الرئيسية / home slide / سليم بركات في روايته الجديدة «هؤلاء الصغيرات وأكياسهنّ الورقية»: ستينيات القامشلي السورية وحرائق الكائنات والطبيعة

سليم بركات في روايته الجديدة «هؤلاء الصغيرات وأكياسهنّ الورقية»: ستينيات القامشلي السورية وحرائق الكائنات والطبيعة

 «هؤلاء الصغيرات وأكياسُهنَّ الورقية»، الرواية الجديدة من الشاعر والروائي السوري سليم بركات، رحلةٌ في العمق الريفي لضواحي مدينة القامشلي السورية مطلع ستينيات القرن الماضي، وتآلفٌ لعناصر بسيطة في رواية قائمة على سيرة فتيات بين الرابعة عشرة والسادسة عشرة يجمعن أكياس الإسمنت الفارغة، المرمية كنفاية في مواضع بناءِ منازل بالحجر الإسمنتي.
جاء في التعريف بالرواية على غلافها الخلفي: «مدينة القامشلي السورية سنة 1962. فتيات صغيرات من عائلتين يتشاركن في جمع أكياس الإسمنت الفارغة. يقطِّعنَها. يفصِّلنها من جديد أكياساً صغيرة يبعْنَها للدكاكين. قواعدُ تلك الأكياسِ تُلصَق بعجين الخبز ممَّا يجعلها ثقيلة. أصحاب الدكاكين يتواطؤون معهن في شراء أكياسهن المغشوشة للتلاعب بأوزان البضائع في البيع للزبائن. خداعٌ طارئ ينهي الشراكة بين الفتيات، ليبدأ انتقامُ بعضهن من بعض بمنافسة في بيع الأكياس بخسةً». والحكاية تأخذ السردَ إلى شيء من تاريخ حجر الإسمنت الذي تحويه طبقة الأرض السطحية، وإلى منشأ مادة الإسمنت وصناعتها بالطهو في الأفران، مع رسم خطوط مثيرة في كيفية نشوء الفرن منذ المحاولات الأولى للإنسان القديم، الذي قلَّد حرائقَ الطبيعة التي أنضجت له لحوماً بالنار، إضافة إلى ما نعرفه من تحميص الحبوب والنقولات.
تصدر الرواية قريباً عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، عمّان وبيروت، في 368 صفحة؛ وقد خصّ بركات «القدس العربي الأسبوعي» بفقرات من العمل الجديد:

1ـ حين لم يستطع الإنسان القديم أن يحمل بيديه الإثنتين إلاَّ القليل من الثمار بعد قطفها، ومن فائض صيده أسماكاً، وقواقعَ، وصغارَ حيوان، وفراخَ طيور، أوقعه عجزه في مأزق: أيترك فائض ما حصل عليه من أطعمة خلفه قد يستولي عليها سواه، أو ربما تستعصي عليه العودة إليها فتؤولُ إلى تلفٍ؟
المأزقُ، مترتِّباً عمَّا لا تقْدِر يداه على جمع المتاع الفائض، هبَّ بخياله إلى مجابهةٍ لم تخطُر له قبلاً. أدار بصره من حوله مستنجداً بحيلةٍ تمكِّنه من نقلِ فائضِ الأطعمةِ فلا يتركه وراءه. لم يرَ شيئاً يوافق خيالَه في البلوغ إلى حيلةٍ. نظر إلى الجلود يرتديها اتِّقاءً من البرد، وستراً لأعضائه، وحمايةً من الهوامِّ. خلع بعض تلك الجلود في رضىً من عثوره على مَخرج:
كان الكيسُ الأول، ربما، في تاريخ التحايل على عدم التفريط بما لا يمكن ليدي الإنسان على حمله، هو قطعةُ الجلد من لباسه نزعها الإنسان الأول المتستِّر الجسد، فجعلها صُرَّةً ربطَ أطرافها على الأطعمة، وحملها مع شريكٍ كلٌّ بيدٍ، مدلاَّةً من عصا رُبطتِ الصرَّةُ إليها، للعودة إلى الكهف حيث الجوعى المنتظرون.
