سليم تقلا رائد مسيرة الديبلوماسية اللبنانية

النهار
من الأرشيف
30102018

    سليم تقلا.

    نستعيد في #نهار_من_الأرشيف مقالاً كتبه مسعود ضاهر وجيرار خوري في “النهار” بتاريخ 31 تموز 2005، حمل عنوان “سليم تقلا رائد مسيرة الديبلوماسية اللبنانية.

    بعد أن ساهم الفرنسيون في إعلان دولة لبنان الكبير عام 1920 بدأت مرحلة تظهير صورة هذه الدولة بصيغتها العصرية طوال فترة الانتداب 1920- 1943. فأعلن الدستور اللبناني بمشاركة فرنسية – لبنانية. وأعلنت الجمهورية برئاسة لبناني بعد أن كانت رئاسة الدولة منوطة سابقاً بحاكم فرنسي. وتم الاعلان عن برلمان ومجلس شيوخ ثم تم دمجهما بعد أقل من عامين في برلمان واحد ضم فئة من النواب المنتخبين وأخرى من النواب المعينين قبل أن يستغنى عنها في السنوات الاخيرة من عهد الانتداب.

    والى جانب تلك المراسيم التنظيمية في مختلف المجالات الدستورية، صدرت مجموعة كبيرة من القوانين والمراسيم والتنظيمات الادارية والمالية والسياسية والتربوية في عهد الانتداب. وقد اعتبرت تلك الخطوات العملية بمثابة التمهيد العملي لدولة الاستقلال التي حافظت على الكثير من سمات المرحلة السابقة بعد أن نقلت دفة الحكم من الفرنسيين الى السياسيين اللبنانيين. علماً أن نسبة عالية من رجال الاستقلال كانوا سابقاً من أنصار الانتداب الفرنسي، وتعاونوا معه لسنوات طويلة(…).

    تشكلت الوزارات الاولى بعدد قليل من الوزراء بعد أن أعطيت الاولوية للشؤون الداخلية، والتربوية، والخدمات. ثم بدأ عدد الوزراء يكبر تدريجاً لمواجهة متطلبات الدولة العصرية، وإرضاء القيادات السياسية ذات التمثيل الطائفي. وكانت وزارة الخارجية من أواخر الوزارات التي تم تشكيلها في العام 1943، كرمز لدولة مستقلة وذات سيادة، وتتبادل الاعتراف مع الدول الاخرى المشابهة.

    ولما كان سليم تقلا نموذجاً بارزاً للاداري الناجح الذي تدرب في ظل الانتداب وتدرج الى أعلى المراتب، فقد أسندت اليه وزارة الخارجية في لبنان بعد نيل الاستقلال السياسي مباشرة عام 1943. فبادر الى اصدار المراسيم التنظيمية الخاصة بالادارة الجديدة، ورسم الخطوط العريضة لأوليات عملها. فأمضى فيها قرابة 16 شهراً فقط اذ وافته المنية بصورة مفاجئة في 11 كانون الثاني 1945 وهو في عز العطاء، وفي قمة عمله الديبلوماسي.

    هذه المسيرة الحافلة بالنشاط كانت عنوان ندوة ثقافية عقدت في مدينة إيكس أن بروفانس الفرنسية خلال يومي 20 و21 حزيران 2003. وجمعت اعمالها في كتاب مهم بإشراف جيرار خوري، تحت عنوان: “سليم تقلا 1895 – 1945: مساهمة في استقلال لبنان”. ونشر بالفرنسية في إصدار مشترك عام 2004 بين كارتالا الفرنسية و”دار النهار”(ں)(…). فكيف تبدت سيرة هذا الاداري والديبلوماسي اللبناني المتميز من خلال اعماله الحافلة رغم وفاته المبكرة في الخمسين من عمره؟

    أولى الملاحظات المهمة في هذا المجال أن سليم تقلا ينتسب الى جيل مخضرم من الاداريين اللبنانيين. فهو ينتمي الى أسرة مسيحية كاثوليكية من الطبقة الوسطى، يقدم تاريخها نموذجاً راقياً لعائلة مسيحية من بلاد الشام، توزع ابناؤها في سوريا ومصر ولبنان. وقد نزح بعض افرادها من حمص حيث كان الجد الاول يتعاطى العمل الحرفي، الى كفرشيما في جبل لبنان، ومنها الى زوق مكايل عام 1860. وفي حين استقر شقيقه في اللاذقية، فإن بعض انسبائه هاجر الى كندا.

