الرئيسية / مقالات / سفاهة الأسمر و”داعشيّة” الرأي العام

سفاهة الأسمر و”داعشيّة” الرأي العام

أمّا وقد استقال رئيس الاتحاد العمالي العام بشارة الأسمر من موقعه، رغماً عنه، ولم يكن له نصير ولا خيار بديل في ظل الحمأة الشعبيّة والموجة الإعلاميّة اللّتين حاصرتاه، وحاصرتا معه الاتحاد العمّالي العام، وأسرتا كل القوى السياسيّة، لأن نكتته السمجة أتت في الوقت غير المناسب، واستهدفت شخصاً كان رمزاً واستمر بعد وفاته، فلا بُد من قراءة واقعيّة، أقرب إلى العقل، من جنوح العاطفة، وغيرة الدين، والمبارزة السياسيّة.

لننطلق من أن كلام بشارة الأسمر، كان ثرثرة عُرف بها صاحبها في ظل فيض الكلام لديه، والذي لا يكون مدروساً دائماً، واستشهد بالبطريرك الراحل مار نصرالله بطرس صفير عندما سئل عن ثرثرة أحدهم، فأجاب: “عندما يلقي الواحد منّا عشر كلمات فإنّه لا بُد أن يخطئ بواحدة، وعندما يحكي كثيراً فعليكم أن تعدّوا الأخطاء”.

لم يكن كلام الأسمر مقصوداً لأن أي فعل مُشابه واضح ومُعلن يجب أن يكون محسوب النتائج، ولا أظنّ أن صاحبه بلغ من الغباوة درجة الاستعداد لمواجهة الكنيسة والرأي العام في أسبوع وفاة البطريرك العظيم.

إن كلام الأسمر لم يكن معدّاً للنشر والتوزيع، أي أن القدح والذم لا ينطبقان عليه في الفعل الجرمي، وإنّما أطلق نكتة سمجة غالباً ما تتكرّر كل يوم على ألسنة كثيرين وتتناول الله والقدّيسين، والبطاركة والمفتين، ولا حاجة إلى التأكيد أن الله أرفع مرتبة من رجال الدين ومع ذلك لا يُحاسَب أحد على كلامه.

إن ردود الفعل التي انطلقت بالغت كثيراً، إذ إن القاصي والداني تسابقا في المطالبة بإعدام الأسمر، كأنّهم جميعاً بلا خطيئة، أو كأنّهم وجدوا الفرصة المناسبة لا للانقضاض على الأسمر، وإنّما لإثبات الوجود عبر المزايدة في المواقف.

إذا عدنا بالذاكرة إلى العام 1989، لا يزال المشهد ماثلاً أمامنا عندما أجبر أنصار العماد ميشال عون البطريرك نفسه على تقبيل صورة الجنرال، وأهانوه داخل الصرح ما اضطرّه إلى المغادرة ليلاً باتجاه الديمان.

وفي الذاكرة أيضاً أن النائب السابق سليمان فرنجيه قال رداً على كلام للبطريرك “أنه رأى نسوة في بكركي فاهتاج”. وفي هذه وتلك، وفي مواقف أخرى لم يسلم بطريرك الموارنة من الموارنة أنفسهم. ولم ينجُ البطريرك بشارة الراعي من سهام هؤلاء عندما زار سوريا والقدس، وفي محطّات عدّة حوصر بشائعات عن فضائح وأفلام مصوّرة وغيرها.

ما حصل في اليومين الأخيرين من تطوّرات دخل على خطّها القضاء ووزراء، تخطّى حدود القانون، واتُّخذت الإجراءات بقوّة الرأي العام، لكن هذه الإجراءات وإن كانت مطلباً شعبيّاً لم يكن ممكناً التصدّي له، إلّا أنها أظهرت “داعشيّة” مسيحيّة وميلاً إلى القمع، وخنق حريّة التعبير من خارج القانون، كما أظهرت ميلاً إلى تقليد العادات المتخلّفة، إذ ذكر كثيرون، من باب المقارنة، وسألوا عن ردود فعل المسلمين عند تناول السيد حسن نصرالله أو الرئيس نبيه برّي بالسوء، وإقفال طريق المطار وإحراق الإطارات، كأن التشبّه بالتخلّف والخروج على القانون صارا مفخرة.

ما قاله الأسمر مسيء له وللبطريرك ولكل مواطن شريف، لكن تبقى ملحّة حاجة المجتمع اللبناني للعودة إلى العقل، وتفعيل عمل المؤسّسات وسيادة القانون، لأن المسار الانحداري الذي نمضي فيه، يقودنا إلى القعر الذي لا خروج منه، والذي تتسابق عليه المذاهب والمجموعات اللبنانية.

اضف رد