الرئيسية / مقالات / سنة الخفاشين

سنة الخفاشين

“العام 1629 وصل الطاعون الى ايطاليا. جاء مع المرتزقة الألمان، في ثيابهم الرثة. وراحت فلورنسا ترتعد وتستعد، بعدما تفشى في ميلانو وفيرونا وبولونيا. وبعثت مصلحة الصحة فيها السانيتا، الى البلديات تستفسر عما يجري، لكن أول جواب أتى من بارما، حيث أفادت رسالة السانيتا فيها، ان الأحياء صاروا يحسدون الموتى”.

هذا مقطع من كتاب حديث بعنوان “فلورنسا تحت الحصار: مواجهة الطاعون في اوائل المدن الحديثة”، للمؤلف جون هندرسون. واضح ان الهدف من عرض الكتاب هو نقل صورتين تزدادان تشابهاً، بين فلورنسا القرن السابع عشر، ووهان القرن الحادي والعشرين: الإنسان الأكثر تطوراً في عصره يقف عاجزاً أمام جرثومة غامضة تظهر في الصين لكنها تكبِّد العالم اجمع خلال أيام خمسة تريليون دولار. وإذ تفرغ ووهان مثل فلورنسا، وتلغى التجمعات، وتقام القداديس في الشوارع، وتجري مراسم الاعتراف من نوافذ البيوت، تلغى الأسواق والتجمعات في جنوب لبنان، ويمنع في فرنسا أي تجمع يزيدعلى خمسة آلاف شخص.

أصبحت “السانيتا” في فلورنسا هي السلطة الحاكمة. لا كلام ولا رأي للسياسيين. وصارت توفر الوجبات اليومية مجاناً (بما فيها النبيذ) لقرابة 35 ألف إنسان في الحجر الصحي. لكن الاختلاط ظل قائماً بين الأصحاء وذوي الاصابات الكامنة. والغيت جميع المهرجانات، كما الغي مهرجان البندقية هذه السنة. وكمدت الوجوه خوفاً. ولعلكم لاحظتم وجه دونالد ترامب مكفهراً السبت الماضي، وهو يعلن وفاة الإصابة الأولى، وذلك للمرة الأولى منذ ظهوره على المسرح السياسي بمعالم متحدية ولهجة حادة. وللمرة الأولى نرى الرئيس الاميركي الخامس والاربعين يقرأ من خطاب مكتوب، ويلتزم السطور أمامه. الأوبئة لا تتحمل خفة الحياة.

كورونا، ليس إعصاراً مثل تلك التي تضرب فلوريدا وجزر الكاريبي كل سنة، تخلف الدمار وتمسح المباني وتقتلع الشجر، ثم تربض بخبث حتى السنة التالية. إنها ليست شيئاً محلياً أو اقليمياً. إنها غموض مرعب ومريب يعبر سراً بلاد الملاحدة في الصين والمؤمنين، وعلى نحو مثير يرعب ايطاليا على طريق الطاعون القديم، مذكراً أهل فلورنسا وجبال بيمونتي وجبال الأبنين، أنه قاهر الصخور والأعالي، ولا يفل الحديد إلا الحديد. أي ان يخترع الإنسان جرثومة مضادة، كما اخترع من قبل اللقاحات ضد الجدري والملاريا والهواء الأصفر الذي سميَ كذلك لأنه جاء من بلاد الجنس الأصفر، كما كانت الوقاحة البشرية تسمي أهل الصين وذوي العيون الضيقة. هل سمعت في عمرك عن شاعر صيني يتغزل بعيني حبيبته؟ لقد قامت شهرة لويس أراغون على وصف عيني زوجته، إلسا، لكن من أين نأتي في بلاد المانداران بعينين مثل عيني إلسا، أو مثل عيون الحور التي قتلت جرير؟

ما سمي قوانين الطبيعة هو في الحقيقة ، فوضاها، وجبروتها وجنونها. هل يمكن ان يكون الوباء الحاصد، قانوناً؟ إن الطبيعة جنون مستمر منذ تنبؤات اشعيا إلى رباعيات نوستراداموس، الذي رأى ما رأى، وهو يعالج مرضى الطاعون، فكان أن ترك لنا ما ترك. موت وموت وهلع.

في كانون الثاني الماضي التقى الرئيس الصيني شي جينبينغ المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيد روس تشبريسوس، في “قاعة الشعب” في “ساحة السلام الدائم”. كلاهما رمزالعظمة الصينية. وقال الزعيم الصيني، مخاطباً شعبه، لا المدير العام، إن الوباء شيطان لن نتركه مختبئاً، ثمة تقليد في الصين بمقارنة الكوارث البشرية والطبيعية بالشياطين وآلهة الشر والارواح الشريرة. وفي الطاعون الذي ضرب الصين العام 1919 توفي 60 الف مصاب. وعندما قال الرئيس شي جينبينغ كلامه كان يفكر في 60 مليون صيني يعيشون الآن في ظروف الحجر مثل أهل فلورنسا، لا أعرف الى أين وصل الرقم حالياً.