    كانت بيروت إبان الحقبة تضج بمختلف التيارات السياسية، والفكرية، والثقافية، والفنية، والادبية. وكانت تشهد تفاعلاً حقيقياً بين العروبة الثقافية ذات التوجه العلماني والعلوم العصرية والتكنولوجيا الغربية المتطورة. فتشبع سليم حبيب تقلا بمبادئ الثقافة العربية النهضوية ذات التوجه العلماني، الى جانب الثقافة الاوروبية العصرية في مطلع القرن العشرين. فقد ولد في 11 كانون الاول 1895 في زوق مكايل، بمتصرفية جبل لبنان. وكان من خريجي الدفعة الاولى لمدرسة الحقوق الفرنسية في بيروت عام 1920. شارك في عدد من الوظائف الادارية كمفتش قانوني في دويلة بلاد العلويين. ثم عمدت الادارة الفرنسية الى اختبار كفايته الادارية خارج دولة لبنان الكبير، وتحديداً في دويلة بلاد العلويين، قبل أن توكل اليه مهمات ادارية كبيرة في داخلها. فعين محافظاً للبقاع وهو لم يبلغ الثلاثين من عمره. وبعد أن اثبت قدرة وحنكة وحكمة طوال 19 شهراً، عينته ناظراً للداخلية في ايلول 1924، ثم محافظاً لبيروت عام 1928 بهدف تثبيت ركائز الاصلاحات الدستورية والسياسية والادارية التي أرسى دعائمها دستور 1926، وكانت تتطلب بصورة ملحة بناء مؤسسات عصرية وتقاليد ادارية في دولة حديثة النشأة.

    في العام 1936 عينته الادارة الفرنسية محافظاً للبنان الشمالي. وقد تم اختياره عمداً لادارة مناطق لبنانية ذات غالبية اسلامية تنادي بالوحدة مع سوريا. وكان دوره كبيراً في العمل على تعزيز الصلات بين الزعامات الوحدوية الشمالية مع الدولة اللبنانية. ولما كانت الظروف ملائمة جداً لتوحيد جهود اللبنانيين، نجح في اداء مهمته بعد أن كثر الحديث عن امكان إبدال الانتداب بمعاهدتين للصداقة والتعاون بين فرنسا من جهة وكل من لبنان وسوريا من جهة اخرى. وبات الجميع على اقتناع تام من أن الانتداب الى زوال اكيد، وان دولتي لبنان وسوريا ستبصران النور قريباً كدولتين مستقلتين ضمن حدودهما المعلنة سابقاً.

    لكن سليم تقلا غادر عمله الجديد بعد ان انتخب عضواً في البرلمان اللبناني في 9 تشرين الثاني 1937. ودخل معترك السياسة اللبنانية من باب الانتساب الثابت ضمن لائحة الكتلة الدستورية. كان سليم تقلا من أشد المناصرين للكتلة الدستورية التي كان يتزعمها الشيخ بشارة الخوري والتي كانت تنافس الكتلة الوطنية بزعامة الاستاذ اميل إده. واتفق مع زعيمها، الشيخ بشارة الخوري، على ضرورة التحالف الثابت مع تيار اسلامي لبناني وحدوي بزعامة رياض الصلح. وتم الاتفاق على أن وحدة اللبنانيين على أسس وطنية عروبية هي المدخل الوحيد لانهاء الانتداب الفرنسي واخراج قواته من لبنان. وأن قيام دولتين مستقلتين تتمتعان بسيادة تامة على أراضيهما في كل من سوريا ولبنان، يتطلب ايضاً أن تتعاونا الى اقصى حدود التعاون. ولقي هذا الاتجاه العروبي الدعم الكامل من التيار العروبي في سوريا نفسها. وخاض الجانبان معاً معركتي الاستقلال وجلاء الجيوش الفرنسية عن البلدين، ورفضا إبدال انتداب فرنسي بآخر بريطاني.

    في هذا السياق، اسند تحالف الخوري – الصلح وزارة الخارجية الى سليم تقلا، في أول وزارة استقلالية عام 1943. وقد طرحت تساؤلات منهجية عدة عن الاسباب التي حدت بالرئيس بشارة الخوري الى إسناد وزارة الخارجية اليه في مطلع عهد الجمهورية المستقلة.