كان الكيس الثاني في تاريخ الإنسان، ربما، جعبةُ سهام القنص تُغنيْه عن حمل سهمين لا أكثر، واحدٍ في القوس، وآخرَ بين أسنانه.
كان الكيسُ الثالث في تاريخ الإنسان، ربما، قِرْبةُ الجلد منتقلاً بها من مكانٍ إلى آخر، تحفظه من عطشٍ إذا افتقدَ الماءَ.
كان الكيس الرابع، في الأرجح، خيالُه استقصى به الممكناتِ المحتمَلة لصُنع الأكياس، فاهتدى من ملاحظته أعشاشَ الطير إلى نسْجِ السلال، والقُفَف، من قصب الأَنْهر. ثم تدرَّج من اكتشافه القصبَ الأُملودَ، اللَّدنَ، المطواعَ لَياًّ لا ينكسر في تشكيل الأوعية، إلى ما يشاكله ويماثله من لحاء الشجر ينزعُه، ويَفِلُّه شرائطَ سهلةَ النسج على أية هيئة يريدها وعاءً.
نُقْلةُ الإنسان في صناعة الحاوياتِ الأكياسِ دَرَجَت به من لحاءِ الشجر استخدَاماً، ومثلِه من القصبِ، إلى شَعر البهائم الوحشيةِ المقتنَصة وأوبارها، وكذلك إلى شعر بهائمه المستأنسة الداجنة وأوبارها. غَزَلَ الشعرَ والوبر خيوطاً. نسجَ بالخيوطِ أجْرِبةً أكياساً لمقتنياته وأطعمتِه، وأقمطةً تحمل فيها النساءُ وُلْدانَهن الصغار على الظهور، وألبسةً يرتديها أكثر إتقاناً في التفصيل من جلود الحيوان يكتنف بها جسده.
توالت الكشوفُ على خيال الإنسان لصنع الأوعيةِ الأكياس، وقتاً بعد وقتٍ من صبره على التجاريب، واستقصائه عناصرَ النبات في محيطه. بلغَ بهِ نضالُ السعيِ إلى نبتة الجُوْت. عرَّى سيقانها من اللحاء الذي غدا عنصراً من عناصرِ نسجِ الألبسة للأمم القدائم.
أجسادٌ في أكياسٍ ـ ثيابٍ: كان ذلك هو إفشاءُ التاريخ أسرارَ نشوء الألبسة الأوائل من نبتةِ الجُوت.
الجوت ـ القُنَّب: إسمُ التعريف بنبتة الشرق البعيد عن مركز الأرض. لقبُها أيضاً: شجرةُ الخَيْش. هي ليست شجرة، لكنْ تستوفي بمنافعها لقبَ الشجرة لائقاً بها. قد تُصنَّف تكريماً لها على قيمةٍ تعادل قيمة الشجر المثمر لا غَنَاءَ عنها لحياة الإنسان. تكريمُ نبتة الخيش، والشجر المثمر، لا ينتقص ـ بالطبع ـ من هيبة أشجار الأرض الأخريات غير المثمرة، مذ هذه الأشجار هِبةُ الطبيعة من الأفياء يُسْتراحُ فيها، وتُرتجى وقايةً من الحماوة، ويُستخرج صمغُها وراتيْنَجُها ثمينين. وهي هِبةُ الطبيعة تُستوقَد دفئاً، وتُسَجَّرُ جمراً للطهو، ويُصاد في آجامها الطيرُ والحيوان، ويُتَّخذ خشبُها للمطلوب من بناءٍ وأثاث. أممُ الأرض استعارت الشجرَ، كلما تكاثفَ غاباتٍ وأدغالاً وآجاماً، لنشوء معتقدات الموحشِ والمخيف، والمخلوقات الموحشة، والمخيفة. تبارت الأمم كلٌّ بخيالها في تأسيس ما يخصُّها من مُعْتَقَد الأشجار ـ الأساطير.
