولكن ماذا عن صور روا الأخرى؟
سيلاحظُ القارئ أن السرد السابق، ركز على أفكار روا، وعلى استنتاجاته المدهشة في عالم الأصوليات والجهاديين، بعيدا عن تحليلات أفلام هوليوود وروادها. وربما قد تبدو هذه الصورة كافية للإحاطة بالرجل، غير أن المطلع مؤخرا على كتابه «البحث عن الشرق المفقود» ترجمة رندة بعث، الذي يتحدثُ فيه عن سيرته الشخصية منذ الطفولة، مرورا بسيرته الميدانية في أكثر من دولة، سيكتشفُ أن أي إلمام جدي بكتابات روا، لا يمكن أن يتحقق بدون الاطلاع على صفحاته؛ سيخبرنا في هذا الكتاب عن قصة ولعه بدراسة الأديان، منذ أن كان طفلا بروتستانتيا في إحدى قرى الريف الفرنسي، وعن رحلة كل كتاب ألفه، والأشخاص والصور الذين شكلوا أبطال كتبه؛ واللافت كذلك أننا سنتعرفُ على صورة أخرى له؛ إذ قد يُخيلُ للبعض، أن هذا الرجل أكاديمي مختص، يقطنُ في مكتبه داخل إحدى الجامعات الفرنسية العريقة، عاكفٌ على القراءة والتأليف، بيد أن هذا الخيال سيزول حالما نعبر معه في رحلته في أفغانستان؛ فقد كان يتجولُ لأيام وليال طويلة في بلدان عديدة بمصروف لا يتجاوزُ بضعة دولارات؛ كان قد بلغ العشرين وقتها، عندما جرت أحداث 1968، لكن وخلافا للصورة الوردية عن تلك الأيام، سيبدو كارها لأجوائها، ومستاء من حالة التسييس المفرطة، وعبادة ماوتسي تونغ؛ فقد كان قادةُ اليسار، كما يذكر، يتصرفون كأن الانتقال إلى الحرب الأهلية أمرٌ حتمي، ولا ينفي هنا أنه بدا مولعا في فترة ما بهذه الأفكار، ولذلك قرر في يوم ما قبل هذا الحدث تعلم كيفية صنع القنابل، وربما لم يكن يخطر على باله، أو حتى يتخيلُ أنه سيغدو بعد سنوات واحدا من المحللين الكبار لشبكات وحيوات الانتحاريين؛ مع ذلك بدت لحظة العصيان الفرنسي بالنسبة له غير جذابة، ومملة، ولذلك سيُقررُ دراسة الفارسية البسيطة، بيد أن الأمور لن تسير بهدوء، ففي أحد الأيام سيوجه له أحد قادة هذا الحراك تهمة مناهضة الثورة، لاهتمامه بهذه الجوانب، بدل تركيزه على النضال، كان هذا القائد يدعى لامني جامبيه، الذي أصبح لاحقا من أهم الباحثين في التصوف الفارسي.
حاول روا الذهاب إلى اليمن، تحت تأثير بقايا روح يسارية، بقيت مهووسة برؤية حرب العصابات في ظفار، لكنه لن يفلح في هذا المسعى، ليعود بخفي حنين مارا بقرية والد بن لادن في طريق عودته. وأمام هذا الواقع غدت أفغانستان مكانه المفضل، وسيعبرُ إليها مرارا وتكرارا عبر إسطنبول وطهران. أول ما سيلفتُ نظره في هذا الرحلات، أن حُسن الضيافة في الشرق الأوسط بدا خارقا، وأن هناك قواعد لهذه الضيافة، فالتركي «عادة ما كان يدعوني لتناول الطعام في المطعم، لكن لم يكن يدعوني إلى بيته. أما في إيران، فالحال معاكس: الناس لا يعيشون حقا في الأماكن العامة، ولذلك نمتُ في بيوت أسر هنا»، لكن، مع مرور الوقت كانت صورُ أحلام الطفولة التي رسمها في خياله حول الشرق، تتحولُ إلى كليشيهات مملة، وبعد عودته من إحدى رحلاته، سيقومُ بعرض بعض الصور التي التقطها في المدينة الجامعية، وستخبره صديقته الجزائرية أمينة أن «ما فعله عنصري بالكامل» لأن الصور تعرضُ «نساء محجبات، بدوا مسلحين، جمال، سفنا شراعية، ولماذا لا تضع أيضا قوارب جذعية وتماسيح». أدرك صاحبنا أن زميلته على حق، وأنه كان يسافرُ إلى شرق متخيل، ولذلك لن يعود لأداء طقوس احتساء الشاي مرة أخرى في مقهى بيير لوتي في إسطنبول.
