الرئيسية / home slide / «سلّة خبز العالم»: حصار روسيا لا يجوّع سوى فقراء الكون

«سلّة خبز العالم»: حصار روسيا لا يجوّع سوى فقراء الكون

 صبحي حديدي
القدس العربي
24062022

بصدد أزمة الحبوب الكونية الناجمة عن، أو من حول، الغزو الروسي في أوكرانيا، ثمة معطيات إحصائية صلبة لا مقام فيها للتفذلك أياً كانت حنكة المتفذلك، ولا للتلفيق أنّى ذهب الملفّق في ليّ عنق الحقائق. المعطى الأوّل هو أنّ روسيا استحقت، بجدارة تسندها الأرقام، لقب «سلّة خبز العالم» لأنها تصدّر إلى أبناء الكرة الأرضية خارج روسيا ما يعادل 17% من القمح، فكيف تكون الحال إذا كان الطرف الآخر في المعادلة الكارثية، أي أوكرانيا، يصدّر 12%. مأساوية المعادلة هنا لا تحتمل أيّ مقدار من تخفيف الوطأة أو ترحيل العواقب: إمّا أن تخرق عشرات الدول العقوبات الامريكية والأوروبية والأطلسية المفروضة على الصادرات الروسية، وتقع بالتالي تحت طائلة إجراءات عقابية وتأديبية؛ أو أن تنتظر ساعة فرج تأتي ولا تأتي، حين يتبدّل الوضع في قليل أو كثير حول الألغام التي تشلّ الموانئ الأوكرانية وتعيق بالتالي تصدير محاصيل الحبوب؛ أو ثالثاً، وهو الأرجح السائد، أن تجابه ارتفاعات قياسية غير مسبوقة في أسعار القمح، وبالتالي يبلغ مئات الملايين من السكان حافة الجوع والتجويع والمجاعة.
المعطى الثاني الصلب يقول إنّ سوق الحبوب العالمية عالية التركيز لأنّ 85% من الصادرات العالمية تنحصر في سبعة مصادر: روسيا، أوكرانيا، الاتحاد الأوروبي، أستراليا، كندا، الولايات المتحدة، والأرجنتين. وأمّا صادرات الذرة، فإنها تنحصر في أربعة مصادر: الولايات المتحدة، الأرجنتين، البرازيل، وأوكرانيا. وللأرقام أن تختصر، على نحو مثير للقلق ومأساوي هنا أيضاً، مقادير اعتماد بعض دول الجنوب والمجتمعات النامية على الصادرات الروسية والأوكرانية: 90% في الصومال، 80% في الكونغو، 40% في اليمن، وهكذا… ولا يتوجب أن تغيب عن الذاكرة حقائق المجاعة التي ضربت الصومال، في الجانب الذي يخصّ الحبوب وانفجار أسعارها وأزمات الخبز والغذاء، فأودت بحياة 250 ألف آدمي. أسعار شهر نيسان (أبريل)، بعد أسابيع على بدء الغزو الروسي، قفزت على نطاق عالمي بمعدّل 17% عن شهر شباط (فبراير) من العام ذاته، ولأنّ الحرب قائمة وآخذة في الاتساع، وبالتالي لن تتأخر أسعار الحبوب في القفز أعلى وأعلى؛ فإنّ عشرات الدول سوف تصبح عاجزة ببساطة عن سداد أثمان الواردات، بافتراض أنّ الندرة الحادة لن تكون سيّدة المشهد أصلاً.

إذا كان واضحاً تماماً مقدار ابتهاج البيت الأبيض بتورّط الكرملين في غزو أوكرانيا، فإنّ ما لا يقلّ وضوحاً هو انعدام الاكتراث لدى القوى التي تحاصر «سلّة خبز العالم» إزاء حقيقة كبرى ساطعة تقول إنّ فقراء العالم وجياعه هم المحاصَرون في المقام الأوّل.

