الرئيسية / home slide / سليم الأول وآلان ميخائيل وسؤال «الحداثة المبكرة»

سليم الأول وآلان ميخائيل وسؤال «الحداثة المبكرة»

 وسام سعادة
القدس العربي
12102020

يفرض كتاب المؤرّخ الأمريكي آلان ميخائيل «ظلّ الله. السلطان سليم وصناعة العالم الحديث» الصادر قبل شهر ونيّف، نفسَه، على ورشة مراجعة السرديات المزمنة المتعلّقة بمطالع الأزمنة الحديثة، ودور الإمبراطورية العثمانية في تأمين حركة الإنتقال بإتجاه «الحداثة الأولى» أو «الحداثة المبكرة» حداثة القرن السادس عشر، سيّما وأنّه يخرج إلى القرّاء، في ذكرى مرور خمسمئة عام على لحظة الذروة في التاريخ العثماني، المتمثلة بوفاة السلطان سليم الأول «يافووز» وانتقال الحكم إلى نجله سليمان القانوني. لقد تمكّن سليم، بتحكّمه بتجارة الرقيق الأبيض الآتي من القوقاز وشمال البحر الأسود، كما بتحالفه مع تتار القرم، «والمصاهرة الرمزية» معهم (مصاهرة الجواري) من تأمين القاعدة المادية للفوز بسباق المُلك، رغم تفضيل والده بيازيد الثاني لنجليه الآخرين، قورقود وأحمد، عليه. واستطاع سليم في السنوات الثماني 1512-1520 لتبوئه عرش السلطنة أن يحقّق الإنتصار المدويّ على الدولة الصفوية بقيادة الشاه اسماعيل في جالديران 1514، وصولاً إلى دخوله عاصمة اسماعيل، تبريز في أذربيجان (الإيرانية) ثم تمنّع إنكشاريّته من مواصلة القتال عند نهر الرّس، وأنّ يجتاح أراضي سلطنة المماليك في الشام ومصر والحجار ويضمّها إليه، وينقل الإمبراطورية العثمانية من عصر كانت فيه بأكثرية مسيحية قبله، إلى عصر باتت فيه بأكثرية إسلاميّة.
والأهم، بمنظار آلان ميخائيل، أن سليم الأوّل أطلق التحدّي الأكبر في القرن السادس عشر: هيمنة العثمانيين، بالحرب وبالتجارة، على حوض البحر الأبيض المتوسّط، ما دفع الممالك المسيحية بأوروبا للخروج أكثر فأكثر من المتوسّط بإتجاه عالم ما وراء المحيط. في الوقت نفسه، يلحظ ميخائيل أنّه، رغم اكتشاف الأمريكيتين، والطريق البحرية إلى الهند، فإنّ أوروبيي القرن السادس عشر برمّته قلّما شغلتهم هذه الإكتشافات، مقارنة بالهاجس الأساسي بالنسبة إليهم طيلة هذا القرن: كيف يفلتون من الخطر الإسلامي العثماني، الذي وجد نفسه من بعد سليم، يسلك على يد ابنه سليمان، طريق اجتياح حوض الدانوب، بعد النصر على المجريين في معركة موهاج 1526، والحصار العثماني الأوّل لمدينة فيينا عام 1529.
لئن غلب تأريخ النقلة باتجاه «الحداثة المبكرة» باكتشاف أمريكا بدءاً من رحلة كولمبوس الأولى باتجاه العالم الجديد المعتقد أنه الهند، 1492، أو بمجمل الكشوفات البحرية الكبرى، وبخاصة اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح 1497، وسلوك فاسكو دا غاما الطريق البحرية من البرتغال إلى الهند، أو بانطلاقة حركة الإصلاح البروتستانتية مع مارتن لوثر عام 1517، فقد جرى مطوّلاً تقديم حضارات الإسلامدار، والإمبراطوريّات المتسيّدة عليها في ذلك الوقت، كما لو أنه لا ناقة لها أو جمل في إحداث هذه التغييرات الكونيّة الكبرى. تبرز أهمية كتاب ميخائيل هنا، في تشديده على أنه لا يمكن فهم هذه المنعطفات من دون السؤال مثلاً لماذا كان يريد كولومبوس من الأساس اكتشاف طريق للهند، باجتياز المحيط، ومن دون المرور على أي من ممالك المسلمين لا برّاً ولا بحراً؟ ولماذا موّلت ملكة قشتالة ايزابيلا رحلته، في نفس عام سقوط آخر معقل موريسكي جنوب الأندلس (غرناطة)؟

سبقت رحلات كولومبوس وصول سليم إلى رأس السلطنة، لكنها أسست لتسارع الزمن نحو الاستقطاب أكثر فأكثر في زمن الحداثة الأولى، «مع» و«ضد» الدولة العثمانية

