الرئيسية / مقالات / سليم الجاهل بين ديغول وفؤاد شهاب

سليم الجاهل بين ديغول وفؤاد شهاب

بقلم المحامي عبد الحميد الأحدب
عن صفحة الكاتب على الفاسبوك
22022019

كان ذلك أيام زمان، حصل إشكال قانوني تطوّر الى قضائي بين شركة “إير فرانس” واستدعى الإشكال اتصالاً من الرئيس الفرنسي الجنرال ديغول والرئيس اللبناني فؤاد شهاب، وتحدث الرئيسان طويلاً عن نزاع عالق بين الشركة الفرنسية والدولة اللبنانية امام القضاء اللبناني وتوصّلا بالحديث الى حلّ للنزاع، وأبلغ الرئيس فؤاد شهاب مدير غرفة الرئاسة وقتها الياس سركيس بالتسوية وطلب منه الاتصال بالقاضي العالق لديه النزاع وإبلاغه بالتسوية، وكان هذا القاضي هو سليم الجاهل قاضي الأمور المستعجلة في بيروت، وانتقل الياس سركيس الى مكتب القاضي سليم الجاهل في قصر العدل ليُبلِّغ بأمر التسوية الرئاسية فرحّب القاضي سليم الجاهل بالياس سركيس ترحيباً حاراً ولكنه استوقفه بالقول: يا أستاذ الياس هذا اتفاق سياسي، والسياسة تقف على أبواب قصر العدل، فاعذرني ان ابقى قاضياً ينظر الى النزاع بتجرد وعدل ومن الزاوية القانونية وليس من الزاوية السياسية! وبعد أيام أصدر القاضي سليم الجاهل حكماً مخالفاً للتسوية التي توصّل اليها الرئيسان العملاقان، واسرع الرئيس يرسل للجنرال ديغول رسالة تقول ان القاضي لم يقبل بالتسوية التي توصلنا اليها ويعتذر منه، ولكن الجنرال ديغول ارسل لفؤاد شهاب رسالة يقول فيها انه يجب أن يعتزّ لبنان بقضاة يضعون الحق فوق السياسة، وبدلاً من ان يعتب الرئيس الفرنسي على لبنان هنّأه على هذه الثروات القضائية التي لديه، وبعد ذلك دقّ جرس الهاتف في منزل القاضي سليم الجاهل فردّ الجاهل على الخط، فسمع الصوت يقول: فؤاد شهاب عم يحكي، يا سليم انت أصدرت حكماً مخالفاً لتسوية سياسية رئاسية وانني افخر بك وكنت فخوراً كثيراً امام الرئيس الفرنسي! 
هذه حكاية من أيام زمان، أيام ما قبل وصول علي بابا وما قبل بوسطة عين الرمانة، بعد الطائف والدوحة والرئيس القوي عاد فنزل ظلام العثمانيين علينا فعُزِل القاضي شكري صادر من رئاسة مجلس الشورى بنقله الى محكمة أخرى لأنه يُصدر احكاماً قضائية لا تروق للحكام! واستقال القاضي شكري صادر من القضاء وتركه يتيماً يعاني ما يعانيه اليوم!! وزير العدل يمارس المحاماة وهو وزير عدل! 
وكان القاضي سليم الجاهل لبنانياً قوياً وصارماً في أفكاره ونظراته السياسية حين ترك القضاء وذهب الى السياسة حيث عُيِّن وزيراً، وقتها كان محسوباً على القوات اللبنانية يوم كانت بقيادة بشير الجميل، وكان المغفور له الرئيس بشير الجميل مرشحاً لرئاسة الجمهورية، وكان سليم الجاهل هو الوحيد من مستشاري بشير الجميل الذي يعارض ترشحه على رئاسة الجمهورية ليُنتخب من نواب جدّدوا لأنفسهم أكثر من أربع مرات! 
وكان يقول لبشير الجميل: انت يا بشير خامتك ثورية وإذا انتُخِبت من نواب يتلقّون التعليمات وغير التعليمات، وأوصلوا البلد للهاوية فإنك ستضطر لأن تصبح مثلهم، لو انتُخب اتاتورك من نواب “مهترئين” لما حقّق اتاتورك ثورة الفصل بين الدولة والدين، ولو انتُخب عبد الناصر من الباشوات لما أصبح الحاكم العربي الوحيد الذي عبَّر عن الأمة امام العالم كله. 
كذلك صلاح الدين الأيوبي الذي استطاع استخدام روح الأمة وان يُحَبِّبها لهدف محدّد هو توحيدها انتزاع النصر العظيم من الصليبيين ولم يُنتخَب من نواب مهترئين. 
كذلك المهاتما غاندي الذي استخدم الكثافة السكانية وربط بينها وبين الطبيعة الهندية ليخلق منها فكر مقاومة المستعمرين بشعار المقاومة السلبية وهو ايضاً لم يُنتخَب من نواب فاسدين. 
كذلك الجنرال ديغول الفارس الذي قال لتشترشل عندما قدّم له المساعدات: سجِّل أن فرنسا لا تقبل مساعدة غير مسجّلة. 
كذلك كاسترو الثوري الجريء، وهوتشي منه وتشي غيفارا المناضلان الثوريان ومَوْتسي تونغ الذي اختار ضمن الماركسية طريقاً يؤدي فيه خصوصية الصين. 
الجاهل يقول لبشير الجميل اذهب الى رئاسة الجمهورية بثورة، طريقها أصعب من انتخابات نيابية ولكنها تبقى الثورة امينة في يدك ونستطيع اصلاح هذا البلد وبناء روح وطنية غير طائفية فيه! 
رحم الله سليم الجاهل ولكن لبنان سيبقى يذكره نموذجاً للقضاء وللوطنية وللجرأة ولنظافة الكف. 
إذا كانت السياسة في لبنان ستبقى كما رسمها وطبّقها مكيافيللي وكما هي مطبقة اليوم فمشروع المدينة الفاضلة غير ممكن، اما إذا كانت السياسة هي كما عاشها سليم الجاهل، فالمدينة الفاضلة تصبح ممكنة. 
لم يتخرج سليم الجاهل من بارات السلطة ولا شغل وظيفة قرد بين قرود الوزارات، كان قاضياً طاهراً ورجل دولة. 
زماننا الرديء الذي صرنا نعيشه مضرج بالبشاعة والفضائح والخيانة والذنوب، فيه الرجولة الى غروب، لهذا رحل عنه سليم الجاهل.

اضف رد