لم يفارق هاجس الوباء أهل الصين. وحتى الآن تدرَّس في المدارس قصيدة ماو تسي تونغ (1958) “وداعاً لإله الطاعون” حيث يحتفل “قبطان السفينة الكبير” بإزالة خطر “الحمى الحلزونية”. لكن يبدو ان الاحتفال كان سابقاً لإوانه.

تأسست منظمة الصحة العالمية بادىء الأمر كجزء من عصبة الأمم بعد الوباء الفتاك الذي ضرب العالم بين 1918 و 1921 وأدّى إلى وفاة 50 مليون شخص، وقد سمي الانفلونزا الإسبانية، ولم تنج منه سوى جزيرة سانت هيلينا ( منفى نابوليون)، والمحيط المتجمد الجنوبي. وكانت البلدان الفقيرة، كالعادة، الأكثر تضرراً: 18 مليون وفاة في الهند.

مزق الوباء الانسجة الاجتماعية أكثر بكثير منه الآن. وقسّم العائلات. وأعاق بناء أوروبا بعد الحرب الأولى. وفيما يضرب كورونا اليوم الاكبر سناً، فإن الوباء الماضي ضرب الشبان وأفقد أوروبا اليد العاملة.

كل وباء رافقه عامل سياسي. ليس في لبنان وحده تحوَّل كورونا مسألة طائفية، كما يتحول الارز والتبغ وحراق الدكتور ماريو عون، الشديد التعقل في الحالات الأخرى. ففي القرن الثامن عشر أقامت امبراطورية هابسبورغ “طوقاً صحياً” من الدانوب الى البلقان، على شكل سلسلة من القلاع، لمنع الوباء من التسلل من الامبراطورية العثمانية المجاورة. بكلام آخر، خط فاصل بين المسيحية والاسلام. والخرافة لم تمت في الشعوب بعد. فالأوبئة، في العادة، عقاب ينزل بالشعوب المرتكبة. والآن تنسب الجراثيم الى المختبرات، خصوصاً الاميركية. وما ان ظهر كورونا حتى قيل إنه اختراع أميركي لضرب الاقتصاد الصيني. وكان يطلق هذه النظريات في الماضي رجل وسيع العلوم كثير المعارف، هو الأخ القائد معمر القذافي، الآن اكتشف – في جملة ما اكتشف – أن شكسبير ليس سوى شاعر عربي اسمه الاصلي الشيخ اسبر، ولم يحدّد من أي قبيلة ولا من أي فخذ من افخاذها. النظريات العلمية لم تنته بعد، لكنها تسمى الآن “فتاوى”، وتباع في محطات المترو في القاهرة. أما مصر التي فوق الأرض فكانت الدولة الأولى التي ساعدت الصين على محاربة الخفاش اللعين، الذي يذر في الأرض المرض الذي سمته العرب “ذات الرئة” تشديداً على هوله.

في كتاب صدر قبل سنوات، يؤسفني نسيان عنوانه، يقول مؤلفه إن الذي أحدث السبق في مواجهة الامراض خلال السنوات الألفين الماضية، كان النظافة، لا الدواء. مات عبد الحليم حافظ بالبهاراسيا التي كانت تقتل فلاحي مصر، قبل ان يكتشف علاجها. وكان الفلاح المصري يعيش في ظروف صحية تكاد تشبه ظروف الهند. العام 1994 سافرت الى جاكرتا لتغطية قمة عدم الانحياز. وقد حذرني مكتب السفر من تناول المياه أو الخضار أو الثمار. ولشدة ذكائي نسيت ان الثلج مصنوع من المياه. وعند منتصف الليل نُقلت الى الطوارئ حيث من حسن الحظ، كانت الطبيبة المناوبة قد درست في المانيا، فكان أول سؤال طرحته عليّ: هل تناولت المياه، بأي شكل من الاشكال؟

كان يشق جاكرتا تلك الايام نهر مفتوح يشبه نهر الليطاني. وبعد سقوط احمد سوكارنو وأبنائه وشركاه، كان أول عمل قام به الديموقراطيون الجدد، سقف ذلك النهر الموبوء. دائماً ارتعد من مشاهد الزبالة في لبنان الذي يظهر فيه النفط ويختفي الشجر. كنا نضحك من سعيد عقل في الماضي عندما يكتب أننا أغنى من بلاد النفط لأننا بلد مائي، والماء سوف يباع ذات يوم في الزجاجات مثل الحليب. هذا إذا عثر عليه. لأن النتيجة ستظل واحدة: يقتلع الشجر من أجل السد. ويكرر القرويون قول أجدادهم: طريق السد ما ترد! أغيثوا بسري من وباء المتعهدين.

اضف رد