شجرة القُنَّب لم تُدْرَج في أساطير سَحَرة الغابات وسَعاليها، لكنها حازت بخيوط أليافها أساطيرَ المنافع العادية، مُذ تُحسَب للأكياس المصنوعة من خيوطها متانةٌ تَعْدِل في صمودها صمودَ الأكياس من جلود الحيوان، وأوباره، وشَعره؛ بل تفوقُها في الذيوع صيْتاً للاستخدامات السهلة، وتُمْتَلك بكلفةٍ أقلَّ من أكلاف الأكياس الأُخر.
تفاوَتَ استقصاءُ المنافع من شجرة القنَّب. حظيت أليافُها البيضُ الرمادية، والبُنيةُ الخضرُ، بثقةٍ لا ثغرةَ فيها إذ تُصنع منها الأكياس. وحظيت أوراقُها بثقة النشوة يدخنها الإنسان ترفيهاً عن خياله كتدخينه التبغَ.
«الحشيشةُ» هي مأثرةٌ من مآثرِ كشوف البشر للروحانية في النبات. العطورُ، المراهم، الأشربةُ دواءً أو استمتاعاً بالنكهات، كلُّها روحانياتٌ في أعرافِ المنافع الإنسانية. لكن «الحشيشةَ» ـ مستعارةَ اللفظ من إسم العشب بالعربية لأوراق نبتةِ القنب ـ بلغت مرتبةَ الروحانيةِ صِرفةً. لقد سعى الإنسان، باستنشاق دخانها أن يستحصل لجسده تعالياً عن واقعه المرهَق بالضرورات لحفظ البقاء. شروط الواقعيِّ الصارم في ترتيب العلاقات، وقواعد العلاقات عملاً وسلوكاً، أجهدتِ البعض، الذي لم يذهب إلى خروج «عنيفٍ» على القانون، بل نحا إلى خروجٍ «لطيف» بالتحايل خيالاً على شروط الواقعيِّ، فتعاطى ما تعاطاه من مُسببات الهُلاسةِ كطحين الفُطر السحريِّ المسمَّى «أمانيت الذباب» ومسببات الخَدَر كطحين زهرة الخشخاش الأفيونية، ومسبِّبات النعاس المريح بلا نوم كاستنشاق دخانِ ورقِ نبتة القنب ـ سيدةِ أليافِ صناعة الأكياس.

2ـ صُنعتِ المكواةُ توسُّلاً إلى دوام المظهرِ في القماش مستوياً بلا معْسٍ. صُنعت ليتأنق القماشُ إن أُهين ارتداءً متَّصلاً، أو قُسِرَ على دَعْكٍ، أو حُبسَ مكوَّماً فوضى بلا ترتيب في طيِّه. لكنَّ المكواة النحاسَ، الصغيرة، في بيت أهل زلفو، هي لمهمةٍ أخرى.
هدلا تولَّت إيقادَ الحطبة في جوف المكواة مُعزَّزةً ببعضٍ من الكاز لتشتعل بعود كبريت. وإذ خمدت النارُ قليلاً، قبل أن تستحيل الحطبةُ إلى جمرٍ، أعانت النارَ، كي تتعافى، بمزيد آخر من الكاز أسقطته عليها من قارورة صغيرة.
تجلَّتِ النارُ، بحُسْن الروحانيةِ في صميمها كعنصر من الجواهر، متعاليةَ اللسان قليلاً، قبل أن تخفت. علاها دخانٌ كَتَمَ نفَسَ فخرها، فانبرت هدلا إلى نجدةِ الحطبةِ، كي تتوقَّد من جديد، بخفْقٍ قويٍّ من حاشية ثوبها على المكواة كالمروحة، فتوقدتِ الحطبةُ من أعاليها، ثم من أجنابها.
اقتربت دجاجات من المكواة، في فضولٍ هو من عادتهن إن أبْصرْن هَدْلا، الفتاة ذات الثلاثة عشر عاماً، تُسجِّرُ المكواة. استدارت إليهن هدلا تخفق بحاشية ثوبها دفعاً للهواء عليهن.