    ليس من شك في أن انتماءه الى الكتلة الدستورية لا يبرر وحده ذلك الاختيار، وقد لا يكون السبب الأهم. فالرئيس الخوري كان يبحث عن ديبلوماسي لبناني يتقن جيداً لغة الديبلوماسية، ويعرف كيف يطبق مبادئ الميثاق الوطني في ممارسة عملية تحصن الدولة الفتية من الازمات المرتقبة مع الفرنسيين، وتفتح الابواب امام لبنان لنسج علاقات ممتازة مع اشقائه العرب ومع الدول الصديقة. فكان تقلا افضل من يجسد تلك الاهداف، ولديه الخبرة الادارية الغنية لتقديم صورة لبنان السيد الحر المستقل، والمتعاون الى اقصى حدود التعاون مع محيطه العربي.

    وعمل على اصدار المراسيم التنظيمية لادارتها المركزية، واعداد الجهازين الاداري والديبلوماسي فيها. وفتح اولى البعثات في باريس، ولندن، والقاهرة وغيرها. وأقام علاقات ديبلوماسية مع دول صديقة. وشارك في عضوية الدول المؤسسة لمنظمة الامم المتحدة، وفي الاعداد الجيد لميثاق الاسكندرية في 7 تشرين الاول عام 1944، والذي توج بالاعلان عن ولادة جامعة الدول العربية وفيه توكيد على استقلال لبنان الناجز على المستويين العربي والدولي. ويرى بعض المحللين ان سليم تقلا كان من صانعي مقولة “لبنان ذو وجه عربي”، التي شكلت السمة البارزة للديبلوماسية اللبنانية في مطلع عهد الاستقلال.

    كان سليم تقلا من السياسيين المتنورين الذين أدركوا، منذ البداية، أن دولة لبنان الكبير بنيت على أسس جديدة لا تمت بصلة الى نظرية إلحاق بيروت والاقضية الاربعة بمتصرفية جبل لبنان. فهل يصح القول ان بيروت، وهي مركز لولاية مترامية الاطراف منذ عام 1888، وطرابلس وصيدا اللتين كانتا مركزين لولايتين تحكمتا بامارة جبل لبنان لقرون طويلة، قد “ضمت” جميعها الى متصرفية جبل لبنان التي أنشئت على غرار متصرفيات اخرى في المنطقة وأبرزها القدس؟

    وكان سليم تقلا أبعد نظراً من غالبية السياسيين والمؤرخين، اللبنانيين وغير اللبنانيين، الذين روجوا وما زال بعضهم يروج لمقولة الحاق بيروت وباقي المناطق بالمتصرفية. فقد كان على مقربة من صناع القرار الفرنسيين الذين اوجدوا صيغة لبنان الكبير استناداً الى فكر سياسي صرح عنه الجنرال غورو في خطاب اعلان دولة لبنان الكبير. ومما جاء فيه أن الفرنسيين وجدوا في لبنان طوائف متناحرة وهم يعملون على توحيدها في ظل دولة عصرية قابلة للحياة(…).

    كان الديبلوماسي سليم تقلا شديد الايمان بتلك المقولات التي يتطلب تنفيذها بناء دولة عصرية، وادارة متطورة، والانتقال باللبنانيين من دولة الطوائف المتعايشة على ارض واحدة تبعاً لنظرية ميشال شيحا الى دولة المواطنة(…).

    ختاماً، آمن مؤسس الديبلوماسية اللبنانية، سليم تقلا، بأن بيروت رائدة للعروبة الثقافية. وعليها كعاصمة لدولة عصرية أن تصهر الطوائف اللبنانية على أسس وطنية تغلّب شعور الانتماء الى لبنان على الانتماء للطوائف. وقد عمل من اجل الحفاظ على سيادة لبنان واستقلاله انطلاقاً من ميثاق الاسكندرية، وشرعة الأمم المتحدة من جهة اخرى. فعروبة لبنان تعني لديه، وبالدرجة الاولى، الانفتاح على الثقافة العربية العقلانية خاصة ان المفكرين اللبنانيين ساهموا في انتاجها ونشرها. فهي عروبة ثقافية وليست عروبة طائفية. وهي عروبة ترفض التقوقع على الذات باسم اصالة تخاف الانفتاح على ثقافات الغرب والشرق. فلبنان مؤهل لدور رائد في مجال التفاعل الحضاري بين مختلف الثقافات العصرية، وأن يكون مختبراً عربياً متقدماً لنشر الثمرات اليانعة لكل ثورات التواصل الثقافي في منطقة الشرق الاوسط. كتاب متميز فعلاً يروي السيرة الذاتية لواحد من بناة ركائز الديبلوماسية الناجحة في لبنان.

    (ں) Gerard Khoury (Direction): “Sélim Takla 1895 – 1945: Une Contribution L Indépendance du Liban”. Karthal – Dar An – Nahar, Beyrouth 2004

    اضف رد

    لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

    *