وخلال فترة السبعينيات، سيعكفُ على تدريس الفلسفة لطلاب الثانوية، قبل أن يغزو الروس أفغانستان في 27 كانون الأول/ديسمبر 1979، يومها بدا له أن الباب قد بات مواربا وأن حياته ستتغير، غير أن الرحلة هذه المرة لن تكون سهلة، ما اضطره إلى توسيط برنار هنري ليفي (الذي يراه رجل أضواء وليس أكثر) للدخول عبر بيشاور، لكنه لن يطيل المقام، لعدم قدرته على مستلزمات العيش هناك. في هذه الأثناء تواصل معه بائعُ سلاح بلجيكي، وعرض عليه أن يكون مكلفا بتوزيع السلاح في أفغانستان بحكم معرفته بالبلاد، مقابل خمسة آلاف دولار شهريا، وقد بدا له هذا العرضُ مثاليا، ولذلك قبل بالمهمة، قبل أن يدخل الكاوبوي الأمريكي على خط توريد الأسلحة. تمكن لاحقا من تأمين دخل لرحلاته، ليعود إلى باكستان ومكتب المجاهدين، للحصول على الموافقة. وقد كتب في هذه الأثناء عن طرق إدارة المجاهدين للمناطق الريفية، والتحولات في الزعامة المحلية، وإعادة تشكيل الإثنية والقبلية، وكذلك قوة وتعقيد الشبكات الصوفية، وأخيرا ظاهرة المدارس الريفية وتحولها البطيء إلى جبهة طالبان.
وفي شباط/فبراير 1988 أعلن غورباتشوف الانسحاب من أفغانستان، ولذلك كان ينبغي التحضير لما بعد، وسيكشفُ لنا هنا روا عن معلومة لم تثر اهتمام القارئ العربي سابقا، وهو أنه كلف بمرافقة مستشار الأمم المتحدة للتفاوض مع الإيرانيين، كي يسمحوا لهم بفتح منفذ غربي. في هذه المفاضات بدا أنه يتعرفُ لأول مرة عن قرب «على كواليس إيران: أجهزة حرس الحدود، التنافسات الداخلية، والريبة، وكله مخبأ خلف تهذيب رفيع»، كما بدا له أن الثورة في طهران لن تستمر إلا بالموت، أو بالانتحار، الذي يبقى الأسلوب الوحيد للحفاظ على النقاء والخروج من استعصاء الإسلام السياسي.
ومع نهاية الحرب، قرر أن يدون ما تعلمه في السنوات التي أمضاها في إيران، وأفغانستان، وباكستان، من خلال إصدار كتابه «فشل الإسلام السياسي».
بعد هذه التجربة، انتقل روا للعمل ممثلا خاصا لمنظمة الأمن والتعاون الأوروبية في طاجكستان؛ وقد لاحظ خلال هذه المهمة أن الهابيتوس السوفييتي في التسلط، ونزعة سيطرة الدولة، بقيت مستمرة في هذه الأمم الجديدة. كما تزوج، في هذه الأثناء، بفتاة سريانية تعود جذورها إلى قرية طور عابدين (بالقرب من مدينة ماردين)، ومما يذكره هنا أنه اضطر إلى الحصول على فتوى من بطريركية السريان الأرثوذكس في دمشق للزواج بها، وأنه لأجل ذلك أيضا تحول من البروتستانتية إلى الأرثوذكسية، وبذلك نكتشف أن روا كان من بين المتحولين الدينيين الذين سينشغلُ في دراستهم لاحقا على مدى عقدين تقريبا. شكلت هذه الأحداث الشخصية وعلاقة التحول الديني حبكة كتابه «الجهل المقدس». ومع صعود نجمه، ودقة تحليلاته، اقترح عليه برنار كوشنير، تولي إدارة التوقع في وزارة الخارجية، لكنه سيرفضُ كل شيء، ويستقيلُ من مركز التحليل والتوقع، ليرحل بعدها إلى فلورنسا الإيطالية.
يذكر في سيرته أن هذا القرار نجم عن شعوره بالتعب والخذلان من الحالة التي وصل إليها المثقفون الباريسيون، فقد»باتت الحياةُ مخيفة» في فرنسا؛ ولذلك غادر في سيارة صغيرة كان قد اشتراها قبل عشر سنوات، إلى مكتب في دير دومينيكي هجره الرهبان، ولعله اختار هذا المكان، ربما لأنه يذكره بالشرق وبرائحته التي تولع بها، خاصة وأن المدن الإيطالية كانت بمثابة بوابة الشرق إلى أوروبا لقرون طويلة، ليكمل بهذه الرحلة، كما يذكر في آخر صفحة من سيرته، حكاية الواحدة بعد الألف من شرقه الضائع، ونرجو أن لا تكون الأخيرة إلى وقت طويل.

٭ كاتب من سوريا