الترويحُ بالمراوح القش، وبحواشي الأثواب على الأجساد وجوهاً، وأفخاذاً، منعشٌ قليلاً في حصار الحماوة. لكنَّ الدجاجات لا يحفلن بذلك. خفقُ حاشية ثوب هدلا كالمروحة لن ينعشهن كما ينتعش به الجلدُ نازفاً عَرَقاً. الخفقُ ذاك بالأثواب، والترويحُ بالمراوح، مستطابان لمَنْ أثقلَ أرواحَهم الحرُّ، ومطلوبان إن اقتضى الأمرُ لتأجيج النار في الحطب إن خَبَت.
تراجعت الدجاجات قليلاً من غير حذر، أو خوفٍ من تهديد. هَدْلا، بالطبع، لم تهدِّدهن، بل كانت تعابثهن، لا أكثر، إذ عادت إلى المكواة تخفق عليها بحاشية ثوبها إمعاناً في استجلاب الحقيقة جمرةً من باطن الحطبة في جوف المكواة. رفعت صوتها تخاطب أختها زلفو المحتجبةَ داخل الغرفة:
ـ دجاجاتنا شغوفاتٌ برائحة الكاز.
«هذا ما تخبرينني به كلَّ مرةٍ تشعلين النار في المكواة»، عقَّبت أختها زلفو من باطن الغرفة.
اعترضت هدلا:
ـ هذه أول مرة أحدثك عن شغف الدجاجات برائحة الكاز.
«عمَّ كلَّمتِني إذاً، يا ابنة الدخان، كلما اقتربت دجاجة من المكواة؟»، سألتها زلفو، فردت هدلا:
ـ عن شغف الدجاج بالنظر إليَّ حين أُوْقِدُ الحطَبَ في جوف المكواة.
«كان دجاجنا شغوفاً بتشمم رائحتك، والآن شغوفٌ بتشمم رائحة الكاز»، عقبت أختها زلفو من جوف الغرفة لا ترى إحداهما الأخرى. أردفت: «السياراتُ شغوفةٌ بالكاز. دجاجاتنا صِرْن سياراتٍ».
«السياراتُ تستخدم البنزين، يا زلفو»، عقَّبت هدلا وقد أرْخت حاشيةَ ثوبها بعد ما تأكدت من استحالة الحطبة إلى جمرةٍ.
«هل مِن سيارات تشتغل بوقود من الماء؟»، تساءلت زلفو، فردت هدلا:
ـ أنت، وأنا، والأغنام، والمعزاة، والبقرة.
«أكُلُّنا سياراتٌ وقودُها الماءُ؟»، سألتها زلفو، فردت هدلا:
ـ لسنا سيارات. نحن شاحنات.
«ماذا عن الدراجات الهوائية؟»، سألتها أختها، فردت هدلا:
ـ دجاجُنا دراجاتٌ هوائية.
«بحقِّ الله عليك ضعي المكواةَ على ظهر دجاجة وأرسليها إليَّ»، عقَّبت زلفو. أردفت: «العجينُ يجفُّ».

3ـ «لا أخاف ركوبَ الطائرة. نبيُّنا محمد صعد إلى السموات السبع كلها على ظهر البُرَاق»، قالت سبحان. حدَّقت إلى شريكتها مستدركةً: «أرأيت صورةً للبُراق؟».
في بيت سبحان رسم للكائنة البُراق جمعتِ الأساطيرُ أعضاءَها على استعارةٍ من أعضاء الحيوان، وبعضٍ من أعضاء الإنسان، في وحدةٍ أجازتْها آلهةُ الأساطير هيئةً للكائن الحيِّ قبل تجزئته إلى مَرْتَبتيْنِ: واحدة دونية هي الحيوان، وأخرى عُلْوية راقية هي الإنسان، مع حِفْظِ مراتبَ أخرياتٍ دونيةٍ، وراقيةٍ في كل نوعٍ منها: حيواناتٌ كريمة، وأُخرُ مبتذلةٌ قيمةً. بشرٌ أكارمُ، وآخرون خسِّيسون.