وليس خافياً، استطراداً، أنّ هذه السطور تساجل ضدّ العقوبات الاقتصادية إجمالاً، وتلك التي تؤذي الشعوب قبل أن تمسّ الحكام خصوصاً، على غرار العقوبات التي فًرضت ضدّ نظام صدام حسين أو التي تُفرض راهناً ضدّ النظام السوري؛ ليس لأنها لا تملك هذه الدرجة أو تلك من التأثير على الأنظمة، بل جوهرياً لأنّ تأثيراتها السلبية على الشعوب والمجتمعات والبنى التحتية أضخم بما لا يُقاس. على سبيل المثال، العقوبات المندرجة ضمن «قانون قيصر لحماية المدنيين السوريين» لم تمنع وكالات الأمم المتحدة المختلفة من تمرير 30 مليار دولار إلى أجهزة نظام بشار الأسد، مقنّعة كانت أم صريحة، تحت ستار «المساعدات الإنسانية»؛ بعلم، وإقرار، الولايات المتحدة وجميع أعضاء مجلس الأمن الدولي الدائمين. والتاريخ لا يسجّل سقوط أيّ نظام «مارق»، بحسب التعبير الأمريكي الشهير، جرّاء عقوبات اقتصادية من أيّ صنف؛ أكانت «غبية» أم ّذكية»، وقاسية أم رحيمة. وفي كلّ ما يتصل بالعقوبات التي تحول دون تصدير الحبوب الروسية والأوكرانية، لا صوامع روسيا طفحت وفاضت وأُلقي بمخزونها إلى البحر، ولا المخابز تأثرت، ولا الروبل هبط إلى حضيض.
والذين يغلقون اليوم منافذ الجياع إلى «سلّة خبز العالم»، في واشنطن وبروكسيل وعواصم الحلف الأطلسي، يدركون جيداً أنّ الحصار المفروض على قمح روسيا لن يوقف الحرب ولن يدفع سيّد الكرملين إلى مراجعة فصول غزو أوكرانيا، أو الجنوح إلى سلم من أيّ صنف، أو قبول تسويات مرحلية لا تحقق سلسلة أغراض مركزية كانت وراء قرار الغزو. في الآن ذاته، يتناسى قادة أمريكا والاتحاد الأوروبي والناتو أنّ معضلة النظام الرأسمالي الكونية الراهنة أشدّ مضاضة وأبعد أثراً من حكاية نقص الحبوب أو انقطاع الغاز والوقود؛ لأنّ كوابيس ارتفاع درجة حرارة الأرض بمقدار 1,5 مئوية (2,7 فهرنهايت)، قياساً على المعدّل ما قبل الصناعي، هو المعضلة الكبرى؛ الجاثمة على الصدور، غير القابلة للحلّ لأنها في حال تعارض تامّ مع الجشع الرأسمالي إلى التصنيع وتلويث كوكب الأرض. ولعلّ الأمين العام للأمم المتحدة خرج عن القاموس الدبلوماسي المعتاد في إبداء القلق، فقال بفم ملآن هذه المرّة: إنّ نتائج التغيرات المناخية يمكن أن تسفر عن «مدن غارقة تحت الماء، وموجات سخونة غير مسبوقة، وعواصف مثيرة للذعر، وحالات نقص في الماء واسعة الانتشار، واندثار مليون من أنواع النبات والحيوان».
وفي مناسبة موجات الحرارة العالية التي تضرب أوروبا هذه الأيام، يصحّ أن تُستذكر هنا واقعة فارقة شهدتها فرنسا صيف 2005 حين قضى أكثر من 5,000 فرنسية وفرنسي نحبهم جرّاء موجة طقس حارّ لم تدم أكثر من أسبوع. لا أحد، بالطبع، يعترض على أطوار الطبيعة حين تقسو على الكائن، غير أنّ الطبيعة ليست مسؤولة وحدها عن إزهاق كلّ هذه الأعداد الهائلة من الضحايا، وثمة مسؤولية مباشرة يتحملها الإنسان الذي امتلك من أسباب التكنولوجيا ما يكفي لقهر ــ أو في الحدّ الأدني السيطرة على ــ سورات غضب الطبيعة. والإنسان، في هذه الحالة، لم يكن سوى فرنسا: الدولة الرأسمالية، المنتَخبة حكومتها ديمقراطياً كي تكون مسؤولة، وكي تلعب دور راعية الرفاه والرخاء والأمن والطمأنينة. ومصرع هذا العدد الكبير، خاصة في صفوف المسنّين، بسبب أيّام معدودات من المناخ الحارّ، لاح في جانب مشروع من المسألة أشبه بـ 11 أيلول ‘سبتمبر) من طراز آخر؛ مع فارق أنّ الضحايا الفرنسيين لم يسقطوا على يد الإرهابيين من انتحاريي الطائرات الخارقة للأبراج، وإنما سقطوا ضحية مزيج من تعبيرات الطبيعة العشوائية وإهمال الدولة التي لا يتوجّب أن تكون عشوائية.
من جانب آخر سجّل تقرير، صدر مؤخراً عن «وكالة البيئة الأوروبية»، أنّ ظواهر قصوى من اضطراب المناخ أودت بحياة 142 ألف شخص، وكلّفت 510 مليارات يورو، خلال الـ40 سنة المنصرمة فقط؛ وأنّ 3% من إجمالي الظواهر المتطرفة في الطقس كانت وراء 60% من الأضرار المادية خلال الفترة المذكورة. الدولة الرأسمالية، هذه التي تنتج كوابيس المناخ وتخشى عواقبها في آن معاً، هي ذاتها التي تستطيب تحويل الغزو الروسي الأحمق والوحشي والتوسعي إلى مناسبة وعتبة وذريعة لإطلاق منظومة جديدة من حرب باردة لم تندلع أصلاً لأنها بقيت في إطار المخيّلات الإمبريالية/ السوفييتية؛ ولكنها الحرب التي ألحقت أبلغ الأذى وأشدّ الضرر بمصالح الملايين في مشارق الأرض ومغاربها، وفي جنوب العالم والمجتمعات النامية على وجه الخصوص. وإذا كان واضحاً تماماً مقدار ابتهاج البيت الأبيض بتورّط الكرملين في غزو أوكرانيا، وأوضح منه سعادة الصناعات العسكرية باشتعال حرب جديدة تتيح الإنتاج والتصدير والتدمير والمزيد من التصدير؛ فإنّ ما لا يقلّ وضوحاً هو انعدام الاكتراث لدى القوى التي تحاصر «سلّة خبز العالم» إزاء حقيقة كبرى ساطعة تقول إنّ فقراء العالم وجياعه هم المحاصَرون في المقام الأوّل.
وبئس مثل هذا الحصار، استطراداً، وأبأس منه أغراضه المنافقة المخادعة؛ التي يحدث، مع ذلك، أنها لا تخون تقاليد عريقة دأب النظام الرأسمالي على إنتاجها وإعادة إنتاجها.