ما يسعى ميخائيل لإظهاره، واستجماع الشواهد عليه، أنه وكما أن اسبانيا بعد فتحها غرناطة اعتبرت بأن المعركة مع المسلمين ينبغي أن تستكمل في شمال أفريقيا، فإن هذه الذهنية «الصليبية» كانت تتحكم بدوافع كولومبوس، ولا يريد أن يكتفي فقط باكتشاف طريق تجارية إلى الهند لا تمرّ بممالك المسلمين، بل يمنّي النفس بأن يسهم هذا الإكتشاف في محاصرة المسلمين من الشرق، مع كل ما يمكنه أن يختلط بذلك، بالنسبة لذهنيات ذلك الوقت، من رغبة في الوصول مجدّداً إلى أورشليم. يرصد ميخائيل أنّ «شبح مواجهة الإسلام» في أسلوب تعامل «الكونكيستادور» الإسبان مع الأزتيك في المكسيك، بل يذهب بعيداً، وأنّ هذا الهاجس تجدد مع بدء توافد الرقيق المستقدم من غربي أفريقيا للأمريكيتين، بخاصة وأن قسماً من هؤلاء كانوا مسلمين، فانتاب الاسبان والبرتغاليين ومن بعدهم الانكليز الخوف من أن ينتشر الإسلام في الأمريكيتين انطلاقاً منهم، وأن المتغيّر مع الآباء المؤسسين للولايات المتحدة الأمريكية أنهم بدّلوا زاوية النظر التي اعتمدها كولومبوس: هو كان يريد اكتشاف طريق للهند، كيف تصلح الهند كقاعدة له لاستعادة أورشليم، أما هم فتعاملوا مع أمريكا كأورشليم جديدة. لكن عندما سيعرّج الأديب الأمريكي مارك توين على بلاد الشام في القرن التاسع عشر، فإنه سيشّبه العرب في كتابه «رحلة الأبرياء» بأهل أمريكا الأصليين. لئن كان الآخر عند كولمبوس هو المسلم، وسكان الكاريبي الأصليون هو امتداد له، فالآخر عند مارك توين هو «الهندي الأحمر» والعربي امتداد له!
سبقت رحلات كولومبوس وصول سليم إلى رأس السلطنة، لكنها أسست لتسارع الزمن نحو الاستقطاب أكثر فأكثر في زمن الحداثة الأولى، «مع» و«ضد» الدولة العثمانية. ما ظهر كسبيل مفتوح للتوسع الإيبيري ما وراء البحار نهاية القرن الخامس عشر، انقلب إلى حال مختلفة تماماً مع سليم وسليمان: توسع عثماني متواصل، من جالديران إلى مرج دابق والريدانية إلى موهاج. هجمة مرتدة شاملة وكاسحة، بدت بالنسبة لبابا روما وممالك أوروبا المسيحية كما لو أنها لم تعد تقاوم. من هنا، يجازف ميخائيل في الربط بين انتصار سليم على المماليك 1516 ـ 1517 وبين انطلاقة حركة الإصلاح البروتستانتي. والبناء هنا على أن حركة الإصلاح اتهمت البابا ليون العاشر، الذي كان دعا في تلك الفترة الى حملة صليبية جديدة لم يكتب لها الإقلاع، باضعاف المسيحية حيال العثمانيين، وخلصت إلى أن «البابا أسوأ من السلطان». وهذا الربط ينقصه ما يلزم من عناصر حفريّة تدعمه في شغل ميخائيل. الربط الأكثر تاريخية هو بين نجل سليم، سليمان، والحركات البروتستانتية ومدّه لها بالدعم مباشرة وصولاً إلى هولندا.
يشدّد ميخائيل غير مرة في الكتاب بأنّ «الإمبراطورية العثمانية صنعت العالم الذي نعرفه اليوم» ويقدّم إسهاماً نوعيّاً على طريق فهم التاريخ العثماني في مرحلة التوسّع، من ضمن خطاطة التاريخ الكوني، إلا أنّه يتحمّس فوق اللزوم لأطروحته الأساسية، بحيث «يسلق» بعض الموضوعات سلقاً بشكل فادح. مثلا، تجده يحسم بأن سليم وبعد انتصاره على آخر سلاطين المماليك، تومان باي، المشنوق عند باب زويلة، تقلّد الخلافة من المتوكل الثالث العباسي، الذي يقدّمه ميخائيل على أنه «قريب» تومان، ولا يشير حتى لنسبه العباسي.
بمعنى آخر، يستسهل ميخائيل القول أن سليم جمع بين السلطنة والخلافة منذ العام 1517، وهذه رواية متأخرة جداً في التاريخ العثماني، وقد ردّدها مصطفى كمال في «النطق» عام 1927، عندما ذهب إلى انه «لو لم يعط يافوز (القاطع، لقب سليم) فاتح مصر أهمية لهذا اللاجئ (العباسي) الذي يحمل اسم خليفة لم نحمل هذه التركة إلى يومنا».
بيدَ أنّ المؤرخ الدياربكري (ت 1559) يظهر لنا أن المتوكل الثالث، رجع من اسطنبول إلى القاهرة بعد وفاة سليم، وأنه في العام الموافق لـ1541 كان لا يزال هناك من يعرف على أنه خليفة في مصر! كذلك، تسقط في سرد ميخائيل الأحادية، تلك الملاحظة المزدوجة لمؤرخ الفترة في مصر، ابن اياس الشركسي في «بدائع الزهور» فمن ناحية يظهر ابن اياس أنه في مصر قبل الفتح العثماني «كان يشاع العدل الزائد عن أولاد ابن عثمان وهم في بلادهم» وأنه من ثم «لم يظهر لهذا الكلام نتيجة» وهو ما يفتح الباب لرصد اختلاف نظرة مؤرخي المرحلة في الشام وحلب حيال سليم والفتح العثماني قبله وبعده وبالاتجاهين، مثلما أن ابن اياس يذكرنا بأنه في لحظة تهاوي المماليك، ولبضعة أسابيع، كان الخليفة العباسي «الصوريّ» سابقاً المتوكل الثالث «صاحب الحل والعقد والأمر والنهي وصارت أولاد السلاطين (المماليك) جالسة في دهاليز بيته».

كاتب لبناني