للبهائم النورانية ـ التي نَعِمت في سِيَر الأنبياء بكرامةِ السرِّ وقُدسيته من ارتباطها، في موقفٍ مَّا، بأمرٍ يُحْسَب من مكْرُمات السماء ـ مَرَاجعُها المؤرَّخةُ يُسَلِّم بها الأتباعُ، والمريدون، تسليماً لا يعتريه شكٌّ.
أمثالٌ، من غير حصْر، أثبتَها المؤرخون: ناقةُ النبي صالح. كلبُ أهل الكهف. حوت النبي يونس. حمامة النبي نوح. كلُّها بهائمُ ـ حيواناتٌ وطيور ـ من مخلوقات الواقع يعرفها الإنسان، إلاَّ البُراق، التي سَرَتْ طائرةً من الأرض إلى فُجاج كل سماء من السبع المتراكبة طبقات كالورق متراكباً في أكياس الإسمنت. لم يَخرج مؤرخو البهائم النورانية في وصف البُراق عن جملة واحدة، مسكوكةٍ كالجندرة حرفاً جديداً فوق حرف سابق هو نفْسه: «إنها دابَّةٌ دون البغل، وفوق الحمار». أيْ: أصغر من البغل، وأكبر من الحمار. وما من مؤرخ نَسَب إلى تلك الدابة كلاماً، بالرغم من أن لها رأسَ أنثى بهيَّةِ السيماء.
تعدَّدت الرسومُ في استكناه الهيئة الخليقة بتلك الدابة المكرَّمة. كلُّها أثبتت الخصائصَ في انتساب أعضائها إلى صورة حصان، أو بغل، إلاَّ العنقَ والرأسَ الإنسانييْنِ تفنَّن الرسامون في بلاغة جمالهما ملامحَ، وفي بلاغة تصويرهما بحِلىً كُثرٍ تزيِّنهما.
رسامون من بعض مذاهب الدِّين اقتصدوا في المبالغات، فلم يسرفوا في تصوير وجه البُراق جميلاً يُفتن. رسامو المسلمين الفُرس بالغوا في التزيين بالحِليِّ، وفي تزويق ملامحها بهاءً. لم يهابوا النزول إلى ما حذَّرت منه مذاهبُ أُخرُ في اجتناب التصوير وحظْره. جلبوا إلى مائدة اللون رسومَ أنبياءٍ، وملائكة، وحوريات أيضاً.
«نعم. رأيت صورة البُراق»، ردت زلفو على شريكتها. «عند خالتي رسمٌ لها بجناحٍ واحد».
«جناح واحد؟!»، تساءلت سبحان مستغربة، فردت زلفو:
ـ تآكلَ ورقُ الرسم من إحدى جهتيه. اختفى جناحٌ.
«أليس الرسم مؤطَّراً، محفوظاً بزجاجٍ يحميه؟»، سألتها سبحان، فردت زلفو:
ـ إنها ورقة مثبتة بمسمارين إلى الحائط. ستتفتت ذات يوم.
«أين البُراق الآن، في اعتقادك، يا زلفو؟»، سألتها سبحان.
فكَّرت زلفو قليلاً، تتدبَّر لجوابٍ مُقْنعٍ مدخلاً بسيطاً إلى سؤال شريكتها البسيط. أدارت وجهها إلى أختها هدلا. نقلت التساؤل إليها:
ـ ما أفضل مكان يتبادر إلى ذهنك اختارته البُراق لسكنها؟
«ما أدراني؟»، ردت هدلا. استدركت تتباهى باقتدار خيالها على التخمين:
ـ إنها في مكانٍ ما من الجنة.
«هنيئاً لها»، عقبت سبحان. أردفت: «تأكل عسلاً، وتشرب الحليب».
اقتحمت هدلا تعقيبَ سبحانَ بإضافةٍ:
ـ وتصنع أكياساً.
ضحكت سبحان. سألت أخت شريكتِها:
ـ أين ستبيع الأكياس؟
لم تتردد هدلا في الرد من فورها:
ـ أين تظنين، يا سبحان؟ ستبيع أكياسها في الجنة.